عبرة


لما حضرت الوفاة شيخ المؤرخين والمفسرين الإمام الطبري سمع حديثا فقال : علي بالمحبرة والصحيفة فكتبه فقيل له : أفي هذه الحال؟! قال : “لا ينبغي للإنسان أن يدع اقتباس العلم حتى الممات”.

فانظر حفظك الله إلى حرص السلف على التعلم، وخشيتهم أن يضيع شيء من أعمارهم سدى، لا يستفيدون فيه علما ولا يزدادون فيه معرفة، إذ أيقنوا أن العلم أشرف ما يطلب، أليس قد سمعوا قوله عز وجل {وقل رب زدني علما} فلم يطلب جل علاه من نبيه أن يستزيده من شيء خلا العلم.

أليس قد بلغ أسماعهم قوله تعالى : {شهد الله أنه لا إله إلا الله والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط} فما قرن سبحانه مع اسمه إلا أشرف الأشياء، أليس قد رووا عن المعصوم قوله : >من سلك طريقاً يطلب فيه علما سهل الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر<(رواه أحمد والترمذي

هذه الآيات والأحاديث في فضل العلم وغيره، تشربتها قلوبهم ووعتها عقولهم فانطلقت ألسنتهم مؤكدة على هذا الأمر، فكان من درر الإمام علي ] ما أوصى به كميل بن زياد : (احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة، فعالم رباني، وعالم متعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال تنقصه النفقة، ومحبة العالم دين يُدانُ به باكتساب الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خُزَّان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.

فاللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم.

ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *