نماذج من فهوم خاطئة لبعض الآيات القرآنية يجب أن تصحح (1)


المراد هو أن هناك بعض الفهوم التي فُهمت خطأ من قبل بعض الناس، وهم يتعاملون مع بعض الآيات القرآنية، وعملية التصحيح والتصويب هذه، هي عملية سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام بها صحابته الكرام رضوان الله عليهم وتلاهم بعد ذلك التابعون لهم بإحسان من علماء الأمة، حيث كانوا كلما وجدوا فهماً: مخالفاً للشرع إلا وصححوه وبينوه على الوجه الذي يجب أن يكون عليه.

فمن جملة مهام رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بينها القرآن الكريم هي تبيانه للناس ما أنزل إليهم من الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى : {وأنزلنا إليك الذّكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتذكرون}(النحل : 44) وقال تعالى : {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدًى ورحمةً لقوم يومنون}(النحل : 64). بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر أن يبين للناس الأمور التي يختلفون فيها، والأمور التي قد يفهمونها على غير وجهها الصحيح، فكان النبي صلى الله عليه وسلم  قائما بهذه المهمة إلى أن لقي الله تعالى، فكان كلما رأى انحرافا في الفهم أو في الفعل، أو في القول، إلا وصححه، وصوبه صلى الله عليه وسلم، وكان كلما رأى فعلا معينا، أو سمع قولا معينا، أو فهما لآية ما فسكت ولم يقل شيئا، يعتبر هذا دليلا على أن ذلك الفعل أو القول أو الفهم مقبولا لا اعتراض عليه، وهذا ما يسمى بالتقرير، فالرسول صلى الله عليه وسلم قام بهذه المهمة (مهمة التصحيح والتصويب) ثم قام بها صحابته رضوان الله عليهم ثم التابعون وعلماء الأمة عبر تاريخها الطويل.

وعليه فسأقتصر على الوقوف عند بعض النماذج من هذا الأمر، لأننا لو قمنا بالوقوف على كل الآيات القرآنية التي فهمها بعض الناس فهما غير صحيح لطال بنا الوقت بالبحث عنها ثم ذكرها جميعها، لكني سأشير إلى بعض منها يمكن اعتبارها نماذج لهذا الموضوع، نرجو من الله تعالى أن يجعلنا ممن فهم هذه الآيات القرآنية فهما صحيحا حتى نبني عليها قولا أو فعلا صحيحين في حياتنا اليومية وواقعنا الذي نعيشه.

< النموذج الأول :

روي البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال : لما نزلت الآية {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخط الاسود من الفجر}(البقرة : 187) عمِدْت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتُهما تحت وسادتي، وجعلتُ أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرتُ فقال : ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار))، وفي رواية أخرى للإمام البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((إن وسادك لعريض أن كان  الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك)). فهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه بالرغم من ذكائه وفطنته فهِم هذه الآية فهما غير صحيح، فذهب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى له هذا الأمر، فداعبه مداعبة لطيفة، وفي نفس الوقت صحح له فهمه الخاطئ للآية المذكورة، حيث قال له : ((إن وسادك لعريض))، وفي رواية ((إنك لعريض القفا))، فبين له أن المراد بالسواد، سواد الليل والمراد بالبياض بياض النهار.

< النموذج الثاني :

روى مسلم والترمذي عن مغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : لما قدمتُ نجران -عند النصارى- سألوني فقالوا : إنكم تقرؤون {يا أخت هارون}(مريم : 28) وموسى قبل عيسى بكذا، وكذا، فلما قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته فقال : ((إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم)) فهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه رغم أنه كان يحفظ القرآن لم يستطع أن يجيب قوم نجران الذين فهموا الآية المذكورة فهما خاطئا حتى عرض الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصحح له فهمهم هذا مبينا :أنه كان لمريم أخ يسمى هارون، كما كان لموسى، وأن الناس كانوا يسمون أبناءهم بأسماء كانت لأنبياء وصالحين قبلهم، فرفع اللبس وتبين المعنى الصحيح للآية المقصودة بالبيان.

والصحابة رضوان الله عليهم سنوا هذه السنة وسلكوها على اعتبار أنهم ورثوا العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأوا يبلغون هذا العلم للناس فكانوا يقومون بما يمكن أن نسميه بالحراسة الإيمانية، فصححوا وبينوا الصواب من القول والفعل والفهم، فكان كل واحد منهم يعمل على نشر ما سمعه وفهمه وثبت لديه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتا صحيحاً، فحافظوا على هذا الدين وصوّبوا وبيّنوا للأمة أمورا كثيرة حتى لا تضل وتنحرف، عن الصراط السوي.

-يتبع-

ذ. محمد الصوفي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *