مستقبل اليمن الموحد بعد حرب الإنفصال


مستقبل اليمن الموحد

بعد حرب الإنفصال

بدخول القوات الحكومية لمدينتي عدن والمكلا، اصبحت الوحدة اليمنية ليس مكتسبا شعبيا ينبغي المحافظة عليه فحسب بل مصيرا حتميا ومن مكونات البقاء، التي إن ذهبت ضاع اليمن السعيد وخلفته “يمنات شقية”. لذلك فالمطلوب من الحكومة اليمنية ومن الشعب اليمني بذل الجهد واعتماد الحكمة في المحافظة على الوحدة، وذلك على المستوى الداخلي والاقليمي والدولي.

1 – على المستوى الداخلي : ضرورة إعادة بناء الدولة على اساس الوحدة والديمقراطية واللامركزية :

بالرغم من مضي اربع سنوات على توحيد شطري اليمن فإن النزعة الإنفصالية ظلت مستمرة لإستمرار مؤسسات ما قبل الوحدة. لذلك فالمطلوب من المسؤولين ومن كافة شرائح الشعب اليمني تصفية هذه النزعة عن طريق تصفية الثقافة الإنفصالية السائدة في برامج التعليم ووسائل الإعلام المختلفة، وعن طريق تصفية مؤسسات التشطير وذلك بالعمل على توحيدها وإعادة هيكلتها وفق الظروف الراهنة والحاجات المستقبلية في إطار خطة دقيقة وشاملة لتأسيس دولة موحدة ونظام موحد، وفي هذا الصدد نذكر الإجراءات التالية :

- توحيد الجيش وقوات الأمن وإعادة تنظيمهما.

- توحيد الإدارة مع طرد العناصر الإنفصالية من المواقع الحساسة، واجتناب المجاملة في التنصيب التي تهدف المحافظة على التوازن الجنوبي -الشمالي في المناصب القيادية، والعمل بمبدأ “الرجل المناسب في المنصب المناسب” دون النظر لأصوله الجغرافية أو انتمائه الحزبي أو القبلي.

- إعادة النظر في النظام السياسي والإداري، على أن تستغرق هذه العملية الوقت الكافي، وبدون التشويش على السير العادي للمؤسسات الحالية، مع إشراك مختلف الفعاليات اليمنية في دراسة هذا الأمر.

- توحيد النصوص القانونية أو تجديدها حسب الظروف الجديدة التي أصبح يعيشها اليمن.

- توحيد العملة ومؤسسة البنك المركزي.

- انتهاج اللامركزية في المجال الإداري والإقتصادي، ، وذلك بتقطيع البلاد إلى جماعات محلية على أن يراعى عند التقسيم التجانس والإنسجام الطبيعي والبشري، وتشكيل مجالس جماعية منتخبة انتخابا مباشرا من طرف الشعب تقوم بتسيير هذه الجماعات وفق صلاحيات واسعة تخول لها من طرف المركز وبمقتضى قوانين ومواثيق واضحة ودقيقة.

- رسم خطة اقتصادية واجتماعية شاملة متوسطة المدى، تعمل على النهوض بالبلاد بشكل أفقي (التنمية الأفقية هي التنمية التي تسعى لتطوير كل مناطق البلاد) وعمودي (التنمية العمودية هي التنمية التي تعمل على تنمية قطاعات معينة بشكل نسقي حسب أولويات ومصالح البلاد).

- تحويل مداخيل البترول إلى الإنفاق الإستثماري وعدم تبذيرها في الإنفاق الإستهلاكي، وللعلم فإن مداخيل البترول يمكن أن تصل إلى مليار ونصف مليار دولار سنويا.

- تطبيق خطة ثقافية تهدف إلى تثبيت عقلية وفكر الوحدة والخلاص من رواسب عهد التشطير وأفكار النزعة الإنفصالية، وذلك في المجال التعليمي والفني والإعلامي..

أما بخصوص الإنفصاليين الذين لم يستفيدوا من العفو والذين لم يتوبوا بعد، فإنهم يطالبون حاليا بالحوار السلمي عبر قناة المفاوضات، وفي حالة فشل هذه الوسيلة فإنهم -حسب ما يعلنون- سيضطرون للعمل المسلح. ولكنه لم يعد للإنفصاليين أي حق يطالبون به، ثم إن المفاوضات التي يطالبون بها، ألم تكن الحرب هي الخيار الوحيد الذي كان متبقيا بعد استنفاذ كل الوسائل السلمية لإرضاء زعامة الحزب الإشتراكي؟ بالإضافة إلى أن الإنفصاليين لا يتوفرون على أية صيغة تمثيلية لسكان الجنوب حتى يتحدثون باسمه ونيابة عنه. لذلك فإن مستقبل الحركة الإنفصالية سيكون مثل المعارضة السودانية التي تحولت إلى معارضة الصالونات والفنادق الفخمة -حسب تعبير الرئيس السوداني عمر حسن البشير- بالإضافة إلى أن غياب رمز الحركة الإنفصالية الذي صرح بتجميد نشاطه السياسي سيؤثر كثيرا على معنويات وعلى وحدة مواقف القيادة الإنفصالية، وبالتالي نفور القواعد من هذه القيادة ورجوعها إلى صف الشعب المتمسك بالوحدة.

وخير ما تفعله الحكومة للتخلص من الإنفصاليين هو محاصرتهم بواسطة الإجراءات التي ذكرناها، وبإشراك كل الإتجاهات السياسية في العمل التنموي بما في ذلك أعضاء الحزب الإشتراكي الذين كانوا متمسكين دائما بالوحدة أوالذين تابوا بعدما غُرِّرَ بهم.

2 – على المستوى الإقليمي : تسوية المشاكل الحدودية ورفع العزلة العربية.

أول ما ينبغي أن تقوم به الحكومة اليمنية بعد انتهائها من الحرب ودحرها لمحاولة الإنفصال بالقوة، هو تحسين علاقتها القومية التي تأثرت بهذه الحرب وبموقفها السابق من حرب الخليج الثانية. ولعل أهم خطوة ينبغي أن تقوم بها الحكومة هو تسوية المشاكل الحدودية مع السعودية، التي تستغل منطقة عسير اليمنية الغنية فلاحيا والتي تبلغ مساحتها 80 ألف كلم مربع، وذلك بموجب اتفاقية أبرمت سنة 1934. فالمطلوب هو إما تمديد عمر هذه الإتفاقية لبعض سنوات أخرى، حتى تكون هذه المدة الزمنية عبارة عن مرحلة انتقالية يستعد فيها الطرفان لانتقال السيادة على المنطقة بشكل سلمي وبدون أن يحدث ذلك أية مشاكل للطرفين مستقبلا. وإما أن تلتزم السعودية ببنود الإتفاق وتقدم على تسليم الأرض لأصحابها الشرعيين بصدر رحب وبدون حصول أية مشاكل مراعاة لحسن الجوار وللمصالح القومية والإسلامية المشتركة للبلدين.

أما بخصوص بقية دول الجامعة العربية فينبغي لصنعاء أن تتحرك دبلوماسيا عبر كل العواصم العربية لفك العزلة التي فرضت عليها بعد حرب الخليج الثانية والتي من المنتظر أن تستمر وتقوى إن لم تبادر الحكومة اليمنية بذلك، وأولى مبررات استمرار عداء الدول العربية لنظام اليمن هو حرص صنعاء على إقامة نظام ديمقراطي يشرك كل الفعاليات الوطنية بدون تمييز إيديولوجي أو سياسي، وهذا ما ترفضه هذه الأنظمة وتعاديه، كما فعلت من قبل مع الجزائر، لأن ذلك يحرجها مع شعوبها ويفضح ممارساتها اللاديمقراطية ويزيل القناع عن ديمقراطيتها المزيفة، كما أن استمرار الوحدة بهذا البلد يجعل هذه الأنظمة في مأزق أمام شعوبها التي تخدرها دائما بالإطارات الوحدوية الفارغة.

لذلك على اليمن الموحد الديمقراطي أن يكثف من جهوده لتمتين وتقوية علاقته التجارية والسياسية مع كافة الدول العربية. وعلى هذه الدول العربية أن تأخذ الدرس اليمني وتسعى فيما بينها إلى إقامة كيانات موحدة وديمقراطية، هذا هو الرهان الحقيقي، >وفي ذلك فليتنافس المتنافسون<.

3 – على المستوى الدولي : التعامل مع الغرب بمرونة لتفادي التدخل المباشر:

كل دولة عربية أو إسلامية ارتكبت أحد أركان الثالوث المحرم، يتم تجريمها بقرارات دولية قد تصدر حتى من أعلى هيئة في المنتظم الدولي ألا وهي مجلس الأمن الدولي. ويتمثل هذا الثالوث المحرم في : الوحدة والديمقراطية الشريعة والإسلامية، فحرام على الشعوب الإسلامية أن تنعم بالديمقراطية كما هي في الغرب بدون تأويلات أو تكيفات محلية كما يفعل بعض قادة الدول الإسلامية، لأنه إذا أعطي للشعوب حق اختيار حكامها وحق مراقبتهم فإنها بدون شك ستختار الأقوياء الأمناء الذين يؤدون مسؤولياتهم على أساس الواجب الديني أي على أساس أن هذه المسؤوليات تكليف وليس تشريفاً. وحرام أن تتوحد الدول الإسلامية فيما بينها لأن في الوحدة قوة وبما أن هذه الوحدة لا يمكنها أن تقوم إلا على أساس العقيدة الإسلامية فإن كل الوحدات كيفما كان نوعها : اندماجية أو على شكل تعاون اقتصادي فإن مصيرها إلى الوحدة الكبرى التي تقض مضاجع الغرب. وحرام على الدول الإسلامية أن تحكم شرع الله في أمور دينها ودنياها لأن ذلك يعتبر في نظر الغرب تحررا من قبضته. وهذه المحرمات الثلاث مرتبطة ارتباطا وثيقا فيما بينها، ويكفي تطبيق واحد منها حتى يُطبق الباقي، فلا وحدة بدون إسلام ولا إسلام بدون ديمقراطية (الشورى)، والغرب واع بهذا الأمر جيدا لذلك فإنه يؤسس المؤسسات والمراكز المتخصصة ويهدر الأموال الطائلة في سبيل إضعاف البلاد الإسلامية وذلك بتشطيرها جغرافيا وزرع الإنقسامية فيها على أساس دعاوي جاهلية كالقبلية والطائفية والحزبية…

والوثيقة التي تم الكشف عنها مؤخرا والتي تخطط للمزيد من التقسيم الجيوسياسي في منطقة “الشرق الأوسط” خير دليل على ما نقول، فلقد جاء في الوثيقة أنه يلزم مراجعة التقسيم الجيوسياسي الذي جاءت به اتفاقيات سايس بيكو،فمثلا ينبغي للسعودية أن تقسم إلى  ست دويلات والعراق إلى ثلاث..

بالإضافة إلى ما سبق فإن اليمن تقع في أهم منطقة للمصالح الحيويةللولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصفة عامة، فاليمن توجد في الجزيرة العربية التي تتوفر على 70% من احتياطي البترول العالمي، والتي تقع في شمالها “إسرائيل”، بالإضافة إلى أن المنطقة هي مركز العالم الإسلامي لأنها مهد الرسالة ومهبط الوحي وقبلة المسلمين ومحجهم. لكل هذه الأسباب فإن الغرب لن يقف متفرجا أمام تشكيل دولة موحدة ديمقراطية تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية على أطراف هذا المركز، خصوصا وأن هذه الأطراف بمثل هذه المواصفات بدأت تكثر فبعد إيران جاءت السودان بالإضافة إلى جيوب قوية في الصومال والأردن وفلسطين ولبنان والكويت والعراق ومصر..لذلك فإن التدخل الغربي في شؤون اليمن بشكل مباشر أو غير مباشر أمر وارد جدا، إذ سيعمل على تضييق الخناق وذلك بإضعاف البلد اقتصاديا عن طريق تقليص المساعدات الدولية ومضاعفة شروط الإقتراض من المؤسسات المالية الدولية بالإضافة إلى فرض مقاطعة اقتصادية وتكنولوجية غير معلنة عليه، كما هو الحال بالنسبة للسودان، وقد يرتكب خروقات وتدخلات سافرة في الشؤون الداخلية بحجة حماية حقوق الإنسان وحماية الأقليات وحق هذه الأقليات في تقرير مصيرها، مما يتطلب الإعتراف بالمعارضة الإنفصالية وتزويدها بالمال والسلاح لتنفيذ عمليات تخريبية في مختلف أرجاءاليمن لزعزعة استقراره واستنزافه لذلك فعلى الحكومة اليمنية أن تأخذ هذا الأمر بعناية كبيرة، وتعمل على مداهنة الغرب وعدم مواجهته وعدم الرضوخ له كذلك، أي التعامل معه بمرونة شديدة، وأفضل عمل تقوم به هو تحصين الداخل عن طريق التوعية وبالتضامن والتعاون ووحدة الصف لبناء يمن قوي يقف في وجه كل الأطماع والدسائس الخارجية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>