عِبرة


عن أبي حفص عمر بن صالح الطرسوسي قال : ذهبت أنا ويحيى الجلاء إلى أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله) فسألته فقلت: بم تلين القلوب؟ فأبصر إلى أصحابه فغمزهم بعينه، ثم أطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال يا بني! بأكل الحلال.

فمررت أنا إلى أبي نصر بشر بن الحارث الحافي فقلت له : يا أبا نصر! بم تلين القلوب؟ قال: ألا بذكر الله تطمئن القلوب. قلت :  فإني جئت من عند أبي عبد الله. فقال : هيه… إيش قال لك أبو عبد الله : قلت : بأكل الحلال، فقال : جاء بالأصل.

فمررت إلى أبي عبد الوهاب بن أبي الحسن فقلت : يا أبا الحسن، بم تلين القلوب؟ قال: ألا بذكر الله تطمئن القلوب. قلت : فإني جئت من عند أبي عبد الله، فاحمرت وجنتاه من الفرح، وقال: إيش قال أبو عبد الله؟ قلت: بأكل الحلال، فقال: الأصل كما  قال. (الحلية 9/183).

أكل الحلال سبب في لين القلوب واطمئنانها، وهو ما غفل عنه كثير من الناس، وظنوا أن أداء الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وحج هو الدين، فاكتفوا بذلك، ولم يتورعوا عن أكل الحرام البين كالربا والرشوة والقمار والنصب والاحتيال..، وقد تجد الرجل يزاحم على  الصف الأول في المسجد ومأكله حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، فهيهات أن يشم قلبه ريح الإيمان الزكية، وعبقه الأخاذ !!، إذ الله تعالى طيب لا يَقبل إلا طيبا كما أخبر الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا يُقبل إلا على القلوب الطيبة.

واعلم أيها المبارك أن أكل الحلال نعمة يمن الله عز وجل بها على من أحب من عباده في زمان يتنافس الناس فيه على الحرام ويحتالون له بشتى الحيل، بل منهم من يتحسر إن فاتته فرصة الظفر بالحرام وتمنى لو أنه مثل فلان أو علان الذي اغتنى وراكم الأموال من طرق يعلم هو أنها حرام، ولكن حب العاجلة يعمي القلب فلا يرى إلاّ ها، ولا يحسب حسابا لسواها، فهي عنده منتهى الأمل، وعليها لا على غيرها المعول. ونعوذ بالله من قسوة القلب وعمى البصيرة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *