الحصــــار


ربما كانت هذه الكلمة أنسب  ما في القاموس من الكلمات التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن حالة الضيق والانحباس، أو الاختناق التي يستشعرها بداخل كيانه، تتحرك مع كل ذرة من ذراته، وتحتل كل مساحة من مساحاته، وتتربص بكل منفذ من المنافذ التي قد تسنح في غفلة من الرقيب، فتعمد إلى سده وتشميعه بكل ما أوتيته من قسوة وصرامة، وحقد وضراوة، وقد يحار الدارس الخبير من استمرار الحركة، وارتعاشة الأنفاس داخل الكيان المحاصر، في الوقت الذي تؤشر فيه كل الملامح والعلامات، على أن الجسد أو الكيان يوجد رهين حالة إكلينيكية تنذر بالفناء والانهيار. ويكشف التأمل والبحث والاستقصاء، أن وضع الإنسان المحاصر -في ظل ملابسات الحياة وفصول صراعها المرير، وتحدياتها البالغة الشراسة والعناد- الذي قد يصل عتبة اليأس والإحباط، يمكن أن يشبه عجب الذنب الذي ستنبثق منه الحياة بعد أن ينفخ في الصور يوم البعث والنشور، فقوة الحياة نزاعة إلى الاستمرار والخلود، متأبية على الفناء والاندثار.

وإذا كانت تجليات هذه الحقيقة قد مثلت لقوى الخير والبناء، عبر أحقاب التاريخ، حافزا نفسيا قويا، وقاعدة ارتكاز صلبة في مواجهة الأعاصير والأنواء، مهما كانت من العتو والرهبة، وفي الإصرار على إيقاف زحفها  وكسر صولتها، فإنها (أي التجليات) تمثل  بالنسبة للقوى التي ديدنها ودأبها فرض الحصار وإحكام قبضته على تلك القوى الراشدة الخيرة -لإطفاء نورها أو إخماد جذوتها أو كتم صوتها- عامل تسعير لأحقادها، وإلهاب لما يعتمل فيها من شهوة للهدم والفساد والطغيان.

وإذا كانت حالة الحصار في مفهومه العام، تمثل في محصلة الأمر قتلا ممنهجا  للإنسان، وتجفيفا لمنابع القدرة فيه، ووأدا غاشما لمشروعه في تنمية الحياة ورفع صرح الحضارة الراشدة، فإن أسوأ مظهر لذلك الحصار، هو ذلك الذي يمارسه الإنسان -باعتباره فردا أو جماعة أو أمة-  على نفسه، تحت تعلات متعددة وذرائع شتى، يحاول من خلالها أن يظهر لنفسه وللناس في وضع طبيعي سليم. وتزداد الحالة مأساوية عندما يحاول الإنسان مخاتلة قواه الباطنة الخفية، بنية وسبق إصرار، لنزع صفة الحصار عن حالة تشكل أسوأ حصار، وإن كان النجاح في هذه المحاولة يشكل ضربا من المستحيل، بسبب استحالة إسكات صوت الفطرة بشكل نهائي، فما فطره الفاطر عز وجل في بناء الإنسان، لا يمكن أن يعتريه الهدم والإعدام التام، فالأمر يتعلق هنا بحالة  غيبوبة ونسيان.

ومن الأكيد أن حالة الغيبوبة والنسيان تلك، تعتبر في منظور القرآن سببا لأشنع عقاب يتعرض له الإنسان، وهو نسيان الله له، يقول الله جل جلاله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون(الحشر: 19). ويقول سبحانه: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(التوبة: 67).

وارتباطا بما سبق، ندرك أن حالة الحصار التي تمارس على الإنسان، أو يمارسها الإنسان على نفسه، تشكل حالة إعاقة شنيعة لمسيرة الإنسان، بل عملية اغتيال لإنسانيته، ومحاولة لمحو وجوده، من خلال شل طاقاته وقص أجنحته، وتجريده من خصوصيته باعتباره خليفة لله في الأرض.

ويمكننا أن نتحدث هنا، ارتباطا بالسياق ذاته، عن ما يمكن أن نطلق عليه: “القابلية للحصار، بِكِلْتَا معنييه اللذين سبقت الإشارة إليهما، علما أن أحدهما يؤسس للآخر، ويتيح له فرصة الديمومة والاستمرار إلى حين، فيكون سببا لتعطيل إمكانية السمو والانعتاق، وتعويق حركة التطور والإصلاح، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وتحرير الوجود الإنساني من العقد والمثبطات.

أما في حالة بقاء الحصار في مستواه الخارجي المفروض من قوة مستكبرة غاشمة على قوة مستضعفة، فإنه لا يعدو أن يكون حالة عابرة قابلة للرفع والإنهاء، الذي يتحقق عند توفر شروطه، إذ إن سنن التدافع بين الحق والباطل، وحتمية غلبة الأول وظهوره على الثاني تأبى إلا أن تجعل حالة الحصار مجرد تمحيص واختبار. يقول الله سبحانه وتعالى: وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَ نَجعَلَهُمُ الوارِثِين(القصص: 5).

وليست المعضلة في وقوع الحصار، وإنما في قبوله والرضوخ له والرضا به، فتاريخ الإنسانية يسجل ملاحم كبرى، استطاعت فيها قوى الممانعة والتحرر أن تكسر ألف حصار وحصار، وترد جحافل البغاة المستكبرين على أعقابهم خائبين خاسرين.

ويمثل حصار شعب أبي طالب الذي استهدف رسول الله  وحبيبه ومصطفاه من خلقه، هو وصحبه عليهم رضوان الله، وعشيرته من بني عبد مناف، نموذجا لأعتى ما يمكن أن تتعرض له جماعة بشرية من الأذى والانتقام والإيلام  من قوى الشر والاستكبار والضلال والطغيان، لثنيها عما تؤمن به، كما يمثل صبر المحاصرين في ذلك الشعب وفي طليعتهم سيد الصابرين والثابتين على الحق، رسول الله  الأسوة الحسنة والمثل الأعلى لكل القابضين على الجمر ممن تعرضوا ويتعرضون للبلاء، في الصبر على اللأواء،  والثبات على المبدأ، مهما اشتد الألم وعظمت التضحيات.

إننا قد لا نجانب الصواب إذا قلنا بأن العنوان العريض الذي يؤطر حياة العرب والمسلمين في هذا العصر الرهيب، هو عنوان الحصار، الذي يكاد يلتف حول كياننا بمنتهى العنف والقسوة، كما يلتف أعتى وأخطر الثعابين حول جسم كائن حي، تمهيدا لابتلاعه بلا شفقة ولا رحمة.

إنه حصار غريب يتخذ شكل ظلمات بعضها فوق بعض، أو شكل دوائر متراكبة تمثل أعلاها رأس الحربة ومركز القرار، في حركة علو واستكبار، تزعم لنفسها الهيمنة وتجسيد نهاية التاريخ، في ظل إفلات البوصلة وتفرق أهل الحق في متاهات الألقاب الزائفة والمغانم التافهة الزائلة.

إن تدبر كتاب الله  وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، يكشف لنا السر، ويدلنا على أصل الداء، وعلى المفتاح الذي به يفك الحصار، يقول الله : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(آل عمران: 165)، وعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ َ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا -أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (الترمذي: حديث حسن صحيح).

إنه حصار الغير بسبب حصار الذات، وحصار الذات بسبب حصار الغير، ولن يفك الحصار إلا بالرجعة الصادقة إلى الذات، والاعتصام بحبل الله المتين، استجابة لأمر الله الولي الحميد: واعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(آل عمران: 105).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *