قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم – قانون الحياة الطيبة


الحياة الطيبة مسعى النفوس بالفطرة

…لازلنا في قوانين القرآن الكريم، وقانون القرآن الكريم اليوم”الحياة الطيبة”. من منا لايتمنى الحياة الطيبة؟!، من منا لايتمنى أن يعيش سليما معافى سعيدا؟!، ذلك بأن كل إنسان قد فطر على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده. هذا شأن أي إنسان على وجه الأرض. ولكن من أين يأتي الشقاء؟ يأتي الشقاء من الجهل، فالجهل أعدى أعداء الإنسان. والجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم؛ إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئا، بل يظل المرء عالما ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. إذن الحياة الطيبة تتوق لها كل النفوس، الحياة الطيبة يسعى إليها كل إنسان، الحياة الطيبة هي محط الرحال عند كل البشر.

الـمعادلة الثابتة للحياة الطيبة

ولكن هل لها قانون، هل لها معادلة ثابتة، هل ينطوي القرآن على قانون للحياة الطيبة ؟ الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول : {من عمل صالحا من ذكر أوأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}(النحل :97) …ومعنى عمل صالحا أي مطبقا لمنهج الله أولا ويقدم من علمه وماله وجاهه الشيء الكثير لبني البشر،لأن الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. لكن لن يستطيع الإنسان أن يقدم هذه الخدمات وأن ينضبط هذا الانضباط إلا إذا آمن بالله، إلا إذا آمن بالذي خلق السموات والأرض، إلا إذا عرف سر وجوده وغاية وجوده. فالإيمان بالله أولا، والعمل الصالح ثانيا هما سببان رئيسيان للحياة الطيبة. نعيد الآية مرة ثانية {من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة}.

إدراك الحقائق الكبرى سبيل الحياة الطيبة

…الإنسان إذا تفكر في خلق السموات والأرض وهو القرآن الصامت،أو إذا تدبر القرآن الكريم وهو الكون الناطق، أو تأمل في سنة سيد المرسلين وهو القرآن الذي يمشي؛ إذا تأمل في خلق السموات والأرض، وتدبر آيات القرآن الكريم، وحاول أن يفهم سنة سيد المرسلين، يستنبط حقائق كبرى.

ما الكون؟ الكون مسخر بكل ما فيه للإنسان بدليل قوله تعالى : {وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه}(الجاثية :13).

ثم هو يعرف الحياة الدنيا، وقد سماها الله دنيا لأنها تمهيد لحياة عليا… فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ويعرف حقيقة الإنسان، هو المخلوق الأول من بين جميع المخلوقات، لأنه قبل حمل الأمانة، وهو المخلوق المكرم لأنه قبل حمل الأمانة، ولأنه المخلوق المكلف بعبادة الله عز وجل كلفه الله أن يعبده… والإنسان… ينبغي أن يعلم حقيقة الحياة الدنيا، لأنها دار ممر وليست مقرا، منزل ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء لأنه مؤقت ولم يحزن لشقاء لأنه مؤقت، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي…

…من عرف حقيقة الكون والحياة والإنسان وحقيقة المنهج الذي أنزله الله لهذا الإنسان وحقيقة ما بعد الموت وحقيقة الذي يسعده والذي لا يسعده، عندئذ يكون قد مشى في طريق الحياة الطيبة…

يعني كي أوضح هذا الموضوع النظري لو أن واحداً سافر إلى بلد، إلى فرنسا، ونام في أحد الفنادق، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وسأل إلى أين أذهب؟ نحن نعجب من هذا السؤال، نسأله نحن لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت تاجرا اذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحا اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، وإن جئت طالب علم اذهب إلى الجامعات، متى تصح الحركة؟ حينما تعرف الهدف، فأنت أيها الإنسان حينما تعرف أن الله خلقك لجنة عرضها السموات والأرض، وجاء بك إلى الدنيا كي تعرفه…  وتعرف منهجه، وتحمل نفسك على طاعته، و..تتقرب إليه بالعمل الصالح، عندئذ تصح حركتك في الحياة الدنيا؛ وحينما تأتي حركتك مطابقة لمنهجك، حينما تأتي حركتك في الحياة مطابقة لسر وجودك، ولهذا المنهج الذي وضع لك، عندئذ تسعد. فالإنسان يسلم ويسعد إذا عرف سر وجوده وغاية وجوده، ثم عرف أبرز شيء في الحياة الدنيا وهو العمل الصالح.

سيماء الحياة الطيبة

… لئلا يتوهم أحدنا أن الحياة الطيبة تعني أن تكون غنيا، لا أبدا، ليست الحياة الطيبة أن تكون غنيا، ولا أن تكون قويا، ولا مانع من أن تكون غنيا، ولا مانع من أن تكون قويا، بل إنك إن رأيت أن طريق الغنى وطريق القوة سالك وفق منهج الله، يجب أن تكون قويا أو غنيا، أو قويا غنيا، لأن فرص العمل الصالح المتاحة أمام القوي الغني ليست متاحة لكل إنسان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : >المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف وفي كل خير<.

إذن الحياة الطيبة أن تتصل بالله، وأن تطيعه، وأن تسعى لمرضاته؛ عندئذ يتفضل الله عليك أيها المؤمن بسعادة سَمّها السكينة، سَمّها الراحة، سَمّها الرضا؛ هذه كلها من صفات الحياة الطيبة التي وعد الله بها المؤمنين. على كل لو أردنا أن ندخل في بعض التفاصيل، الحياة الطيبة سرور، طمأنينة،تفاؤل، ثقة بالله، راحة نفسية، إحساس بالأمن، النظرة الثاقبة، القرار السليم، الموقف الحكيم، السمعة الطيبة… الراحة الأسرية، هذه كلها حياة طيبة مع شيء لا يعرفه إلا من ذاقه وهو الاتصال بالله عز وجل.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي

رأوه لما وليت عنا لغـيرنا

ولو سمعت أذناك حسن خطابـن

خلعت ثياب العجب عنك وجئـتنا

ولو ذقت من طعم المحبة ذرة

عذرت الذي أضحى قتيلا بحـبنا

الحياة الطيبة أن تتصل بأصل الجمال وهو الله جل جلاله، وبأصل الكمال وهو الله جل جلاله، وبأصل النوال وهو الله جل جلاله. أنت مع الأصل، أنت مع المنعم لا مع النعمة. العالم الغربي مع النعمة والمؤمن مع المنعم، خرق النعمة إلى المنعم، ووصل إلى أصل السعادة، وإلى أصل العطاء، وإلى أصل الجمال، وإلى أصل الكمال، لذلك قال تعالى : {من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة} والحياة الطيبة ذاقها من عرفها وعرفها من ذاقها، والإنسان حينما لا يصل إلى الحياة الطيبة يضيع عمره سدى، وقد وصف الله هؤلاء الذين شردوا عنه فقال : {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}(الروم: 7) ويقول بعض العارفين بالله “ماذا يفعل أعدائي بي، بستاني في صدري، إن حبسوني فحبسي خلوة، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، إن قتلوني فقتلي شهادة، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”.

إنها الحياة الطيبة، وثمنها أن تكون مؤمنا، وأن يكون عملك صالحا بشقي صلاح العمل الاستقامة والبذل والتضحية، وإلى لقاء آخر إن شاء الله…

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي (2)

>  أعده للنشر ذ. عبد المجيد بالبصير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *