قيم الحداثة تحجم القيم الإسلامية في مقررات التربية الإسلامية


أهمية  القيم  في  العملية  التربوية

تهدف العملية التعليمية اليوم إلى تحقيق أربعة أشياء:

1- التربية على امتلاك القدرة على التعرف على الأشياء ، وحقائقها.

2- التربية على معرفة الإنسان ذاته.

3- التربية على إتقان المهنة أو الحرفة المستقبلية.

4- التربية على وسائل التعايش والتساكن بين الناس.

ونحن نضيف هدفا خامسا وهو الأول وهو التربية على الإيمان بالله ومقتضياته؛ لأنه هو أسمى هدف، وهو ما يضفي على بقية الأهداف معنى، ويخرج المتعلم إنسانا وليس آلة، أو أسدا في غابة، وبدون الأربعة فستحصل رهبانية، أو إذلال، ونحن نتحدث من زاوية التعليم والتربية فقط، والأربعة تؤكد دخول عصر ما بعد الحداثة حيث يغيب مفهوم الله عن التفكير.

وتتم هذه الأمور الخمسة الكلية من مكونات العملية التعليمية، عن طريق غرس القيم المرتبطة بها، وبناء العقائد التي ترسخها، وبث المشاعر التي تولد الشعور بها، حتى تصير هذه القيم هي العوض عن كل سلوك قبيح؛ فيزهد المتعلم في السلوك القبيح، والسلوك الخطأ، بفضل ما يشعر به من مكتسبات يحصلها إذا تمسك بهذه القيم.

والقيم في المناهج يمكن أن تقدم باعتبارها معايير للسلوك المطلوب في الموقف المطلوب، ويمكن أن تقدم في صورة وقائع تكون القيمة فيها هي المفتاح الذي يفسر النجاح المحقق في الواقعة.

وليست القيم على وزان واحد فالحاجة إليها في العملية التعليمية المحدودة بالزمان والمكان، تتوقف على أثر كل قيمة في واقع المتعلم، فمثلا إذا ظهر الاستهتار بالوقت فإنه يجب تضخيم قيمة الزمن، وإذا تفشى الاستغفال، واستغلال براءة الناس، فيجب تضخيم قيمة الحقيقة العلمية، وهكذا يكون واضع البرنامج مستحضرا لواقع المتعلم وهو يستحضر القيم التي يجب التركيز عليها.

كما يمكن الاستغناء عن بعض القيم في البرنامج إذا كانت غالبة على السلوك الاجتماعي لما له من تأثير في تحصيلها عن طريق الشعور.

القـرآن  مـصـدر   قـيـم  التحـضـر، والتربية  الإسـلامية  بناء  لها

تعتبر التربية الإسلامية من أهم المواد المحتوية على القيم، إن لم نقل إنها مادة القيم.

فنحن نعتقد أن رسالات القرآن جاءت لتعرض تصورا خاصا للإله وللكون والحياة والإنسان، وهو ما يكون العقيدة الإسلامية، وجاءت لتعرض النموذج الأفضل في نظام العلاقات الاجتماعية. وكل سلوك يصدر عن قيمة راسخة، سواء أكانت قيمة إيجابية أم سلبية، وكل قيمة من القيم يكون وراءها تصور خاص؛ فتصير الدالة هكذا: عقيدة يلزم عنها قيمة، ويلزم عن القيمة سلوك.

 شـروط  إثـمـار  القـيـم

لكن لابد من استحضار أن القيم لا تدرس مجردة، فإذا أردنا أن يكون لها الأثر في نفس المتعلم لابد من تضافر عوامل مهمة في العملية التعليمية، وهي: أولا: وضوح القيمة وارتكازها على عقيدة تشكل التصور العام للمجتمع، ثانيا: وجود البيئة التي تتمثل فيها القيمة، لينبعث الشعور بأهميتها، ثالثا: وجود المدرس الذي يؤمن بها، ويعيشها في حياته، لكي يتمثل فيه دور حارس القيمة، والمربي عليها.

فإذا كان مفهوم القيم وشروط تأثيرها هو ما سلف، فإن الناظر في واقع المتعلمين، يلحظ تنافرا كبيرا بينه وبين المأمول، والسؤال هنا: ما هو السبب في فساد واقع المتعلم؟ هل خلت مقررات التربية الإسلامية من القيم الإسلامية؟ وهل حقا حل محلها قيم الحداثة الغربية وطغت عليها؟ وهل كل قيم الحداثة الغربية مرفوضة؟ أم هناك أسباب متداخلة أفقدت القيم الإسلامية تأثيرها في نفس المتعلم؟

مـادة  التربية  الإسـلامية  عـومـلـت بالـمنظور  النفعي  الـمـادي

والجواب عن هذه الأسئلة يتطلب بحوثا نفسية واجتماعية دقيقة، وفي غيابها لا يمكن أن نتقاعس عن بحث المسألة بطرق مختلفة، ومن ذلك البحث في شروط تأثير القيم على نحو ما سبق، وفي ضوء الأسئلة الآنفة.

اعتمدت في فحص مقررات التربية الإسلامية لمستوى الثانوي التأهيلي، على كتاب “في رحاب التربية الإسلامية” السنة الأولى والثانية من سلك الباكالوريا، و”منار التربية الإسلامية الجذوع المشتركة”

وحددت مفهوما لقيم الحداثة الغربية ليكون البحث في كامل الوضوح، واعتبرتها، “المعاني الكبرى المعيارية للسلوك المرتبطة بالمادة المجردة” ولذلك أخرجت قيما اشتهرت أنها حداثية وهي ليست كذلك كالعدل، والعلمية، فيبقى من القيم الحداثية المرفوضة ما يرتبط بالإشباع المادي المؤسس على المنفعة، أي كل شيء لا يترتب على فعله منفعة مادية فهو عديم القيمة، أو كل خلق لا يستمد قيمته من أصل غيبي، بل قيمته في ما يتحقق به من إشباع فقط.

وبناء على هذا فإن أي خلق أو سلوك له أصل من الكتاب أو السنة لا يعتبر من قيم الحداثة، ولو تبناه الحداثيون، بربطه بالمعاني السابقة وفصله عن أصله التعبدي.

وخلاصة النظر في هذه المقررات أنها بنت مادتها بناء جيدا في الجملة من حيث عرض القيم، ولم أر فيها شيئا مما يمكن اعتباره قيما حداثية غربية، نعم يمكن اعتبار بعض الدروس خارجة عن المراد من التربية الإسلامية ويمكن إلحاقها بمواد أخرى، كالإعلام، والتواصل، فعرض قيم الإسلام بأسلوب عصري لا يستدعي كل هذا الخروج عن الموضوع داخل حصة هي حصة التربية الإسلامية، كما أن ربطها بحاجة العصر لا يسمح بهذا الأسلوب الإعلامي.

إذن أيــن الـخـلـل؟.

1- إخضاع القيم الإسلامية للمنظور النفعي :

فإذا سلمنا أن برامج التربية الإسلامية لم تدخلها قيم الحداثة الغربية بشكل كبير، بله أن تتضخم فيها، فإن عاملا مهما يمكن اعتباره تضخيما لقيم الحداثة على حساب القيم الإسلامية في برامج التربية الإسلامية، وهو قيمة النفعية المادية التي عوملت بها القيم الاسلامية والتي سبقت الإشارة إليها.

فالمشرع الذي نظر إلى التربية الإسلامية، على أنها مادة فيها دروس دينية وهذه الدروس إنما تعنى بعلاقة المخلوق بخالقه، وهذه العلاقة في المنظور الحداثي خارجة عن العلمية لا رتباطها بالغيب، ثم هي لا يرجى منها شيء تحققه مما يتعلق بالأهداف الأربعة للتعليم، -وهذه الأهداف تمكن فقط من التصارع على لقمة العيش- لما رأى المشرع هذه الخاصية وضع لها من المعاملات ما يناسب هذا المنظور، ومن الساعات ما يكافئ ذلك، وهكذا حصل تحجيم القيم الإسلامية المتضمنة في اعتقادنا لقيم المواطنة الصالحة المصلحة، وقيم التحضر.

وإذا نظرنا إلى المقررات ذات الصلة من تاريخ وفلسفة ولغات بكاملها سوى العربية، نشعر بضآلة ما تقدمة برامج التربية الإسلامية، وقد أدى هذا إلى زهد التلاميذ فيها على الرغم من غناها بالقيم النفيسة.

2- تضخم واجبات المادة الإسلامية مقارنة بحجم حصصها ومعاملاتها :

وهناك عامل آخر نعتبره ثمرة من ثمرات طغيان قيم الحداثة الغربية السلبية، هو أن أستاذ المادة يكلف بعدد غير معقول في فن التربية من التلاميذ، نظرا لحجم الحصص الضئيل لكل فوج، مما يفسد العملية التربوية، فالأستاذ مطالب بأن يجري عددا من الفروض المحروسة، وعددا من الإعدادات الشكلية، إضافة إلى عدم الاستقرار في طرائق التدريس، كل هذه العوامل تجعل الأستاذ يشعر كأن مادته على الهامش مما يقلل الرغبة في العطاء، والإبداع، بل التلاميذ أنفسهم يفسرون تهاونهم بالمادة بهذه المظاهر.

3- قصر تدريس القيم الإسلامية على مادة التربية الإسلامية :

إن المستعمر في مصر لما شعر بقوة ما تحمله قيم الإسلام، وما يمكن أن تقدمه المواد ذات الصلة، حجم الإسلام في مادة التربية الإسلامية، وحجم حصصها، وبذلك استطاع أن ينفرد بعقل التلميذ ووقته لملئه بما يشاء، فالتاريخ كتبه على رؤيته؛ فلا ترى إلا التقاتل على السلطة، وكيد الوزراء، وشذرات من ثمرات الحضارة هنا وهناك، أما الفلسفة والفكر الإسلامي، فكل ما يقدم ليس فيه ما يبني المعرفة وينمي المكاسب الإنسانية، وإنما هناك طوائف ومذاهب متناحرة حول قضايا غيبية، لا تثمر في الواقع عملا بل فرقة واختلافا، مع أن الفكر الإسلامي فكر أسس أعظم مناهج التفكير وهو المنهج الأصولي، ومنهج البحث عند المحدثين، وبنى فلسفة اللغة وقضاياها بناء لم يفطن له اللغويون إلا بعد ما خرج من رحم علم الكلام.

4- التضارب وغياب التكامل بين المقررات الدراسية في عرض المادة الإسلامية :

إن تضارب المناهج التي كتبت بها البرامج، واختلاف الغايات، تحت سيطرة قيمة “فصل تدريس الدين عن الغائية” وإبقائه بوصفه ظاهرة تدرس، من العوامل أيضا التي تسربت لإقصاء القيم الإسلامية، وتحجيم دور التربية الإسلامية. فواضعو برامج التربية الإسلامية لم يتأثروا بهذه النظرة فيما يبدو، لكن النظرة الشمولية لكيفية عرض المواد الأخرى توحي بهذا الأمر، ولنتأمل مادة التاريخ وهي تعرض حضارة الشعوب، ومادة الفلسفة والفكر، ومادة النصوص، فكل ذلك لا يشعر بانسجام فيما يعرض من قيم، بل إن مادة التربية الإسلامية وما تقدمه تجدها في مادة الفكر الإسلامي تفقد أهدافها حينما تعرض بلا مرجعية تجعل التلميذ يزن الأشياء بها على الأقل من وجهة نظر معينة. لقد اعتقدوا أن إلقاء المعرفة بطريقة موضوعية أسلم، ولكن ذلك وهم، ولا يستقيم، فليس هناك موضوعية مطلقة في مثل هذه المجالات، بل هناك مرجعية لا بد من التحاكم إليها، وإلا حصلت فوضى وتشغيب، وتلبيس وحيرة، والنتيجة، انكسار الإرادة وعدم الشعور بأي أهمية.

إننا نرى أن برامج التربية الإسلامية طغت عليها قيمة النفعية المادية بالمفهوم الغربي في التعامل معها كموضوع -وليس كعناصر مقرر ومفرداته-، ولذلك حجمت حصصها ومعاملاتها، لأن الدوائر المعادية للإسلام وذات النفوذ تنتفع ما دام المسلمون لا يبنون قيمهم على أساس كتاب الله، لأن في ذلك هدماً لأغراضهم وغاياتهم في العالم الإسلامي، فعقلية الاستعلاء والتفوق تجعلهم يتوجسون من وضع المسلمين يدهم على مصدر قوتهم، لذلك فهم حريصون على شغلهم عنه، ودفع أي ثمرة تثمر من شجر هذا المصدر.

فما الحــل إذن؟

للغرب قيم تولد العمل، وتنتج الجودة، واحترام الوقت، واحترام الإنسان كإنسان غربي أو يعيش معهم، والعدل… وغير ذلك مما نحن في حاجة إليه ولا يمكن إنكاره، لكن هذه القيم لها مرجعية تشكل كل برامج تعليمه، ولها اثر في واقعه، وهي سر حيرتنا وصراعنا، واختلافنا المذموم، لأن من يرى هذه الأجواء يعتقد صواب كل ما هناك.

لكن هل ما يتفوق به من قيم تنقص مصادر قيمنا؟ أم أن تجربته تعتبر مثالية في تاريخ البشرية؟ فلاشك أن الجواب بالنفي، لأن نموذج صدر الإسلام لم يصل إليه بعد، إلا أننا فقدنا الثقة فيما عندنا وصرنا نتفوه نحن أيضا بالقيم الإنسانية، بدل أن نقول إنها قيم ربانية، أو قيم قرآنية، أو قيم إسلامية، فإذا كان الأمر يتعلق بعالمية القيم فالقرآن خطابه عالمي، وليس فيه قيمة عنصرية، أو طائفية أو مذهبية، فلماذا لا نربط قيمنا به صراحة؟ وبهذا نقترب من توحيد المرجعية، وقطعا هذا لا يمس من أراد أن لا يؤمن بالقرآن، لأن القيمة قوتها في ذاتها لا في مصدرها فقط، فيكفي أن أثرها يعود بالنفع على الجميع.

إن التربية على القيم الإسلامية، التي تشكل الهوية الحقيقية للأمة يجب أن تكون في الأدب، وفي التاريخ، وفي الفكر والفلسفة، وفي اللغات، لأنها نظام الإسلام الشامل، ولأن حصرها في ذلك النوع من الدروس يوحي بكونها خارج سياق الحاجة، وإنما نحاول تكييفها، وهنا تكون الملاحظة السابقة حول إدارج مادة التواصل والإعلام الصحي، وكذا مناهج البحث والتفكير، في التربية الإسلامية أنها عبارة عن تكييف مصطنع ومتكلف لأن موضوع هذه الدروس ليس ما سمي بمادة التربية الإسلامية.

إننا نمتلك تجربة صنعت حضارة لا تزال تأخذ منها حضارة العصر، ولم يكن لدينا يوما مادة اسمها التربية الإسلامية، بل كان إما فقه أو عقيدة، أو سلوك، وإما أصول أو علم حديث، أو سيرة أو تفسير…ولو وجدت مقررات بهذا النحو وأعطيت الحصص الكافية لحققنا الذوق الرفيع في الأدب، والخلق القويم في السلوك، والرؤية السديدة في قراءة الأحداث وتفسيرها وتعليلها وأخذ العبرة منها، وكذلك لو يعطى للنص القرآني والحديثي مكانه في الحفظ والدراسة لحققنا إنباتا للقيم والمرجعية العليا.

ومن واجب هذا الطموح أن تقدم النصوص الأدبية الرائعة الخادمة، وتعرض الدراسات التاريخية الملائمة.     إن تسمية مادة التربية الإسلامية بهذه التسمية، تعين على تحقير ما يقدمه القرآن والسنة من حلول على مستوى التصورات، والنظم، وإن نوع الدروس والحصص والمعاملات، لتعكس قيمة النفعية المادية الحداثية الغربية التي عوملت بها، وإني لأرى فيها إعداداً نفسياً ومجتمعياً للقضاء عليها بعد هذا الإفقار.

وهكذا تحاصر القيم الإسلامية من جهات متعددة، معاملتها بقيمة النفعية المادية، من حيث المعامل والحصص، والإيحاء بأن ما يقدم هناك هو ما يمثل القيم الإسلامية، طغيان المواد الأخرى بما تقدمه من أفكار وقيم ومناهج مختلفة، الدعوة إلى تطويعها مما يؤدي إلى الخروج بها عن موضوعها، وهو التربية على نظم الإسلام وقيمه وتصوراته.

د. محمد ناصيري

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *