الأخــيــــرة – مـقـاصـد اللـبـاس8


القـاعـة رقـم 10 : في الحلقة السابقة أشار الكاتب إلى أن ظاهرة الإسلام فوبيا تتخذ مظاهر عدة منها “الحجاب فوبيا” وفي هذه الحلقة يعرض واقعتين تؤكدان حالة وجود الحجاب فوبيا كصورة من صور الإسلامو فوبيا في أوروبا .

هي قاعة في محكمة ألمانية، تشهد- مرة أخرى- على الجرائم المرتكبة ضد الحجاب…جريمة ضحيتها البريئة اسمها: مروة الشربيني… لا علاقة بينها وبين المعتدي، إطلاقا، إلا الحجاب…الحجاب الذي كشف عنصرية الجاني وهمجيته وكراهيته لكل ما هو إنساني وحضاري…لم يحتمل رؤية الحجاب فأهان صاحبته التي رفعت ضده دعوى قضائية..وفي قاعة المحكمة يستكمل الجاني جريمته ويتوجه بطعن الضحية بسكينه عدة طعنات متتالية أمام القضاة والمحامين والشهود…هل قدر لاسم مروة أن يقترن بالحجاب ومعركته؟ مروة قاوقجي في تركيا…مروة الشربيني في ألمانيا…يتحدثون هناك عن النازية الجديدة، فكثير من الألمان، مسلمين ونصارى ويهودا استنكروا الجريمة، ورموا المعتدي بالنازية…لكن لماذا تلبس هذه النازية الجديدة هذا اللباس؟ لماذا تجعل من الحجاب هدفا؟ أليس لأنه يمثل حضارة؟ أمة؟ حضارة بسطت سلطانها على العالم قرونا، وهي تسعى إلى أن تسترجع زمانها الحضاري…والذي لا يملك الحجة، حجة الفكر وحجة اللسان وحجة البرهان، من أجل مواجهة خصمه، يلجأ إلى العنف بكل صوره، متهما خصمه بكل النعوت الباطلة…وقديما قال فرعون، رمز الطغيان والجبروت والفساد، وقد وقف عاجزاً أمام حجة الإيمان: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}(غافر : 26)، فبالقتل يريدون إسكات الحجة وإبطال الحق….وما علموا أن ذلك يزيد الحق سطوعا ويضمن انتصار الفكرة…كما حدث مع أصحاب الأخدود.. . انتصر المستضعفون حين ألقي بهم في الأخدود المشتعل…وانتشرت جذوة الإيمان، وباء ذو نواس اليهودي وجنوده بالخسران المبين في الدنيا والآخرة… في السادس من يوليوز 2009 أصيبت مروة بثماني عشرة طعنة أسلمت بعدها الروح الطاهرة لباريها ونقل جثمانها ودفنت في الإسكندرية…صاحب ذلك تحرك البرلمان المصري مع الدعوة إلى إصدار قرارات دولية بهذا الشأن، كما تحرك الشارع المصري غاضبا يطلب بالقصاص…ومما يلفت الانتباه الشعار المكتوب الذي حمله المتظاهرون: وامعتصماه ! إنها صرخة تتجدد إذن بلسان حال مروة…ولكن أين المعتصم؟ وهل دريسدن الألمانية هي عمورية الثانية؟ وصرخ أحدهم: لا يمكن أن نسكت بعد الآن على كل جريمة قتل تلحق بنا…وسمى بعضهم الشهيدة: شهيدة الحجاب. مرة أخرى! ليست الحجاب مجرد قطعة قماش…إنه هُوية وفريضة شرعية، ورمز حضاري…وإلا لما حرك كل هذا الحقد الدفين بين ضلوع جماعة من الهمجيين… كانت قضية مروة ما تزال ساخنة عندما نشرت جريدة ( المساء) المغربية، في العدد 869 الصادر يوم الثلاثاء 14 رجب 1430، الموافق 7 يوليوز 2009، مراسلة من باريس للباحث المعطي قبال، ندرجها هنا لصلتها بالموضوع: مركز علمي فرنسي يعلق صرف تعويضات لباحثة بسبب حجابها. فرنسا ” الأنوار” ترى في البرقع قنبلة موقوتة. ” قبل أن تنفجر قضية البرقع، عرف الوسط الجامعي الفرنسي سجالا في موضوع ما أطلق عليه “قضية فانسان غيسير” والتي لم تهدأ تداعياتها بعد، فانسان غيسير Vincent Geisser باحث سوسيولوجي، عالم سياسي ومدير مجلة “هجرات ومجتمعات”، وتنصب أبحاثه على المجتمعات المغاربية..يعمل بمعهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي IREMAM بجامعة إكس أون بروفانس لصالح المركز الوطني للبحث العلمي. اندلعت القصة على إثر إرسال غيسير إس. إم. إس في الرابع من أبريل الماضي إلى لجنة مساندة صبرينا تروجيه، باحثة كانت في طور إعداد رسالة دكتوراه في علم الميكروبات بجامعة تولوز لوميراي، والتي ألغى المركز الوطني للبحث العملي منحة وتعويضات البحث التي كانت تتقاضاها، على خلفية رفضها نزع الحجاب.

هذا مع أن صبرينا كانت ترتدي الحجاب منذ سنين. في رسالته، عقد غيسير مقارنة بين هذا الإجراء ومعاملات الغيستابو أيام احتلال فرنسا من طرف القوات الألمانية. على إثر هذه الرسالة اشتعلت الشارة الحمراء في أوساط المركز الوطني للبحث العلمي حيث استدعى الباحث يوم 29 يونيو أمام الهيئات التأديبية للمركز، التي عابت عليه، إخلاله بإلزامية التحفظ وعدم أخذ مواقف شخصية بصفته موظفا بالمركز، كما آخذته اللجنة التأديبية على تصريحات مضادة لجوزيف إيلان، المكلف الأمني بالمركز الوطني للبحث العلمي، والذي يوقع المهام التي يقوم بها الباحثون بالخارج. وفي نظر غيسير، فإن جوزيف ءايلان يقف من وراء إلغاء منحة الطالبة المحجبة. لكن الخلاف بين الرجلين ليس وليد اليوم، فقد سبق لهما أن تجابها من قبل وفي أكثر من مناسبة، ففي سبتمبر من عام 2004 شرع غيسير في إعداد دراسة في موضوع: “مكانة الباحثين المغاربيين” أو من هم من أصل مغاربي في المؤسسات العامة الفرنسية، مثل المعهد الوطني للبحث الطبي، الجامعات والمركز الوطني للبحث العلمي. وفي هذا الشأن أوضح غيسير: ((كان هدفي والمجموعة التي أشرف عليها إجراء تقييم علمي دقيق لمساهمة الباحثين والجامعيين المغاربيين في إشعاع البحث الفرنسي في العالم. موّل المركز المشروع في حدو د 20000 أورو ( عشرين ألفا). وخلال المقابلة التي جمعتني والمسؤول الأمني اقترح عليّ التخلي عن إنجاز المشروع بالنظر إلى حساسية الموضوع)). وأضاف غيسير: ((ومن المأخذ الذي أشعرني بها احتمال زرعي لوبيا إسلاميا متطرفا من الباحثين داخل المركز الوطني للبحث العلمي! ؛. ومنذ تلك الفترة وضعت على فانسان غيسير شارة مراقبة. لكن عليك اعتبار إصداره عام 2004 المؤلف “الإسلامو فوبيا الجديدة”(1) (عن منشورات لاديكوفيرت) وفيه نقد لاذع لكوكبة الباحثين والمثقفين الغربيين، وبخاصة الفرنسيين الذين ينظرون إلى المسلمين على أنهم قنابل موقوتة- القبسة الأولى- قبل أن يمثل غيسير أمام اللجنة التأديبية، وفي 29 يوينو الماضي، راجت عريضة موقعة من طرف مفكرين وباحثين بارزين ساندوا فيها غيسير ونددوا بالمراقبة التي طالت مواقفه ضد المفكرين والجامعيين الاستئصاليين. وقع العريضة باسكال بونيفاس، مدير العلاقات الدولية والإستراتيجية، الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغاررموران، الفيلسوف إتيان باليبار، أوليفييه روا عالم السياسة والمتخصص في الإسلام، تزفيتان تودوروف المفكر والناقد، ألن دوليبيرا المتخصص في الإسلام الوسيط، إلخ.

كما وجه 300 باحث رسالة مفتوحة إلى فاليريه بيكريس، الوزيرة السابقة للتعليم والبحث العلمي، أعربوا فيها عن تخوفهم من أن تنطبق إلزامية التحفظ على الفكر والتفكير بكافة أصنافه على الجميع. أحد دروس هذه القضية هو أنه في فرنسا، وفي أوساط البحث العلمي والفكري، ثمة أصوات جعلت من الآخر بأعرافه الدينية، الثقافية والاجتماعية، قيمة أخلاقية قبل أن تنظر إليه كموضوع دراسة، أو تهديدا للأمن الوطني. كانت صابرينا حاملا في شهرها السابع لما ألغت الجامعة عقدها بسبب الحجاب. وجدت نفسها حافية الموارد. اليوم ربما خففت ولادة طفلها مؤخرا من شدة الضيق المادي الذي لا تزال تعانيه)). قضية مروة مثل قضية صابرينا…اعتداء وكراهية هنا، واعتداء وكراهية هناك…والإرهاب واحد، سواء أكان إرهاباً جسديا أم إرهابا فكريا…مروة تطعن مرات بالسكين، وصابرينا تطعن مرات بمحاربتها في رزقها والتضبيق عليها، ومنعها من حقوق البحث…أين دعاة حقوق المرأة؟ أليس هؤلاء اللواتي يتعرضن لكل أصناف الاضطهاد وألوان التنكيل نساءً؟ أليس لهن حقوق؟ أليس من أولى الحقوق حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية التصرف؟ ألم يكن الاعتداء على الحجاب اعتداء على كل تلك الحقوق وزيادة؟! وإذا كان المعتدي، في حالة مروة، من النازيين الجدد، ومن العوام، أليس من الخطورة بمكان أن يكون المعتدي، في حالة صابرين، ممن ينتمون إلى حقول البحث العلمي وحرية الفكر؟ أليس من المروع أن تصبح مراكز البحث العلمي ومؤسسات الفكر شبيهة في وظيفتها بمؤسسة الغيستابو النازية؟ ومتى تتحرر الدول الغربية من عقدة الاسلاموفومبيا؟ كيف يمكن الحديث عن حوار الأديان، وحوار الحضارات، وتآزر الشعوب، وهذا الشبح المخيف- شبح العنصرية بكل أطيافها وأشكالها وألوانها- مهيمن على العقول والقلوب؟ لقد أصّل الإسلام القاعدة الذهبية: “لا إكراه في الدين”، وإنه لا سبيل إلى الخروج من التيه إلا بتحطيم جميع أنواع الإكراه: الإكراه في الرأي، والفكر، والتصرف، والسلوك.
د. حسن الآمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *