عبرة ..


روى البيهقي أن ابن سماك الواعظ ذكر النار في بعض مجالسه، فبكى وأبكى، فلما كان في المجلس الثاني دفعت إليه رقعة كان فيها : يا أيها الرجل المعلم غيره تصف الدواء من السقام لذي الضنا وأراك تملأ بالرشاد عقولنا هلا لنفسك كان ذا التعليم كي ما يصح وأنت سقيم نصحا وأنت من الرشاد عديم فمرض رحمه الله مرضا شديدا، وتوفي منه (شعب الإيمان 2/316). هذا والله هو الداء الدوي والمرض العضال الذي ينخر قلوب الدعاة إلى الله، ويسري فيهم سريان النار في الهشيم إلا من رحم الله، وقد قال جل جلاله : {أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم أفلا تعقلون}، فكيف تجد أثرا لكلمات جوفاء نطق بها لسان امرئ، وما نطقت بها جوارحه، وخرجت من فيه، وما جسدتها أفعاله {لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا أن تقولوا ما لا تفعلون} إي والله ما أوتيت الدعوة مثلما أوتيت من قبل هؤلاء الذين دلوا على الله بأقوالهم، ونفروا منه بأفعالهم وسلوكهم، ونصحوا الناس بركوب سفينة النجاة وما ركبوا هم، وقد كان ابن الجوزي رحمه الله يقول في بعض دعائه : “اللهم إني أعوذ بك أن أكون جسرا يعبر عليه الناس إلى الجنة ويرمى به في النار”، وما آمن من آمن من الرعيل الأول إلا بما رأوا من استقامة سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم وطيب أخلاقه، ومسارعته إلى ما يأمرهم به، فإن دعاهم إلى القيام فإنه قام حتى تفطرت قدماه، وإن دعاهم إلى الصيام فإنه كان يصوم حتى يقولون لا يفطر، وإن دعاهم إلى الصدقة فإنه كان كالريح المرسلة، وقس على هذا باقي أبواب الخير كلها. بهذا دخل الناس في دينه أفواجا، ولا يستقيم أمر الدعوة إلا لمن سار على هديه واقتفى أثره وقد قال جل جلاله : {لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}. فاللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأحوال والنيات . آمين.

ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *