أيسر القواعد لبلوغ أنبل المقاصد


الطبّ حفظ صحة برءُ مرض، دون إرهابٍٍ للمريض ولا شَتمٍ للمرض (1)

 كان العنوان الأصل لهذه القاعدة يوم عرضتها محاضرا في أحد المؤتمرات بألمانيا بمدينة دوسلدورف سنة 1997، ثم ألقيتها خطيبا من منبر الجمعة بالرباط سنة 1998 هو: «الواجب نحو المنكر النّهي والتغيير، دون سبّ ولا تعيير». ونظرا لما تحمله كلمة «تغيير» من معنى يُراد به أساسا في المفهوم القرآني التغيير السلبي، لأن الأصل في النعمة توفرها على أحسن حال، ثم يفسد المرء بقاءها بتغيير في ضوابط شكرها يهدّد زوالها في المآل، ارتأيت أن أبتعد عن مصطلح التغيير، خاصة وأن النّحلة في القرآن، نحلة النهي عن المنكر، معبّر عنها بلفظ «النهي» في آيات شتى، منها قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل: 90)، ومنها قوله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (آل عمران: 110)

ورغم أن حجّتي في العدول عن كلمة تغيير يفنّده استعمال من هو أبلغ الفصحاء وأفقه البلغاء وسيد الأنبياء حبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله – عليه أشمل الصلاة وأزكى السلام وعلى آله وصحبه الكرام – كتفعيل عملي للنهي عن المنكر، فإن ما كان يدفعني حقيقة لكلمة التغيير هو السجع والتناغم مع كلمة التعيير، حتى يسهل حفظ القاعدة وتدوم بذكرها الفائدة. فعن أبي سعيد الخدري  قال : سمعت رسول الله  يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).

ثم إنني كنت كلما سنحت الفرصة ذكّرت من منبر الجمعة ببعض القواعد التي سبق أن أشرت إليها بأسلوب مغاير وعناوين مختلفة، لكن بنفس المعنى حتى تحصل الفائدة، فكان أن عبرت مرة عن القاعدة «الواجب نحو المنكر النهي والتغيير، دون سبّ ولا تعيير»، بأسلوب آخر فقلت شارحا لها: «الطب حفظ صحة برء مرض، دون ضياع للوقت ولا للجهد في تشديد اللوم على المريض، ولا كيل الشتائم للمرض، ولا استغراق الوقت في تعداد الأسباب أو الاكتفاء بتحميل المسؤوليات للمريض وأهل المريض بدل الإسراع بمباشرة علاج المرض».

وكنت في مقتبل عمري قد اطلعت على أرجوزة لابن سينا في الطب في كتاب أنيق الطبعة، مع ترجمة لنص الأرجوزة بالفرنسية وأخرى عتيقة باللاتينية (طبع الكتاب بباريس سنة 1956 وعمري وقتها ثلاث سنوات، أي عمري زمن طبعه وليس الاطلاع عليه!)، فأعجبت بها وبنظمها مع بعض التحفظ على بعض أبياتها، يبدأ فيها الطبيب الرئيس الكلام عن الطب – بعد حمد الله والثناء عليه وتحديد المراد من الأرجوة – بتعريف ماهية الطب بقوله:

الطبُّ حفظُ صحةٍ بُرءُ مرضْ     ***      في بدنٍ من مرضٍ عنه عَرضْ

فاخترت صدر البيت ليكون منطلق القاعدة لتصبح الصياغة الجديدة لها «الطب حفظ صحة برء مرض، دون إرهاب للمريض، ولا شتم للمرض»، وهي صياغة معبرة عن المراد، إذ أتقن الطبيب الرئيس ابن سينا تعريف الطب، ولا أظن طبيبا أو غيره من أولي النهى سليم آلة الدرك يجادله فيه، ففيه الكفاية والغاية لذي حِجر، إذ المقصد الأساس من الطب حفظ الصحة، ومنتهاه برء المرض؛ وغاية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل سياسة المجتمع وإدارته والعمل على النهوض به، حفظ الناس والمجتمع مما قد يعطّل دنياهم أو يضرّ بأخراهم.

الطب عنايةٌ بالمريض وعلاجٌ للمرض:

«الطب حفظ صحة برء مرض، دون إرهاب للمريض، ولا شتم للمرض»، فمن كان السبّ دأبه والشتم ديدنه فهو مريضٌ يحتاج قبل غيره إلى عاجل علاج، إذ مثله ينفعل أكثر مما يفعل، وتستفزه بشاعة الداء شاغلة لذهنه عن الاهتمام بقويم الدواء، لا يطيق رؤية المريض ولا يستحمل السماع عن المرض، فلا تكاد مهارته وخبرته تنفعُ بشيء إلا حين هدوء نفسه وتركيز عقله.

ذلك أن الطبيب الماهر لا يحتاج إلى شتم للمرض، ولا يُستساغ منه تعنيف للمريض، فإن الداعية والواعظ والعالم والمعلم ورجل السياسة والإدارة ليس أي منهم في حاجة لشتم المنكر وسب الشر والأشرار، ولا هو مقبول من أحدهم تشديد العتاب على من وقع بجهالة في معصية أو ذنب، أو لوحظ عليه الخطأ أو العطب في تحركاته وفعله.

وضوابط طبّ النفس وطبّ الروح وطبّ صلاح المجتمع حدّدها الخالق عز وجل فقال: ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهم بالتي هي أحسن، وهي كلّها عبارات تدعو في كل أداة من أدوات الدعوة الثلاث إلى الارتقاء للقمة في الأداء، وحسن التناول وجميل التصرف: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ فلا مجال لتعنيف أو ترهيب بين الحسن والأحسن، ولا مكان للسب والشتم في مجال أَحكَمتْ تطويقه الحكمة.

فالمقصد الأساس حفظ الصحّة، صحة الأبدان والأرواح، وصحة الأجساد والأنفس، والغاية المثلى البرء من الأمراض وزوال الأسقام، وعلاجُ ذلك لا ينفع فيه التعنيف إلى درجة الإرهاب، ولا اللوم إلى مستوى السب والشتم، ولكن تبلغ القصد الرفيع منه الحكمة في المعالجة والتناول، وملازمة الرفق واستصحاب الحلم وحسن التعامل، في مناخ ركائزه نفائس القيم ومكارم الأخلاق.

ونحن إذ نركز على جانب الدعوة -والتعليم برمته جزء منها، إذ المعلم داعية، بل من أهم الدعاة- فإننا لا نغفل عن كون الانتقال في رحاب الحكمة بالوعظ والجدال من الحسن إلى الأحسن لازم في كل المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خدمة لكل الفئات، الشابة والراشدة والتي مسّها الضّعف والشيبة.

والدعوة والإصلاح كلاهما حكمةٌ ورفقٌ ونصحٌ وتسديد:

والدعوة طبٌّ للنفوس، والإصلاح طبٌّ راق للمجتمع والأفراد، وكل منهما لا يخرج عن قوانين الطب وأخلاق الطب، وكلاهما يحتاج لحكمة ورفق وحلم وحسن تسديد وجميل ترشيد، في كل مجال وبكل ميدان، حتى ولو تعلق الأمر بإنزال العقوبة حين القسط أو التعزير حين العدل.

فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «إن الله رفيقٌ يحبٌ الرفق في الأمر كله» (متفق عليه)، وعنها رضي الله عنها أن النبي  قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ» (رواه مسلم)، وعنها كذلك رضي الله عنها «يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحب الرفق، وإن الله يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف وعلى ما سواه» (متفق عليه). ويؤكد هذه الأحاديث الصحيحة قوله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم (فصّلت: 34).

بل نجد الميول للرفق وحثّ المؤمنين على الستر والعفو فيما بينهم، وتجنب رفع المظلمة للحاكم ما أمكن، من الأخلاق والشّيم التي نصح بها رسول الله  أمته ولو تعلق الأمر بإحقاق الحق وإقامة العدل، حرصا على اللطف والتراحم حتى مع من أجرم، وهذا من جميل التطبيب للمجتمع والعمل على كمال صحته.

ففي حديث حكم الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (4/182) بحسنه عن عبد الله بن مسعود قال : إني لَأذكرُ أولَ رجلٍ قطعه رسولُ اللهِ ، أُتِيَ بسارقٍ فأمر بقطعِه، فكأنما أسِفَ وجهُ رسولِ اللهِ ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ كأنك كرهتَ قطعَه؟ قال: «وما يمنعُني؟» (بمعنى أنه لم يجد  شرعا ما يمنعه وإلا لامتنع)، «لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم، إنه لا ينبغي للإمامِ إذا انتهى إليه حدٌّ إلا أن يقيمَه، إنَّ اللهَ عفُوٌّ يحبُّ العفْو»، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (النور: من الآية 22)

وسار على نفس النهج الخلفاء الراشدون في لينهم وتعاملهم مع المنكرات بنوع من التطبيب فريد يعالج المرض ولا يعنّف المريض، ففي أثر لا تخل أسانيده من مقال سَأل عمر بن الخطاب  يوما عن رجل يعرفه، فقالوا له: إنه خارج المدينة يتابع الشراب، فكتب له عمر يقول: «إنني أحمد إليك الله الذي لا إله غيره، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب». فلم يزل الرجل يردّد كتاب عمر وهو يبكي حتى صحّت توبته. ولما بلغ عمر  قال: «هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زلّ زلة فسددوه ووفقوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه».

وكذلك كان الجيل الأول من الصحابة الكرام ، فقد جاء في كنز العمال للمتقي الهندي، وشعب الإيمان للبيهقي، عن أبي قلابة أن أبا الدرداء مرّ على رجل قد أصاب ذنبا فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب (وهو البئر إذ القليب اسم بئر في بدر) ألم تكونوا مستخرجيه قالوا: بلى قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي.» (الحديث فيه مقال لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء كما قال ابن حجر في الفتح).

الطب سليمُ فحص وقويمُ تشخيص:

والطب فحصٌ وعلاج، أي تشخيصُ حال واستشرافُ مآل، إن أُخذ بالعلاج فهو مآلٌ لا شك واعدُ الحصاد، وإن أُهمل فقادمٌ منذرٌ للورم بازدياد!

وحتى نوجز العبارات نضرب المثل: واقعنا المتردي مُزمنُ المرض، إذ المرض به قديم! فالاستعمار مرحلة استفحل فيها المرض، وعصور الانحطاط قبله كانت مرحلة مرضية مهّدت لما بعدها من تحلّل واحتلال، ولم تعدم الأمة أطباء فضلاء دعوا بقدر ما استطاعوا لقويم العلاج، فاستجاب البعض وانغمست الكثرة في مزيد اعوجاج. فمثلا في ماض قريب، استنفرت الطاقات لتحرير فلسطين وتقاعس الذين خانوا الله ورسوله، وفي كلّ كرة من عدوان الغاصب ينادي المنادي فلسطين تستغيثكم، ثم يمكر الذين غدروا، ويعتذر الذين للجهاد غادروا!

وجاء اليوم المعذّرون من الأعراب يردّدون أن «داعش»أفسدت وأهلكت، و«القاعدة» من قبل دمّرت وتآمرت، وغدا يدعون أن «براقش» سفكت وهتكت، وهلم جرا مما يُصنع ويتشكل من الكيانات الفُجائية تحت أعيننا، لضعف في مناهج تربيتنا وتعليمنا، وغياب لقويم الدعوة في أوساطنا، ووأد للنصيحة بيننا، وشطط في السلطة ساهم في تفكك في مجتمعاتنا، وتوظيف لبعض أولادنا وفلذات كبدنا في تيارات ضحلة الفكر سقيمة الوعي مقطوعة الأصل، مع صمت مريب من معظم علمائنا وأغلب فقهائنا!

وهو تشخيصٌ منهمُ أعمى، وخللٌ في التحليل أدهى، يرى الضرر حيث حَدَّد الغير أن يُرى! أما القصف المتواصل للمدن والقرى بالدبابات والبراميل، والدماء الجارية بالرصاص والقنابل، وإهانة المسلم وقتل المؤمن في واضحة النهار، والمساس بالمقدسات، وانتهاك الحرمات، والاعتداء على الأطفال والنساء، فذاك شيء زاغت عنه الأبصار، ويُتهم بالتواطؤ والإرهاب من سولت له نفسه نعت أصحابه ودعاته بالظلمة الأشرار!

أصلُ الدّاء الغفلةُ عن لوازم الإعداد وشروط الاستعداد:

وأصل الداء الغفلة عن لوازم الإعداد، علما وفهما وتطويرا وتمكينا، وتفعيل ذلك بما يستدعيه الموقف من الأهبة والاستعداد، بالعلم والتعلم والإتقان والخلق الحسن، والإقدام على الله ذكرا وعبادة، وطاعة لله ورسوله، وإبعادا للشقاق ودواعي الفرقة، والتواصي بالحق والصبر، لينعم الخالق بعد تمام الإعداد وكمال الاستعداد بالإمداد، فذلك طبٌّ خاص، لا مجال فيه لغياب الحكمة أو التفريط في مستلزمات شكر النعمة.

ذلك أن الاستراتيجية فنونٌ ثلاثة : تعبئةٌٌ ومواجهة ومراجعة، عرضتها سورة الأنفال فبدأت بالمراجعة، ثم فصّلت في ضوابط المواجهة، لتنتهي بلوازم التعبئة، ولنقدم تأصيل الفنون الثلاثة في محطات ومراحل ثلاث بترتيب معاكس: مرحلة الإعداد، ومرحلة الاستعداد، ثم مرحلة الإمداد. والمرحلة الخاتمة هي الفصل، إذ فيها يتجلى النصر، وهو من عند الله لا دخل لغيره فيه، فحتى الملائكة الألف المردفين بآلاف غيرهم، إنما ردفوا لمشاركة المؤمنين بشرى النصر، وفقه تلك المراحل يحتاج إلى وقفات نرجو الله أن ييسر عرضها وبسط نفائس درسها.

وطبّ المجتمعات استراتيجيٌ بالأساس:

وحفظُ الصّحة وبرءُ المرض في منطوقه الاستراتيجي هو على منهج ما أشرنا إليه في القاعدة الاستراتيجية الأولى «الأولوية للحق وأصواته، ولا فزع لا من حجم الباطل، ولا من تعدّد أبواقه» وما تفرع عنها من قواعد خمس:

«إنّ الراشد من أصوات الحق ينبغي أن يُحفظ»، أي أن يحفظ في تمام رشده، وكمال صحته وعافيته. فحفظ الموجود ضروري لمباشرة السعي للمفقود.

«وأنّ القاصر منها ينبغي أن يُرشّد»، وترشيده يحتاج إلى حسن تطبيب، وإتقان فحص، وعميق تشخيص، دون إرهاب أو ترهيب.

«وأن المعوجّ منها ينبغي أن يقوّم ويسدّد»، وهذا عملٌ جليلٌ، لا يتقنه إلا ماهر الأطباء وحكيم الفقهاء.

«وأن المكبّل منها يلزم أن يفكّ قيده ويساعد»، فحسن طبّه في فكاك قيده، لا في تعنيفه وإرهابه.

«وأن الغائب منها ينبغي أن يوجد»، وعلى رأس قائمة الغائبين: المهرة في الطب الراسخين، الذين هم بلسمُ الأمة، في شتى أنواع العلم وفنون علوّ الهمّة.

وترى الماكر المتربص بنا الدوائر يُلهب الأبواق صراخا يدّعي لحالنا حُسن التطبيب والتشخيص، فيهوّل العطب ويتباكى على صغير الجرح، ليقترح مكرا ما يدعيه دواء وهو عين الداء! إن رأى بقدمنا جرحا تداعى للنصح أن عين السلامة وسديد الترياق هو في بتر الساق، ثم لم تكن فتنتنا إلا أن صدقناه بأن علاج العمش بالعين هو في قطع الرأس، لما استدل به من برهان يقيني أن العين بالرأس!!! ولنا فيما تقترحه المؤسسات المالية الدولية من حلول لأزماتنا برفع سقف الدّين الربوي وتقليص الدعم الاجتماعي أفضل المثل وأكبر العظة!

ثم سخرية منا يتهمنا هذا «الطبيب الناصح» باغتيال ذواتنا وبتر أطرافنا، ليختم حكمه بجهلنا، وتفاقم شرنا، وخطرنا على الكون والحياة والإنسان. بيد أن أصل الأدواء هو في انشغالنا باللعن المتواصل للمرض وأسباب المرض، وجهلنا المخيف بقواعد الطب ومستلزمات التطبيب، أو بصريح العبارة في ابتعادنا عن معين الطب الذي فيه شفاء للناس ورحمة وهدى ورضوان، وركوننا لمن يرى بقاءه ونماءه في حربنا أيا كان الزمان والمكان!

طبّ التجزئة والتصنيف ليس بطب:

ولم نعدم بيننا أدعياء طب رأوا الحلول في التجزئة الزمنية، فشيدوا بماضي الأمة إقامات يفرون إليها لغلبة الظن أن أهلها كانوا من الأطهار والسلف الأخيار، مع تزاحم الأوراش منها بالقرن السابع لدواعي الاختيار، وفتح بعضهم بالحاضر عن حسن ظن بابا لتفريج الكرب وتهذيب النفس عبر نافذة أصلها الحق في ما سماه عمدة الحديث محمد بن اسماعيل البخاري  «باب الرقاق»، تأوّل مع الزمن أطباؤها وصفة أدويتها فقدموا الجنيد وأخروا الجند! وآخرون وجدوا ضالتهم في الأزمنة القادمة، فرمت طائفة منهم الغد بالأماني، واستدعت طائفة منهم أهوال وأشراط الساعة على نحو ما ذكرناه في القاعدة الاستراتيجية السالفة: «الجهل بالسنن لا يعذر بكثرة الفتن»!

ثم وزعنا ذواتنا بناء على التجزئات السابقة بين أصناف شتى من الفرق والجماعات، من متقدم ومتطرف وليبرالي وثوري وإسلامي وإسلاموي وسني وشيعي وصوفي وقاعدي، وهلم جرا،… وأكثر ما نتّحد فيه السعي الكثيف للدنيا بأدواتها الحديثة وفي مختلف مراعيها المعاصرة، لا نكاد نختلف في الكدّ لها والحرص عليها إلا نتفا! والجهات المسؤولة تعزّز هذا الانفصام وتبرّر انتشاره بادعاء السعي لحفظ الصحة والبحث عن العافية وقطع دابر الألم، رغم ما نلحظه من تفاقم الداء وزيادة الورم، فليس من عافية أن يكبر الجرح ويتفاقم السقم!

خطرُ إرهاب المريض وبؤسُ شتم المرض:

ذلك موجز تحليل لمشروع حفظ الصحة وبرء المرض، أما معضلة إرهاب المريض وظاهرة شتم المرض فالآيات في موضوعهما مفصّلة فاصلة، والأحاديث النبوية للتصدي لهما هادفة حاسمة، نذكر بعضها دون ذكر للسند أو تفصيل في الرواية، فلعلّ ذلك يتدارك منا بإذن الله وعونه حين جمع القواعد في كراس يبوبها ويرتبها، يخرج أحاديثها ويوثق نصوصها، بعد مراجعة وتصويب، وإضافة وتهذيب.

يقول الله عز وجل :ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قَدْ جَاءكُم بَصائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون .(سورة الأنعام : 102-108)

فقبل أن يأمر الله المؤمنين بعدم سبّ من يسبه هو جلّ وعلا نبّه إلى صفاته المثلى فقال عزّ من قائل : ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُفهل إله بهذه الصفات يضره أن يُسَب؟ كيف وهو خالق كل شيء، والحاضر في كل مكان، والمدرك لكل أمر؟ فهو سبحانه يعرف سبّ المشركين له سرا وجهرا، وهو عز وجل لا يضره سبّهم ولا شتمهم له شيئا، إنما يريد منا نحن المؤمنين ويدعونا نحن المسلمين أن لا ننشغل بسبّهم، أو ننغمس في الردّ عليهم، فشتان بين إبطال قبيح فعلهم والانشغال بسبّهم.

وفي ذلك آية وعبرة، بل إعجاز وبلاغة، فلم يقل جلّ وعلا إذا سبّكم الذين كفروا فلا تسبّوهم، بل ضرب المثل بأقبح من ذلك فاحشةً فقال : وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وبسط سبحانه علة المنع في أن السبّ يرد عليه حتما بسبّ، وأنكم يا معشر المؤمنين بسبكم آلهتهم سيسبون إلهكم، أي ضمنيا إذا شتمتم أصلهم سيشتمون أصلكم، وإن سببتم قومهم سيسبّون قومكم، وبمعنى أوضح لما هو في الآية أحكم وأبلغ: السبّ سلاحُ الجبان، فالأولى الابتعاد عنه لمن تحلّى بالإيمان.

فالشيطان يوحي عبر سبّك خصمك أنك قد حققت نصرا، ولكن الحقيقة أنك مكّنته من إقامة بعض الحجة عليك بذمه وسبه، فضلا عن كونك فوَّتّ على نفسك وقتا وطاقة بذلك، كان الأليق أن توفّرها لما أنت مكلّف به، إذ هو الأمر الذي من أجله يعاديك ذاك الذي أنفقت جهدا وضيّعت وقتا في سبّه. فلنفرض أن رجلا يحرث أرضا وآخر لا يكرهه ولا يعاديه إلا لكونه يقوم بذلك الحرث، فجاء عدوه هذا يسبه ويشتمه، وبدأ هو ينشغل عن حرثه بالرد عليه، فهل يكون الحارث بسبه وشتمه مهما تعدّدت نعوت الشتم وغلظت ألفاظ السبّ قد حقق شيئا في النيل منه؟ أم أن عدوّه هو الذي حقّق ما يفرِحه بانصراف صاحب الحرث عن حرثه؟

ولهذا نلمس في الآيات البينات التي تلوناها أمر الله جلّ وعلا نبيه والمؤمنين بالاهتمام بالحق دون اكتراث للباطل فيقول: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك،َ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو،َ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُوا،ْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ، ففي ثنايا القول الكريم قمة الطب وأنفسه، طبّ النفوس وعلاج الأمراض النفسية والاجتماعية، ثم أعقبها عز وجل وقد تم البيان بالأمر الهام مع توضيح علته : وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ، ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون.

جاء في أحكام القرآن لابن العربي المعافري رحمه الله: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَسُبُّوا آلِهَةَ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا إلَهَكُمْ وَكَذَلِكَ هُوَ؛ فَإِنَّ السَّبَّ فِي غَيْرِ الْحُجَّةِ فِعْلُ الْأَدْنِـيَاءِ. وَقَالَ النَّبِيُّ  : «لعن اللَّهُ الرَّجُلَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ؟ قَالَ : يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ.» فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا جَائِزًا يُؤَدِّي إلَى مَحْظُورٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ «كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ فِي الظَّاهِرِ يُؤَوَّلُ أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ.»

وورد في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رُ قَالَ : «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ  سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ (أي حين العتاب)مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ.»

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا»، ويجدر بنا أن نلاحظ في الحديث إلى جانب النهي المطلوب أن النبي  أشار لمرتبة الصدّيق لكونها المرتبة الأولى التي يتنافس عليها المنعم عليهم – الذين نسأل الله في الصلاة تكرارا أن يهدينا صراطهم – بعد أن اصطفى الله من شاء من الأنبياء في قوله عز وجل : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (النساء : 69)، فمن رام المنافسة والسباق لتلك المرتبة فلا يستوي أن يكون لعانا، بل كونه كذلك مخرجه كلية من السباق لدرجة الصديقين بوجود الخلل في طاعة الله ورسوله الطاعة المثلى!

وروى الإمام أحمد وأبو داود والهيثمي والطبراني في الكبير عن أَبِي تَمِيمَةَ عن أَبِي المَلِيحِ عن رَجُلٍ قال: كُنْتُ رَدِيفَ النّبيّ  فَعَثَرَتْ دَابّتُهُ فقُلْتُ تَعِسَ الشّيْطَانُ، فقَالَ: «لا تَقُلْ تَعِسَ الشّيْطَانُ، فإِنّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولَ بِقُوّتِي، وَلكِن قُلْ بِسْمِ الله، فإِنّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الذّبَابِ».

فإذا كان هذا لأكبر عدوّ فكيف بمن دونه؟ أو ليس بسبّنا المتواصل ولعننا المستمر تتعاظم إسرائيل وأمريكا ومن نظنهم من الأعداء من غرب وشرق؟ الدفاعُ عن النفس والدين والأرض والعرض والمال شيء، والسبّ والشتم والتعيير واللعن شيءٌ آخر مخالف، ومن رام التحلّي بالأولى لزمه التخلّي عن الثانية؛ فما يلتقي الأمران كما لا يجتمع في جوف المرء قلبان!                         يتبع

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *