خذ فُسحتك.. ولك شأن..


الإنسان سائر إلى الله ﷻ شاء أم أبى، فمَاثلٌ بين يديه جلّت قدرته؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(1) وفي طريقه إلى مولاه يعتريه ما يعتريه من التعب والكلل، والسآمة والملل، بين الفينة والأخرى، على إثر قطع ما شاء الله من الطريق، وبذل ما شاء الله من الجهد والمشقة.. وقد جعل الله المنعمُ في الترويح والاستراحة بلسمَ ذلك، “ساعةً وساعةً”(2) لأن في ذلك تجديد النفَس والنشاط، والخروج عن رتابة الجد والكد، والاستراحة من وتيرة التعب والتحصيل، إلى ساحل تلك الدوامة فترةً مهما قلّت، قبل العودة بحيوية متجددة وعزم متدفق وإصرار لا ينكسر..

وذلك ليس خاصا بنوع من الناس أو جنس دون غيره، فالمؤمن يعتريه ما يعتري بني البشر، إلا أن هذا المؤمن ما كان مؤمنا إلا لأنه تلقى تعاليم الوحي وأُشرِبها حتى صارت روح حياته، ونور بصيرته، وغذاء إنسانيته..

كيف لا؟ وقد سمى الله ﷻ القرآن الذي منه ينبع الإيمان روحا ونورا قال تعالى: وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا(3) وسمى السنةَ التي بينت للأمة كيف تستقي الإيمان من ينبوعه؛ حكمةً قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ(4).

وقد أصبح القرآن والسنة نور قلب هذا المؤمن ومُهجة روحه؛ عنهما يصدُر، وبهما يَنقاد، ولهما يطوع ويستسلم، حتى صار هواه تبعًا لما جاء به مَن أُرسل بهما  (5).

ومن سار هذا المسير، وسلك مسلك المؤمنين صار لكل تفاصيل حياته شأن خاص لا يكون لغيره.. إذا رأى الناسُ رأى ما رأوا بإنسانيته، وزاد على ذلك بإيمانه، وإذا سمعوا سمع ما سمعوا وزاد، وإذا ذاقوا طعما ذاق ما ذاقوا وزاد.. وهكذا لكل حواسه شأن.. لأن نور الوحي قد سرى إلى حواسه، فأضحى ينظر ببصره وبصيرته، ويسمع بأذنه وقلبه.. وكذلك شأنه في ذوقه وحسه.. في كل ذلك له شأن..

لقد اشتَغل قلبُه، ودبت فيه حياةٌ حقيقية من نبع الوحي زائدةٌ على حياة النبضِ وضخ الدم، فتوزعت تلك الحياة إلى حيث تصل الدماء، لذلك صار لكل عضو من أعضائه شأن..

فإذا قَرر أن يأخذ فسحة في أثناء سيره إلى مولاه، لا بد أن يكون لفسحته شأن..

حتى إذا سار في الأرض لم يكن ليخالف هواه الذي تشكل بنورِ الوحي وبصائرِه، فتراه يستمتع بما يستمتع به الناس؛ ما أذِنت فيه تعاليمُ الوحي، لا يعدو ذلك ولا يتخطاه، وكيف يتخطاه وتعاليم الوحي تأباه؟ أليس هواه تبعا لتعاليم الوحي؟ ثم إنه في عبادةٍ مهما تقلبت به الأحوال في السير إلى الله القائل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَإِلَّا لِيَعْبُدُونِ(6) ﴾ فلا تقرُّ عينه أن يعبد الله بما حرَّمه أو ذمَّه..

فأولُ غيث الإيمان عليه وازعٌ داخلي يكفُّه عن ظاهر الشر وباطنه، وقدرةٌ على ذلك لا تجدها إلا من ثمار شجرة الإيمان الزكية.

ثم يسير في أرض الله، فإذا سار رأى في نباتها وأشجارها وسهولها وجبالها وأنهارها وبحارها.. عظمة الصانع المبدع سبحانه..وتجلت له تلك العظمة في السماء ونجومها وكواكبها وأنوارها.. إنه الله الصانعُ، قال الله تعالى: الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(7) والذي أحصى كل ذلك عددا، ولم يدَع أيَّ شيء من ذلك سُدى، بل هو الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰوَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(8) ورزق ودبر أمْر كل صغير وكبير في كل زمان ومكان أبدا..

فلا تجده في سَيره ذاك إلا مُسبحا بلسانه وجنانه، ذاكرا لله متذكرا، ناظرا في ملكوته متفكرا معتبرا، خائفا من عظمته وجبروته متّعظا وجِلا.. قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ(9) ينظر نظرا مسددا بالوحي عامرا بالإيمان..

نعم، يرى في الكون عظمة الصانع، ثم يرى في تسخيره وتطويعه وتذليله كذلك جليل النعمة، وجميل المنة، وحجم المسؤولية، وعِظم الأمانة التي حملها الإنسان؛ ذلك أن هذه المخلوقات من أجرامها إلى ذراتها مُسخرةٌ بإذن الله لهذا الإنسان، المستخلَف في أرض الله.. ولم تسخَّر لغيره من المخلوقات، إنما اختُص بها الإنسان المكرَّم بالعقل، لينظر فيها مُعتبرا؛ فيعرف من خلالها للخالقِ المدبر سبحانه قدرَه، فيذعن له ويستسلم وينقاد طائعا، غير معاند ولا متعدٍّ فيما سُخر له، مؤديا حق الاستخلاف الذي خُص به،قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً(10).

لقد ذكراللهُ تعالى ذلك التسخير في مثل قوله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ(11) حيث جاء في هذه الآية الكريمة استعمال لفظِ “لكم” قاطعا لدابر التردد في المسخَّر له، ولفظِ “جميعا” مؤكدا لما استغرقته “ما” الموصولة المفيدة العموم، ودافعة لاحتمال التخصيص فيها، ولفظِ “منه” تنبيها للإنسان على أن المنعم بذلك هو الله سبحانه تكرُّما وتفضلا.

كما ذكر إسباغ النِّعم على الإنسان، وهو إكمالها وإتمامها(12)، زيادة على ذلك التسخير، في مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة(13) حيث جاء النص القرآني ذاكرا للإنعام بصيغة الجمع، مع أن مفردها يدل على الجمع وحده (14)، وجاء مشتملا على مواصفات نعم الرب  على هذا المؤمن؛ بأنها نعمٌ قد أُكملت وأُتمت؛ فانتفى عنها النقص تماما، وأنها ظاهرة وباطنة؛ فعمَّت كل الأحوال والهيئات مما أُدرك أو لم يُدرك..

ثم يرى المؤمن في ذلك التسخير والإنعام تهيئةً للكون كله، لا يناسبُ أن يكون من أجل اللعب واللهو، بَلْه المعصية والطغيان أو الإفساد والظلم، ولكن لأمر جليل وعظيم يوازي جلالة وعظم النعمة ويناسب كرم المنعم  القائل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا  ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار(15).

فيلتقي عنده إذاً النظر في آيات الله المنظورَة المشاهدَة؛ تفكرا، بالنظر في آيات الله المتلوة؛ تدبرا، فيثمران لديه يقينا في إيمان، وإحسانا في إسلام.. فيكون لذلك شأن وأي شأن..

فيتجدد النشاط والحيوية والعزم حقا وصدقا.. ليس فقط على أداء مهمة العمران في الحياة، والتي يحتسب المؤمن عند ذلكم المُنعم المُسخِّر أن يدرجها له مع العبادات أيضا؛ إذ قد أتى بها في إطار شريعته وابتغاء مرضاته.. ولكن يتجدد النشاط والحيوية والعزم أيضا على تحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، على الوجه الأفضل والأمثل..

وهكذا هو شأن المؤمن في كل حياته.. يتغذى قلبه بأنوار الوحي، فيضخها القلب إلى الجوارح كلها، فتتغذى الإنسانية الطينية بحياة الوحي الإيمانية، فتَنساق طائعة لمُنزل الوحي، عابدة وناظرة ومتدبرة آيات الكون والتنزيل، فتعود بالتغذية الراجعة إلى القلب، فيزدادا معا -القلب والجوارح- توهجا وتجاوبا مع أنوار الوحي.. يمدُّ أحدُهما الآخرَ،متعانقين متكاملين في سيرهما إلى الله ﷻ.

فطوبى، ثم طوبى، ثم طوبى، لمن كان له مع الله شأن.. فإذا أخذ عطلته ورام الفسحة؛ يسيح في أرض الله، طائعا له، متفكرا في ملكوته، ذاكرا بديع صنعه، معتبرا من تسخيره، مستحضرا عظيم إنعامه، متعظا من قدرته وجبروته.. وتكون سياحته إذاً ذات شأن.. تثمر راحة للجسم، وطمأنينة للقلب، وتغذية للروح، ويقينا في الإيمان، وإحسانا في الأعمال..

فإذا حدثتكَ نفسك أُخيَّ عن الفسحة فلا تتردد في الاستماع والإنصات لصوت الإيمان في قلبك وإن كان خافتا، فلطالما أُسكت وقُمع.. فإنه يصدر عن الوحي، فهل ترضى وأنت مؤمن أن تقمع صوت الإيمان؟

ولا تستسلم لداعي الهوى وعادات الناس فأكثرها من حبائل الشيطان، وإن كان صوته مجلجلا وله أنصار، فلطالما استُجيب له وسُمع وأُطيعَ.. فإيَّايَ وإياك.. فارفق بنفسك وكن لسفينتها خير قائد يجنح بها إلى بر الأمان، واحذر حبائل الشيطان فليس لخيوطها وطلاسمها نهاية ولا ساحل إلا على هاوية ليس بعدها مناص ولا أمان.. فاللهم رُحماك بأمة الإيمان..

د. عبد الرحمن الإدريسي

————————-

1 – سورة الانشقاق 6

2 – جزء من حديث اشتكى فيه بعض كبار الصحابة للنبي ﷺمايجدونه من فتورمقارنة بما يصلون إليه من منازل إيمانية عالية معه ﷺ إذيحدثهم ويعلمهم.. أخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجوازترك ذلك في بعضا لأوقات والاشتغال بالدنيا.

3 – سورة الشورى49

4 – سورة الجمعة02

5 – وذلك مصداق ما رواه عبد الله بن عمرو  من قول النبي : «لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» أخرجه البغوي في كتاب الإيمان باب رد البدع والأهواء، وحكم عليه ابن حجر رحمه الله بالحسن.

6 – سورة الذاريات56

7 – سورة طه49

8 – سورة الأعلى2-3

9 – آل عمران190

10 – سورة البقرة29

11 – سورة الجاثية12

12 – ينظر تفسير القرطبي: أحكام القرآن؛ 14/73

13 – سورة لقمان19

14 – ينظر تفسير القرطبي: أحكام القرآن؛ 14/73

15 – سورة ص26

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *