حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين


مِمّا هو مُسَلَّم به شَرعا، تبعاً لما جاء في الحديث النبوي، أن العلماء ورثةُ الأنبياء، وأنهم خيار الأمة عند الله تعالى، لِـما عرفوا من الحق  ولِـما أُوتوه من العلم، كما يُفهم من قول الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. (المجادلة :11).

و مما هو مُسَلَّم به أيضا تاريخيا أن علماء الأمة كان لهم الدور الأكبر في قيادة أبناء هذه الأمة، خاصة حينما تدْلَهِمّ الأمور وتكثر المآسي، ويكفي أن نلقي نظرة على حركات التحرر والإصلاح التي ظهرت بعد أن سيطر الاستعمار على معظم بقاع العالم الإسلامي، حيث كان العلماء الربانيون المخلصون في مقدمة هذه الحركات، بما أيقظوه من روح الجهاد والتحرير في عموم أبناء الأمة، ومن ثَمّ كان عموم المجاهدين والمقاومين يعملون تحت أعينهم وبتوجيه منهم، بل يكفي أن يلحظ المرء أنّ مصطلح  “الجهاد” ظهر بشكل واضح في حروب التحرير، حتى أصبح لصيقا بمن خاضوا هذه الحروب في أكثر من مكان في العالم الإسلامي، وما ذلك إلا بسبب القِيم التي غرسها العلماء المجاهدون في قلوب أبناء هذه الأمة.

ومما هو مُسَلَّم به أيضا واقعيا من خلال ما نشاهده في عصرنا الحالي، وفي العديد من بقاع العالم على اختلاف عقائده و مبادئه، أنما اصْطُلح عليه ب”رجال الدين” يتولون أمور الناس في أكثر من جانب من جوانب الحياة، بما في ذلك الجانب السياسي، حتى ولو كان ذلك من باب المباركة والتأييد، أو من باب المعارضة بأي شكل كانت.

كما أنه مما هو مُسَلَّم به عقليا أن الإنسان جسدٌ و روح، ولا بد من نوع من التوازن بينهما بإعطاء كل جانب حقه، لأنه باختلال هذا التوازن تختلُّ موازين الحياة وتختل القِيم كلها عند الأفراد والجماعات على حد سواء، لأن الله تعالى خلق الإنسان ليعبدَه أولا، وليعمر الأرض ثانيا. وإذا كان الجانبُ المادي قد ذلَّلَه علماء المادة كما هو معلوم، فإن الجانب الروحي لايمكن أن يوطِّئ أكنافه ويبعث فيه السكينة و الطمأنينة إلا العلماء الربانيون الراسخون في العلم.

و بحكم هذه المسلمات الشرعية والتاريخية والواقعية والعقلية فإن حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين حاجةٌ ملحةٌ تمليها كل هذه المسَلَّمات..

ذلك أن العلماء، وبحكم ميراث النبوة، مدعوون إلى حمل مشعل هذا الميراث بالعمل بِما عَمل به الأنبياء، والذي يتجلى أساسا في الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، وفق القواعد المعلومة التي نصَّ عليها قوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلي أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف: 108)، وقوله عزوجل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل : 125). و بالتأكيد فإن أبناء الأمة في عصرنا الحالي بحاجة ماسّة إلى دُعاة علماء عاملين ينطبق عليهم قول رَسُولِ الله:  “يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَال الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيل الْجَاهِلِينَ”. وما أكثر في عصرنا هذا تحريف الْغَالِينَ المتطرفين، وما أعظم انْتِحَال الْمُبْطِلِينَ  المتقَوِّلين المُنْكِرين، وَما أجرأ الجاهلين على التأويل الباطل والكذب والافتراء.

كما أنه بِحُكم هذه المسَلَّمات التاريخية والواقعية والعقلية فإن العلماء الربانيين مدعوون إلى تنوير عقول أبناء الأمة، وخاصة من الشباب، بما يزرع فيهم العزة والكرامة التي أرادها لهم الإسلام، وبما يُشْعِرهم أنهم أبناء أمة عظيمة، هي أمة  “اِقرأ”، وهي “خير أمةأ خرجت للناس”، وبما يرفع معنوياتهم وشخصياتهم حتى يمثلوا دينهم وحضارتهم ومجتمعهم خير تمثيل أينما حلوا وارتحلوا.

وبذلك فإن حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين – كما قال الإمام أحمد- كحاجتها إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أومرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *