من صفات المدرس الناجح (3):تحقيق صفة الذاتية


لا يكتمل الحديث عن صفات المدرس الناجح إذا حصرناه في تحقيق الصفة العلمية، والتي كنا قد تحدثنا عنها في مقال سابق نشر بجريدة (المحجة العدد (466))، لذلك لا بد من إضافة عنصر آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وهو الموضوع الذي اخترناه لهذا العدد بعنوان:

“تحقيق الصفة الذاتية”

لا شك أن من صفات المدرس الناجح تحقيق الصفة العلمية، وذلك عن طريق التمكن المعرفي والمهاري والسلوكي؛ كل ذلك له أهميته الخاصة، خصوصا إذا أحسن المدرس تنزيل ذلك على أرض الواقع بإجراءات ديداكتيكية وبيداغوجية، إذ سيكون ذلك أمرا حسنا، لكن الأحسن أن يحقق صفة أخرى تعزز الصفة السابقة، (الصفة العلمية) وهو ما يمكن أن يزيدها جمالا وكمالا، والتي عبرت عنها بالصفة الذاتية التي تتعلق بشخصية المدرس، إذ لا ريب أن ذلك يؤثر بشكل كبير في اكتساب العلم لدى المتعلمين؛ إما إيجابا أو سلبا، وهذا أمر علمي أثبتته مجموعة من التجارب المهنية، وتقره اليوم مجموعة من النظريات التربوية الحديثة، وحتى تتحقق الصفة الذاتية في المدرس الناجح ينبغي أن يتصف بصفات حميدة تتعلق بشخصيته التي يمكن إجمالها في الآتي:

1 – حسن الخلق:

إن تحقيق حسن الخلق من الأخلاق الحميدة التي حثت عليه الشريعة الإسلامية، وهو أمر مطلوب من كل إنسان مسلم؛ طالبا كان أو مدرسا أو عاملا…، لأن حسن الخلق أمر به القرآن الكريم في أكثر من آية قال تعالى مادحا نبيه محمدا  بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم(القلم: 4) كما بينت السنة النبوية أيضا المكانة الرفيعة التي يتبوأها الإنسان المسلم في الجنة صاحب الخلق الحسن، حيث جاء في الحديث الذي أخرجه ابن عساكر عن أبي هريرة  أن النبي  قال: «إن أقربكم مني منزلا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا في الدنيا»(1).

ولما كان المدرس باعتباره معلما للأجيال يقتدى به في الحال والأفعال والمقال؛ وجب عليه أن يتحلى بحسن الخلق حيث يتوجب عليه أن يحرص كل الحرص على عدم التلفظ بالكلام الساقط أمام المتعلمين، وأن لا يحتقر صغيرهم أو كبيرهم وأن لا يخوض في الحديث معهم في ما لا فائدة فيه.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المطلوب من المدرس أن يكون لينا في تعامله غير شديد على المتعلمين، أما الشدة والحزم في موضع الجد فمطلوب ومرغوب فيه؛ لكن كل ذلك بمقدار معين لا إفراط فيه ولا تفريط، ولقد كان هذا النموذج يجسده لنا رسول الله  عمليا على أرض الواقع حتى خاطبه الله تعالى بقوله: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين(آل عمران: 159).
هذه الآية الكريمة تجسد المنهج النبوي في الأخلاق والتي ينبغي لكل مدرس بل كل مسلم أن يجعلها النبراس التي يستقي منها منهجه وأخلاقه في التعامل مع الأولاد والمتعلمين بل ومع الناس أجمعين.

2  – حسن الهندام:

كثير من المدرسين يخطئون حين يظنون أن الهندام وارتداء الألبسة الجديدة والأنيقة من الأمور الشخصية لكل فرد، والتي لا علاقة لها بمهنة التدريس ولا يمكن أن يؤثر حال المدرس على اكتساب علم المعلمين بذلك في شيء؛ لا إيجابا ولا سلبا، وهذا خطأ شائع وفادح لأن المتعلمين يتعلمون من حال المعلمين قبل مقالهم وأفعالهم؛ وإذا حسنت الهيأة والحال نتج عن ذلك أثر إيجابي في مخاطبة المتعلمين، ويحصل عندهم الفهم والاستيعاب بشكل جيد، خصوصا حين يكون الهندام أو اللباس محتشما ومتناسقا في الألوان والأشكال، يعبر ذلك عن صورة متكاملة جميلة ومتميزة.

إذ معلوم أن المدرس يقف داخل الفصل أمام جمع غفير من المتعلمين، وتجد كل عيونهم تنظر صوبه وأعناقهم تشرئب إليه يلاحظون ويدققون في المدرس وفي طريقة كلامه وشرحه ونظراته وملامح وجهه ولباسه وفي كل تحركاته وسكناته، حتى إنك لتجد بعض المتعلمين يستطيع أن يقلد تلك الشخصية بحذافيرها في دقيق الأشياء صغيرة كانت أو كبيرة، وهذا ما يعني أن شخصية المدرس لها تأثير كبير في المتعلمين، لذلك ينبغي أن يستحضر المدرس أنه قدوة للمتعلمين، حيث يقتدون به في كل شيء في الأمور الصغيرة والكبيرة، ومن غير شك أن مثل تلك النماذج  من المعلمين حققوا النجاح فاستحقوا أن تنطبق عليهم صفات المدرس الناجح.

3 – البشاشة:

مطلوب من الإنسان المسلم عموما ومن المدرس خصوصا؛ أن يكون دائما بشوشا مبتسما غير عبوس، لأن البشاشة والابتسامة في وجه الإنسان بمثابة صدقة في سبيل الله يحصل بها الأجر والفضل والثواب، قال النبي : «تبسمك في وجه أخيك صدقة»(2).

وجاء في حديث آخر «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»(3).

حين ما يكلف المدرس بمهمة كبيرة وراقية، وهي تربية الأجيال يكون له ذلك شرفا وفضلا فكيف لا يكون جميلا وأنيقا، مهتما بحاله ومقاله وفعله، دائم الابتسامة التي بها يدخل الفرحة والسرور على المتعلمين، خصوصا إذا ما علمنا أن ظروف المتعلمين ليست على وزان واحد، فهي تختلف من متعلم إلى آخر ومن عائلة إلى أخرى، بل ومن مكان إلى آخر، إذا وضع المدرس هذه الأمور في الحسبان يدرك أن الابتسامة والبشاشة في وجه المتعلمين والليونة في التعامل معهم هي عين الصواب،
وليس من العبث أن يرتب الشرع الحنيف الأجر أو الوزر على كلمة واحدة حسنة أو سيئة، وذلك لما علم أن الكلمة الواحدة تخلف آثارا إما إيجابا أو سلبا، كما قد يكون ذلك في الحال أو المآل فهي غير بريئة من جلب مصلحة أو مفسدة، قال الله تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(ق: 18).

بهذا المنهج الرباني الفريد يستطيع المدرس أن يخرج على يديه أجيالا من المتعلمين متميزين، حينذاك يمكن أن ينطبق عليه وفيه صفات المدرس الناجح.

عبد الحفيظ حميش

————–

1 –  جامع الأحاديث، جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، ضبط نصوصه وخرج أحاديثه: فريق من الباحثين بإشراف د على جمعة ، ج2/36.

2 –  الشيخ الطيب أحمد حطيبة، كتاب شرح الترغيب والترهيب للمنذري مرقم آليا موقع الشبكة الإسلامية www.islamweb .net.

3 –  عطية بن محمد سالم، شرح الأربعين النووية، www.islamweb.net.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *