من معاني “القوة” في الاسلام: امتلاك النفس عند الغضب.(1/2)


من معاني “القوة” في الاسلام: امتلاك النفس عند الغضب.(1/2)

روى الامام البخاري في صحيحه، كتاب الادب، باب الحذر من الغضب، عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: > ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، انما الشديد الَّذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ!!

مقدمة

هذا الحديث نموذج من النماذج التي تدل بمجموعها على منهج نبوي حكيم في توجيه الجماعة المسلمة وتربيتها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم -انطلاقا من وظيفة الرسالية، وبوحي من الله عز وجل ثم بمعايشته لواقع الناس عن كثب- كان على اطلاع تام بأدواء البشرية ومشكلاتها، ومعرفة دقيقة بأسبابها الظاهرة والباطنة.

وقد كان علاجه لتلك الأدواء والمشكلات بأساليب متنوعة، ومن ذلك ما يوحي به هذا الحديث الذي قصد النبي (ص) من خلاله تصحيح مفهوم القوة في الإسلام.

وهذا الحديث هو واحد من مجموعة أحاديث كان الهدف منها هو تصحيح المفاهيم وفتح آفاق جديدة في النظر إلى الأمور. وبالنسبة لهذا الحديث فإنه يمكن النظر فيه من زوايا مختلفة عبر الفقرات الآتية :

1-  علاقة المسلم بنفسه علاقة صراع

اسْتُعْمِلَتْ في هذا الحديث لفظتان تَدِلان على القوة، وهما “الشديد” و”الصُّرَعة”.

أما الشديد فمعروف، وأما الصُّرَعَة فقد قال القسطلاني : >الصُّرَعَةُ بضم المهملة وفتح الراء، وهو من أبنية المبالغة، وكل ما جاء بهذا الوزن بالضم والفتح كهُمَزة ولُمَزة وحُفَظة وضُحَكة. والمراد بالصُّرَعَةِ من يَصْرِعُ الناس كثيراً بقوته فنُقِل إلى الذي يملك نفسه عند الغضب؛ فإنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومه، ولذا قيل : أعدى عدوٍّ لك نفسك التي بين جنبيك.

وهذا من الألفاظ التي نُقلت عن موضوعها اللغوي لضرب من التوسع والمجاز، وهو من فصيح الكلام؛ لأنه لمَّا كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت شهوة الغضب فقهرها بحِلمه وصرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولايصرعونه<. (إرشاد الساري : 9/71)

وانطلاقا من هذا البيان لبعض ألفاظ الحديث وانطلاقا من أسلوبه ومضمونه العام، وكذلك من خلال سبب ورودِ معناه في روايات أخرى يفهم أن علاقة المسلم بنفسه علاقة صراع وجهاد، وذلك ضمن مقصد تربوي يهدف إلى تطويع النفس لأمر الله عز وجل بما يُصلِح حالها في الدنيا ويسعد صاحبها في الآخرة.

وقد روى مسلم في صحيحه في كتاب البر، حديثا عن عبد الله بن مسعود وفيه >أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما تعدون الصُّرَعَةَ فيكم؟ قال : قلنا : الذي لا يصرعه الرجال، قال : ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب<

وفي رواية الإمام أحمد من حديث رجل لم يُسَمِّهِ شهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : >الصُّرَعةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ -كررها ثلاثا- الذي يغضب فيشتد غضبه ويَحْمَرُّ وجهه فيصرع غضبه< (فتح الباري 10/519)

وروى البزار بسند حسن عن أنس >أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ بقوم يصطزعون فقال : ما هذا؟ قالوا : فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه، قال : أفلا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغبله وغلب شيطان صاحبه< (فتح الباري 10/519)

وهذه الروايات وإن كانت في مجال خاص من مجالات الصراع وهو مجال الغضب، إلا أن هناك أحاديث أخرى وآيات كثيرة تؤكد شمولية الصراع في مختلف المجالات وسائر الحالات التي يحتمل فيها الخروج عن الاعتدال.

قال الراغب : >الإجتهاد أخذُ النفس ببذْل الطاقة وتحمُّل المشقة، يقال : جهَدْتُ رأيي وأجهدته أتْعبتُهُ بالفكر، والجهادُ والمجاهدة استفراغ الوُسع في مدافعة العدوِّ، والجهاد ثلاثة أضْرُبِ : مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى : (وجاهدوا في الله حق جهاده) (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)< (مفردات ألفاظ القرآن : جهد)

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (محاسبة النفس : ص : 62-63) بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >إن الشديد ليس الذي يغلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه< فلم يقصر الكلام على غلبتها عند الغضب!

2- قدرة الإنسان على التحكم في نفسه

يدل الحديث على أن الإنسان يستطيع أن يتحكم في نفسه، أما السبيل إلى ذلك، فإن الحديث يرشد بطريقة ضمنية إلى الإهتمام بالقوة العاقلة في الإنسان، وردها إلى أصل الفطرة، وتهذيبها بالشرع وتزكيتها بأنوار التعبد. وبذلك ينمو الجانب المعنوي في الإنسان ويقوى ليكون رقيبا على الجانب الحيواني فيه، يحرسه ويوجهه ويضبطه، فيكون بمثابة “قوات التدخل السريع” التي تتدخل في الوقت المناسب لتتجه بالأمر وجهة أخرى أنسب وأصلح.

3- الغضب مجال من مجالات الصراع.

ومما لاشك فيه أن الغضب -باعتباره ثورة داخلية في جسم الإنسان على المستوى النفسي والفيزيولوجي- يشكل مجالا خطرا من مجالات الصراع والمجاهدة، وربما يكون أخطرها !

وإنما سميت الغضب مجالا تنبيها على أن الأمر لا يتجه إلى الغضب في حد ذاته باعتباره عدوا ينبغي صرعه، وإنما المقصود هو صرع النفس وامتلاكها عند الغضب.

4- مفهوم الغضب.

الغضب قوة من القوى الأساسية في الإنسان وطاقة من طاقاته الطبيعية الكبرى. وتَرِدُ في كتابات العلماء والفلاسفة عبارات مثل “القوة الغضبية” و”القوة الشهوية” إشارة إلى قوىً جُبِلَ عليها الإنسان.

وفائدة هذا أن الغضب ليس مذموما لذاته، بل لِمَا يرافقه من قول أو فعل، وكذلك لنوع  الأسباب التي أدت إليه، ومن ثم فقد استشكل بعض العلماء أن يكون المراد النهي عن نفس الغضب في قوله صلى الله عليه وسلم >فيما رواه أبو هريرة أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال لا تغضب، فردَّدَ مِراراً، قال : لا تغضب<

قال الخطابي : >معنى قوله “لا تغضب” اجتنب أسباب الغضب، ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه! لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجِبِلَّةِ< (فتح الباري 1/520).

وقال ابن حبان : >أراد لا تَعْمَلْ بعد الغضب شيئا مما نهيت عنه، لاَ أَنَّهُ نهاه عن شيء جُبِلَ عليه ولا حيلة له في دفعه< (فتح الباري 10/520)

ومما يدل على هذا المفهوم أن البخاري رحمه الله قَدَّمَ لموضوع الغضب من كتاب الأدب فقال  : >باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى<، ثم ذكر خمس روايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها مثل هذه العبارات التي تصف حال النبي (ص)

قال – >…..فتلوَّنَ وجْهُهُ……<

- >……فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد غضبا في موعظة منه يومئذ…..<

- >……قال : فغضب رسول الله صلى عليه وسلم حتى احمرّت وجنتاه – أو احمَرَّ وجهه…..<

قال ابن حجر : >وفي كل منها -أي هذه الأحاديث- ذكر غضب النبي صلى الله عليه وسلم في أسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كله كان في أمر الله، وأظهر الغضب ليكون أوكد في الزجر عنها< (فتح الباري 10/518).

ومن ثم فقد فرَّق ابن حجر بين الغضب الديني والغضب الدنيوي (المصدر السابق : 10/521)

وقال الإمام الغزالي : >…..فَقْدُ الغضب مذموم وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحِلم، وحفظه على حد الإعتدال هو الإستقامة التي كلف الله بها عباده وهوالوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : >خير الأمور أوساطها< فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه. ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جَرَّهُ إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سَوْرَة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، فهو الصراط المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف، فإن عجز عنه فليطلب القرب منه قال تعالى : >ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة<، فليس كل من عجز عن الإتيان بالخير كله ينبغي أن يأتي بالشر كله، ولكن بعض الشر أهون من بعض وبعض الخير أرفع من بعض.< (إحياء علوم الدين 3/180)

ونخلص في هذه المسألة إلى أن الغضب قوة من قوى الإنسان وطاقة من طاقاته ينبغي حسن تصريفها واستعمالها، وأن قيمة الغضب تتحدد بحسب نوع السبب الذي أدى إليه هل هو لله أو لغير الله، وهل هو مِمِّا جُبِل عليه الإنسان أومما يُقَوَّمُ بالرياضة، كما ان قيمته تتحدد أيضا بنوع السلوك الذي يصاحب حالة الغضب.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>