عبرة – نصائح راهب لعبد الواحد بن زيد


حدثنا عبد الواحد بن زيد، قال: مررت براهب فناديته: يا راهب، من تعبد؟ قال: الذي خلقني وخلقك. قلت: فعظيم هو؟. قال: عظيم المنزلة، قد جاوزت عظمته كل شيء. قلت: فمتى يرزق العبد الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود وخلصت المعاملة. قلت: فمتى يصفو الود؟. قال: إذا اجتمع الهم فصار في الطاعة. قلت: فمتى تخلص المعاملة؟. قال: إذا كان الهم هما واحدا. قلت: كيف تحليت بالوحدة؟. قال: لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك. قلت: ما أكثر ما يجد العبد من الوحدة؟. قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرهم. قلت: بما يستعان على قلة المطعم؟. قال: بالتحري في المكسب. قلت: زدني؟ قال: كل حلالا وإن قل وارقد حيث شئت. قلت: فأين طريق الراحة؟ قال: خلاف الهوى.
قلت: ومتى يجد العبد الراحة؟. قال: إذا وضع قدمه في الجنة. قلت: لم تخليت من الدنيا وتعلقت في هذه الصومعة؟. قال: لأنه من مشى على الأرض عثر وخاف اللصوص، فتعلقت فيها وتحصنت بمن في السماء من فتنة أهل الأرض، لأنهم سراق العقول، فخفت أن يسرقوا عقلي، وذلك أن القلب إذا صفا ضاقت عليه الأرض، وأحب قرب السماء، وأفكر في قرب الأجل، فأحب أن يوكل إلى ربه. قلت: يا راهب، من أين تأكل؟. قال: من زرع لم أبذره، بذره اللطيف الخبير، الذي نصب الرحا يأتيها بالطحين، وأشار إلى ضرسه. قلت: كيف ترى حالك؟ قال: كيف يكون حال من أراد سفرا بلا أهبة، ويسكن قبرا بلا مؤنس، ويقف بين يدي حكم عدل. ثم أرسل عينيه فبكى. قلت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت أياما مضت من أجلي لم أحقق فيها عملي، وفكرت في قلة الزاد، وفي عقبة هبوط إلى جنة أو إلى نار. ثم قال الراهب: يا هذا، كما لا يجوز الزائفة من الدراهم كذلك لا يجوز كلامهم إلا بنور الإخلاص، ثم قال: عند تصحيح الضمائر يغفر الله الكبائر، فإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته من السماء الفتوح. قلت: أكون معك يا راهب. قال: ما أصنع بك؟ ومعي معطي الأرزاق وقابض الأرواح يسوق إلي الرزق، ولم يقدر على ذلك أحد غيره، والسلام عليك.

ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *