نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول 1


نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول

د. الشاهد البوشيخي

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله كما حُمد، وكما يُحمد، وكما سيحمد، وكما يجب أن يحمد، وكما حمده المقربون من الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام.

1) النظرة للقرآن من زاوية الهدى هي النظرة الكفيلة بإنهاض الأمة من جديد :

كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه سوية إلى كتاب الله عز وجل من زاوية بعينها، قلما يُهْتم بها، هي زاوية الهدى التي فيها تخصص القرآن.

لا من زاوية أنه بيان عربيٌّ مُعْجز -وهو كذلك- ولا من جهة أن فيه علوماً كثيرة منها أخبار الغابرين في الماضي السحيق أو أخبار من سيأتي بعد -وهو كذلك- ولا من جهة الإعجاز العلمي والتشريعي -وهو كذلك- لا من هذه الزوايا كلها، بل زاوية واحدة هي زاوية الهدى.

كانت أمنية عزيزة أن يأتي يوم ننظر فيه إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية مع إخوة وأخوات مهتمين بهذا الأمر، يقدرونه قدره، ويعرفون حق المعرفة أنه لا سبيل إلى أن تعود هذه الأمة إلى التاريخ من جديد إلا إذا استأنفت سيرها من جديد على أساس كتاب ربها كما فعلت أول مرة، إن الذي حوَّل مجرى التاريخ زمن رسول الله  هو القرآن، أربعون سنة ومحمد  يعيش بين الناس بدون قرآن فما تحوَّل هو ولا تحوّل شيء في التاريخ.

ولكن بمجرد أن بدأ نزول القرآن بدأ تحَوُّل التاريخ، تحوُّلُ الإنسان، تحوُّل الجزيرة، تحوُّل الخريطة على الكرة الأرضية، تحوُّل البشرية جملة في توجهها العام، في موازينها، في فُهُومها، في كل شيء، بدأت ذلك أساسا بالقرآن الذي هو أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على هذه الأمة {اليَوْم أكْملتُ لكُمْ دينكُم وأتْمَمْتُ علَيْكم نعْمتي ورَضِيتُ لكُم الإسلام دينا}(المائدة : 4). لذلك لابد لمن يفكر في أن يصلح نفسه ويصلح  غيره لابد أن يُوَفِّيَ القرآن حقه، لابد أن يعود إليه عودة صادقة. يستخلص منه الميزان ليزن به أشياءَ مِن حوله وليزن به نَفْسَه، وتفكيره وتعبيره وتدْبِيره بل ليزِن به جميع أموره وجميع أمور الناس، فلهذا نزل الكتاب {لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا معَهُم الكتابَ والمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاس بالقِسْط}(الحديد : 24).

أقول كانت أمنيةً عزيزة، أن يأتي هذا اليوم، وكنت أنتظر الرغبة، ورغبتي صادقة وقديمة حيث بدأ الإهتمام بهذا الأمر -تقريبا- منذ أكثر من ثلاثين سنة. ولكن الطلب الصادق أرجو أن يكون قد بدأ اليوم منا جميعا، ولقد سمعت من إخوتي الكرام هذه الرغبة في صحبة القرآن وعِشرتِه تتردد من حين لآخر، بل وسمعت بعْدُ من أخوات كريمات رغْبَةً أصْدَقَ وأشَدَّ في الاستماع لهذا الهدى الرباني.

ما هو هذا الهدى؟

وماذا فيه؟

وفكرت في أشكال من الحديث عن هذا الهدى.

هل يكون درساً جامعاً في مسجد من المساجد يُفْتح فيه كتاب الله تعالى من الفاتحة إلى الناس؟.

لكن متى يتم ذلك؟

إن الأمر طويل إذا صار بهذا الشكل.

لذلك فكرت في أن تكون هذه الأحاديث التي ستبتدئ متسعة المسافة الزمنية -وهي حسب الرغبة- فإن اشتدت الرغبة ضاقت المسافة الزمنية، وإن قلت الرغبة ازدادت اتساعاً أو انقطعت لا قدر الله.

هذا اللقاء سيدور عن موضوع عنونته هكذا : “نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب نزول”. وهذا اللقاء المبارك يُعْتبر مقدّمة للعمل الذي سيَبْدأ في الحصة الموالية إن شاء الله تعالى مبتدئين بأول سورة نزل مطلعها أولا هي سورة العلق.

أما النقط التي يشتمل عليها العنوان فهي التالية :

1- لماذا نظرات؟

2- لماذا في الهدى المنهاجي؟

3- لماذا في القرآن الكريم؟

4- لماذا حسب السور؟

5- لماذا حسب النزول؟

هذه النقط سأفصّل فيها بعْضَ التفصيل ليُعْلم على أي شيء نحنُ مُقدمون.

< لماذا نظرات؟

لأنها لم تهتم بكل الجوانب فهناك جوانب كثيرة في كتاب الله عز وجل ليس لنا الوقت للاهتمام بها، وإنما سنهتم بجانب واحد هو جانب الهدى المنهاجي بالتحديد.

< لماذا الهدى المنهاجي؟

– السبب الأول هو أن القرآن الكريم محْضُ هُدَى، ومعنى هذا أن أهم ما في هذا القرآن هو الهُدَى ، هو أنَّه هُدًى. لم يأت القرآن بكل الجزئيات والتفاصيل لأنها تتعلق بتغير الأزمنة والأمكنة حتى تقوم الساعة ولكن جاء بالمنهاج الذي إذا أدرك وتُمِكن منه، فإن العبد يستطيع أن يهتدي إلى ما ينبغي، إلى ما فيه رضوان الله عز وجل في مختلف المجالات، ما نص عليه فقد نص عليه، وما لم ينص عليه يمكن الاهتداء إليه في إطار ما نص عليه، من كليات تضبط الجزئيات، هناك أمور عامة، مقاصد كبرى، قواعد كبرى، قضايا كبرى، تندرج تحتها تلك الجزئيات الصغرى التي تتغير بتغير الزمان والمكان، لكن المسلم إذا تمكن من تلك الأمور الكبرى سهل عليه أن يحل مشاكله في الأمور الصغرى، وأن يهتدي إلى ما ينبغي أن يهتدي إليه في الأمور الصغرى والأمور المتغيرة.

إذن القرآن هدًى كله، من البداية نجد الفاتحة ليس فيها أي طلب، ما عدا طلبا واحدا هو {اهْدِنَا الصراط المستقيم} طلب الهداية فقط، هذا هو الطلب المستمر والمتكرر منذ التكليف بالصلاة إلى أن نلقى الله إنه الطلب الوحيد الذي نطلب، وليس بعد هذا الطلب إلا الجواب، نطلب من الله الهدى مباشرة فيجيء الجواب {ألم ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدًى للْمُتَّقِين} طلبتم الهدى،  فها هُو القرآن هُدًى للمتَّقِين الذين يٌؤمِنون بالغَيْب ويُقِيمون الصلاة} إلخ. فكل ما جاء بعده هو بيان لهذا الهدى في مختلف المجالات، فهو :

هدى في علاقة العبد بربه.

هدى في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

هدى في علاقة الإنسان بنفسه.

هدى في علاقة الإنسان بأسرته وأبنائه.

هدى في الحياة الإقتصادية.

هدى في الحياة السياسية.

هدى في الحياة الاجتماعية والتربوية، والتعليمية، و الإعلامية… في كل المجالات. هو هدى.

وهدى للمتقين، هؤلاء فعلا هم الذين ينتفعون بهذا الهدى ويستفيدون منه. وهم الذين حصلوا على الإستجابة إلى ما طلبوا في الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم}.

بل هو هدى لجميع الناس، لمن استجاب ولمن لم يستجب {شَهْرُ رَمَضَان الذي أُنْزِل فيه القرآن هُدًى للِناس وبَيّنات من الْهُدَى والْفُرقان}(البقرة : 184) استجاب لها من استجاب وتركها من تركها. لكنه هو هُدًى. هذه حقيقته.

وهُوَ هُو الهدى {قُل إن هُدى الله هو الهُدَى}(البقرة :119) {وقالوا كونوا هُوداً أو نصارى تهْتدُوا قُل بَل ملَّة ابراهيم حنِيفاً}(البقرة : 134).

هذا هو الهُدى لا سواه.

فإذن الإهتمام بالهدى المتعلق بالمنهاج يأتي في الصدارة، لأنه هو الأهم وهو الُمرَادُ، وهو الهدف من إنزال هذا القرآن {قَد جاءَكُم من اللهِ نُورٌ وكتابٌ مُبينٌ يهْدِي به اللَّهُ من اتّبَعَ رضوانه سُبل السلام}(المائدة : 17). لهذا اعْتُبِر هذا الهدى هو الأسَاسَ والأهَمَّ والآكَدَ في مختلف المجالات، هذا الهدى هو الذي يجب أن يطلب.

هذه النقطة الأولى.

< لماذا في الهدى المنهاجي؟

2) شدة حاجة الأمة اليوم إلى استرجاع روح القرآن :

الأمة اليوم بعدت عن هذا الهدى لأسباب كثيرة بعضها تاريخي نتيجة تراكم المشاكل عبر العصور السابقة، وبعضها عصري نتيجة الهجمة الاستعمارية النكراء التي عرفها المسلمون في العصر الحديث ومازالوا يعرفونها، مصيبة عظمى عرفها المسلمون. ومازالوا تحت وطأتها وتتمثل في أن المسلمين أخرجوا جسد الاستعمار من ديارهم ولم يُخْرجوا روحه. فالحركات الوطنية حررت البلاد من أجساد الاستعمار لكن لم يحدث حتى الساعة تحرير أرْواح الأمة إذْ لَنْ يُخْرِجَ الروحَ إلا الروحُ.

فإذا حلت روح القرآن في الأمة من جديد أخرجت سواها. أما إذا لم تحل الروح القرآنية فإن الروحَ النكِدَة ستبقى -لا قدَّر الله- مستقرة متمكنة. فلذلك حاجة الأمة اليوم شديدة لحلول الروح القرآني، ولا يعرف هذا إلا من يعرف القرآن، بالقرآن وحده نعْرف فعلا مدى شساعة الفرق. بين ما ينبغي أن تكون عليه الأمة إذا استجابت للقرآن وبين ما هي عليه الآن.

لهذا، ولهذه الحاجة الشديدة نحتاج إلى هذا الهدى المنهاجي. نظراً لهذا البعد الذي وقع، ونظراً إلى أن نوعين من التأثير عرَفَتْهُما الأمة، تأثيران كبيران أفْسَدَا الرُّؤْيَةَ، وأفْسَدا المنهاج، وأفسدا بعدُ الحياة، فكان ما كان.

التأثير الأول : تأْثِير الغرب القديم فيما يُسَمَّى بالثقافة اليونانية التي بدأ دخولها للعالم الإسلامي منذ بداية القرن الثاني الهجري حيث بدأ إفسادها للرؤية القرآنية في أدمغة المسلمين، وأدمغة عدد من نخبتهم، واستمر ذلك حتى وصل إلى الأصلَيْن: أصولِ الدين، وأصُولِ الفقه. وهما الأساس في علوم الشرع لدى الأمة، ووصل تأثير المنطق اليوناني وتأثير أريسطو وأفلاطون وغيرهما، فلم يعد أخْذُ المسلمين لدينهم من النبع الصافي الخالص، نبْعِ الوحي، بل صاروا يأخذون دينهم مشُوباً مخْلُوطاً من عَدَدٍ من المصادر للأسف الشديد.

فهذا الواقعُ : تأثير الغرب القديم في تاريخ الأمة العلمي ظهرتْ تأثيراتة بأشكال مختلفة، في علم الكلام، وعلم السلوك، وفي مجالات أخرى.

هذا مؤثر خطير ترك بصمَاتٍ خطيرة على عقل الأمة، وفهم الأمة، وعمل الأمة. ومن نتائجه وُصُولُها إلى ما وصَلَتْ إليه في القرن الماضي من هجوم الاستعمار على أغلب شعوب العالم الإسلامي.

المؤثر الثاني : هو هذا الذي جاء مع هذا الهجوم الاستخرابي على الأمة. فهجوم الغرب الحديث على الأمة أصْبحَ حاضراً في مختلف المجالات في الإعلام، في التعليم، في الاجتماع، في التربية، في مختلف العلوم وفي مختلف المجالات ولا خروج لروح الاستعمار إلا باستعادة روح القرآن، فلهذا السبب نحن بحاجة إلى أن نقف عند هذا الهدى المنهاجي في القرآن لنستعيد أرواحنا وأرواح الأمة، خصوصاً وأن الاهتمام به فعلا قليل،. نجد أشكالا من الإهتمام بالجوانب المتعددة للقرآن، ولكن تخصيص الاهتمام بجانب الهدى وإبرازه أكثر من غيره قليل. لذلك كان لابد من إثارته والاهتمام به.

النقطة الثالثة : لماذا القرآن الكريم؟ : هذا الأمر قد يكون واضحا جداً :

أولا : لأن القرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق : ما بقي حقٌّ في الكون إلا في القرآن، وهو مصدق لما بين يديه من الكتب ومهيمن عليها، فإذا أردنا أن نلْتَمِس الحقّ الذي لَيْسَ مِن رأْي فلان أو علان، أو من رأي المجموعة الفلانية، أو رأْي مكتب الدراسات في كذا، أو مرْكز الدراسات الاستراتيجية.. فإننا نجد هذا الحق في القرآن بدون نقاش. جهة واحدة معينة تنطق بالحق، هي جهة الله جل جلاله، هو الذي خلق وهو الذي أحاط بكل شيء علماً {قُل أنزلَهُ الذي يعْلَمُ السِّرَّ في السموات والأرض}(الفرقان : 6) هل هناك أحدٌ يشارك الله في هذا؟ لا أحد : فالذي أنزل الكتاب هو الخالق لكل شيء وهو المدبر لكل شيء، هو الله جل جلاله، فالقرآن هو الوحي الخالص، وهو الحق المطلق. أما السنة فهي تبيان له، {وأنْزَلْنا إليك الذّكر لتُبيّن للناس ما نزِّل إليهم}(النحل : 44) فالقرآن أولاً والسنة ثانياً ولا عكس.

ثانيا : أن القرآن هو مصدر جميع الكليات في جميع المجالات : إن القواعد الكبرى الضخمة التي تضبط السير في جميع مجالات الحياة، توجد في القرآن، توجد على شكل كليات تندرج عنها جزئيات لا تحصى، مثل {ولا تاكُلُوا أمْوَالَكُمْ بيْنَكُم بالبَاطِل}(البقرة : 187) أشكالُ الباطل كلها منهيٌّ عنها.

أمثال هذا كثير في كتاب الله فلذلك كان هو المصدر  الذي ينبغي أن نعود إليه إذا أردنا أن نحصل على كليات الهدى المنهاجي. لابد من الرجوع إلى كتاب الله، لا إلى كتاب فلان، أو علان، أو المجموعة الفلانية…

لا يسْتَطِيع أن يمدنا لا الغَرْب  الغربِيُّ ولاالغرب الشرقي بشيء من الهدى الذي نحتاج إليه، ولذلك لابد من العودة إلى المصدر الأساس الذي هو القرآن.

المصيبة التي نحن فيها الآن أننا لا نشعر بالمسؤولية عن انحراف أوربا وعن ضياع الغرب، لأننا لم نَعُدْ نمثل الحق لنكون حجة عليه، ونصبح أعِزَّاء، بل واقعنا صار حاجزا بينه وبين الحق، يريد أن يَرَى الحق فيجدنا في الطريق، نمنع الناس عن الحق بحكم واقعنا الذي يتبرأ من الحق، لأن الأصل أننا شهداء على الناس ولكن الشهادة لها الأهلية، والأهلية تقتضي الصلاح أولاً، قبل أن تقتَضِي الإصلاح وهذا شيء غير موجود من الناحية العملية.

ثالثا : الأمة منصرفة عن تلَمُّس الهدى في القرآن : الهدى يُتَلَمَّسَ الآن في الدراسات والبحوث بصفة عامة فَلَوْ قُمْما بعملية احصائية للنظر كم تساوي نسبة الدراسات المتعلقة بالقرآن في علاقتها بمختلف البحوث في مختلف العلوم، لوَجَدْناها لا تكاد تمثل شيئا فضلا عن قيمة ما يُنْجَزُ. فهذه قضية.

النقطة الرابعة : لماذا حسب السور؟

لا يمكن أن ننسى أن الله عز وجل عندما تحدى الناس بالقرآن جملة، وتحداهم بعشر سو ر، ثم تحداهم بسورة، وهنا وقف. ولم يتحَدَّاهُم بآية، فإذن القرآن مبين بالشكل التالي.

من حيث وحداته الكبرى. أولا هو كتاب، هذه وحدة كبرى {ألم ذلك الكتاب}.

هذا الكتاب مكون من وحدات أصغر منه لها شخصياتها المستقلة هي التي تسمى بـ>السور< من أقصر صورة كسورة الكوثر إلى أكبر سورة كسورة البقرة، كل سورة لها شخصيتها المتميزة، هل يعني ذلك أنها منفصلة عن القرآن؟ أبداً. هي في مكانها في علاقتها بسواها منسجمة مع سواها، لا يمكن زحزحتها من موقعها، ولكنها هي في حد ذاتها لَهَا شخصيتها كحال أي واحد منا لا يمكن خلطه بسواه ولكن من المجموع، من تلك القطع المُتنَاثِرة التي تبدو كأنها منفصلة يتكون مجموع منسجم هو “جماعَةٌ ما” أو “جَمْعِيَّة ما” أو “حزّبٌ ما” أو أي شيء آخر.

فالسور فيها سر وذلك السر هو الذي تمّ به التحدّي، والإعجاز، فإذن إذا أردنا أن نفهم آية أو نستنبط هُدًى فإننا نستنبطه في إطار السياق الخاص داخل كل سورة بدون إغفال إطار السياق العام الذي هو كتاب الله عزوجل ولكِنّ السياق القريب مقدَّمٌ على السياق البعيد، فلذلك السُّور مُهِمَّة جدا وهذا ما كنتُ آمل أن يقع به الاهتمام، أن نهتم بالنظر إلى السور، لا إلى الآيات مُفْرَدَة، بل إلى السُّور مجملة، لأن هذه السُّور بمثابة خلقة سويّة كلُّ سورة بمثابة خِلقة سوية لها شخصيتها المستقلة، لها بداية ولها نهاية، ولها وحْدَةٌ عُضويَّة لا تقْبَلُ أن يُقْتَطَع مِنها شيء أو أن يُفْصل  منها أي شيء فلذلك سنسير إن شاء الله عز وجل على هذا النظام، سورة سورة. هذه واحدة.

ثم لأن الله عز وجل اختارها في البناء العام مكونا بارزاً، لهذا الكتاب لكونها ذات خصوصية خاصة، وبها تحدى الله عز وجل المعاندين، ولكونها اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون هي المكونات الأساسية لكتابه، لذلك نحن نَنْسَجِم مع هذا الواقع فنهتم كذلك بالوقوف عند السور.

< النقطة الخامسة : لماذا حسب النزول؟

هذه نقطة أيضا تشبه الحديث عن الهدى المنهاجي، معنى هذا أنها قضية كبيرة ابتدأت من الشعور بأن المسلمين في حاجة إلى قراءة السيرة على أنها منهاج لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وليس لمُجَرَّد التبرك، ولهذا السبب ظهرت دراسات باسم “فقه السيرة”  هذا المصطلح يراد به أساسا النظر الخاص في السيرة النبوية على أساس أنه المنهاج النبوي في إخراج الناس من الظلمات إلى النور في التجربة الأم.

فلماذا ظهر هذا في هذا الظرف؟ وفي العصر الحاضر بالضبط؟ أو لماذا ظهر بعده على استحياء بعْضُ الاهتمام بهذا الجانب التنزيلي في القرآن الكريم؟ ولماذا وصل الاهتمام عند البعض إلى حد إخراج تفسير في هذا الاتجاه، كحال “محمد عزت دروزة”؟ الذي رُبَّما كان أول من أقبل على هذه التجربة؟؟ والآن تبعه ناس رُبّما من آخرهم : “عبد الرحمن حبنكة الميداني” الذي مات ولم يتم تفسيرة رحمه الله.

لماذا ظهر هذا؟ لماذا ظهر هذا النوع من النظر في السيرة؟!  وظهر هذا النوع من النظر للقرآن؟.

لأن الأمة لَمْ تمر بمرحلة تاريخية يمكن أن نقول أن عمارة الإسلام سقطت إلى الأرض على أنها بنْيانٌ عمَلِيٌّ، لا بنيان نَصِّيٌّ.

النّصِّي لم يقعْ له شيْء لأنه محفوظ بحفظ الله {إنا نحن نزّلنا الذّكر وإنا له لحافظون}(الحجر : 9) لكن ما يجلِّي هذا النص في الواقع في صُورة بنيان واحد يشمل الأمة كلها من أقصى الأرض إلى أقصاها لها رأسٌ واحدة، أرضٌ واحدة نظام واحدٌ يحْكُمُها، هذا الشيء لم يبق.

وآخر عهد الناس بما يشبه هذا ما وقع سنة 1924 حين أنهى مصطفى كمال أتاترك مسألة الخلافة الإسلامية رسميا، وقانونيا، وورقيا.. أما من الناحية العملية فكانت مشلولة قبل ذلك. فهذه الخلافة تشبه الأصل. وحين أنهت أوربا هذه الخلافة دخلت الأمة في مرحلة جديدة هي غرس وترسيخ الحواجز في أعماق ضاربة في الأرض تمنع عودة الخلافة، هي هَذِه القيودُ وهذه الحدود التي توضع بأشكال مختلفة في الأرض. لتجعل من بقايا الأمة شيئاً اسمه “منظمة المؤتمر الإسلامي” يضم سبعا وخمسين دولة لكل دولة رايةٌ وحدود وجمارك وجوازات وتأشيرات.. إلى غير ذلك.

هذا من صنع أوربا من صنع الغرب فلهذا أقول : هذا البنيان انهدم وبقيت قطع غيار صالحة >لاتزال طائفة من الأمة< فهذه القطع هي التي تنتظر الرعاية على مقتضى النص المحفوظ. بمعنى أن النص محفوظ، وبعض النماذج البشرية الصالحة لا تزال على وجه الأرض منتشرة في الأمة، و تحاول، لكن البنيان العام سَقَط. سواء وعَتْ الأمة أمْ لَمْ تَعِ، أحَسَّتْ بالحاجة أم لم تحس.

ولسد هذه الحاجة بدأت المحاولة للْعَوْدة من جديد على شكل النموذج الأول، وهذا يحتاج إلى فقه المنهاج الأول. كيف صنع رسول الله  الأمة؟ ماذا صنع لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟! ماذا صنع لإنْتاج المسلم الفرد؟ ماذا صنع لإنتاج الأسرة المسلمة؟ ماذا صنع لإنتاج الأمة المسلمة؟ فلذلك بدأوا يتفَقَّهون في التجربة التاريخية المثلى. >السيرة النبوية< : فسيرة رسول الله  أهم من قصة نوح، وقصة ابراهيم، وقصة موسى، وقصة شعيب، وقصص جميع الأنبياء سواء فَصَّل فيها القرآن أو لمْ يُفَصِّل لأن سيرة محمد  تمثل النموذج الأمثل لإخراج ا لأمة الوارثة والشاهدة.

إذن الظرف التاريخي الذي نجتازه هو الذي يدفعنا دفعا شئنا أم أبينا إلى أن ننظر إلى هذه التجربة الأم، وكيف كانت تلك التجربة الأم؟! وبم صنعت؟!.

فما هي السيرة؟

السيرة ما كان ينز ل من الوحي وكان يتحول إلى واقع، والواقع يؤثر في الواقع، والأمور تسير إلى أن تم تنزُّلُه وتمَّتْ السيرة بتمام تنزُّلِه، وعندما انتهى تنزل الوحي انتهت القصة. هذه هي السِّيرة، فهي عبارة عن ترجمة عملية للوحي المنزل أقساطاً، وعكْسِ ذلك على الأرض سلوكا وضبطا لتصرفات الإنسان.

هل نزل القرآن على الكيفية التي توجد عليها في المصاحف اليوم؟ لا،  أبداً، لم ينزل كذلك نزل بطريقة أخرى، والسنة التي هي صدًى وبيانٌ للكيفية التي نزل بها هي التي نسميها نحن بالسيرة. لو نظرت إلى القرآن وهو يتنزّل بحسب النزول قطعةً قطعة، جُزْءاً جُزْءاً، هذه المرة تنزل آية، وهذه المرة تنزل سورة، كسورة الأنعام دفعة واحدة يُشَيِّعُها سبعون ملكاً..الخ.

هذه الطريقة هي التي مثلت السيرة صَدَاها فإذن سُنَّةٌ مرْبُوطةٌ بالزمان والمكان هي السيرة، ويمكن أن نستخرج من السنة الأخرى التي صُنِّفَتْ حسَبَ أبواب الفقه سيرة مربوطة بالأحوال والكيفيات.

لهذا السبب نحن بحاجة ماسة الآن لأن ننظر هذا النظر ونهتم هذا الإهتمام في عملية الإصلاح.

من يريد أن يُصْلِح ما أفْسَد الناسُ يحْتاج أن ينظر كيف أصْلَح رسُول الله  بوَحْيِ الله، وبِهُدَى الله، كيف أصْلَح ما كان فاسداً في الجزيرة العربية. وكيف أسَّسَ ما أسَّسَ نحن بحاجة إلى ذلك، كما نحتاج أيضا إلى أن نقْترب من تلك الأجواء، لأن القرآن الذي نزل أول مرة اهتم بالقضايا الكلية الكبرى الأساسية التي يتم منها البدء، اهتم بالرؤيا، اهتَمّ بالتصور، اهتم بما يسمى الآن العقيدة، اهتم بالإيمان الذي هو المصطلح القرآني الصحيح، اهتم بالإيمان بجميع أسُسِه وأركانه.

هذه الكليات هي التي تم بها الاهتمام لأن هاته الأمور هي التي ينبغي منها البدء، لا البدء بما كان في نهاية البناء، فرسول الله  حينما قال >بني الإسلام على خمس< ينبغي أن نحس أن الإسلام بناءٌ، فعلا، هو بناء إذا نظرتَ إليه وهُوَ تَامٌّ، وهو بناء إذا نظرت إليه في الزمان، وهو يُبْنى فهو بناء. ولذلك إذا كان ذلك كذلك فلا بد أوّلاً من الأرض، ولابد من حَفْر الأرض ووضْعِ القواعد الكبرى في البدايات، وبعد ذلك وَضْعِ الهيكل العام:

أولا الأمور الكبرى والأساسية تنتهي وبعد ذلك تأتي تلك الأمور التي تعطي الصورة النهائية وتتمُ بها النعمة على الأمة أي الكماليات. البناء أيضاً بصورة طبيعية يتم كذلك، وإذا نظرنا إ لى الوحي سنرى هذا بوضوح في السيرة، وفي القرآن حين تنظر إليه من هذه الزاوية، ترى كذلك ما الذي كان الإهتمام به في البدايات وما الذي جاء الإهتمام به فيما بعد، وما الذي تأخر. لأن الأمر كان يتم بطريقة بناء والبناء تلقائيا يقتضي التقديم والتأخير. هل هذا الكلام يعني أن القرآن الآن لمَّا يتنزل؟! كلا ثم كلا ثم كلا. لكنه ليس مَعْمُولا به في الواقع، ولكي يُعْمَل به في الواقع يحتاج إلى أن يُعمل به بالتدريج.

وإذا كان التدرج في كل شيء سنة ربانية للفهم والتعلم والعمل الميسر، فإن الله عز وجل قال -مشيراً إلى سنة التدرج- {وقُرْآنا فرَقْنَاه لتَقْرَأَهُ على النَّاسِ  على مُكْث ونزّلناه تنزيلا}(الإسراء : 106) هذا واقع الحالة التي كان يتنزل فيها القرآن ليُطبق وهو واقعنا اليوم، ولهذا كان الاختيار للسّير على حسب طريقة النزول، اقتداء بالمرحلة الأولى. لابد أن تعلمه بالتدريج وتعلمه بنظام، كما يقال صغار العلم قبل كباره.

فإذا عدت إلى هذه النقطة لماذا حسب النزول؟! لأن صانع التجربة المثلى الأولى التي نسميها التجربة الأم هو هذا التنزل للقرآن حسب الظرف، وحسب المناسبة، فذلك التقسيط للقرآن هو الذي صنع السيرة، وصنع ما صنع في الجزيرة العربية، وصنع ما صنع للتاريخ، فنحن لابد أن نعرف ذلك، ثم مِن جهة أخرى أنّنا الآن بحاجة إلى أن نعود أفراداً وجماعات، إلى هذا الدين كما يحب الله تعالى غير منفصل عن واقعنا.

ينبغي أن نمارس الإسلام في الواقع الذي نحن فيه، في الظرف الذي نحن فيه، لأن الله أوجدنا في هذا الوقت في الظرف الذي نحن فيه في الوقت الذي نحن منه، فيجب أن نسْتخْلص الهدى المناسب لزماننا هذا انطلاقا من كتاب الله عز وجل، لذلك كان الطريقُ الأنسب لاستنباط المنهج هو النظَر من هذه الزاوية.

لأن كتاب الله عز وجل في الصورة التي تمت بها النعمة هي الصورة التي ينبغي أن يبقى عليها، صورة الإعجاز الكامل وصورة الحفظ التام حتى تقوم الساعة، لكن عمارة الأمة الساقطة تحتاج إلى إعادة البناء على صورة النموذج الأكمل الذي به تمت النعمة، وكمل البناء.

لذلك فالأساس لاستنباط المنهاج هو هذا النظر، ولأنه -كما قلت- به صُنِعَتْ التجربة الأخيرة وأخيراً إعادة البناء يحْتاج إلى القرب من تلك الأجواء، هذا طبيعي لأن العيش مع هذه السور والتي تليها والتي تليها يجعلنا قريبين من تلك الأجواء الأولى التي كان يتم فيها التنزيل ويتم فيها البناء في بدايته ثم بعد ذلك، ثم بعد ذلك، وهذا شيء مهم يعيننا على أنفسنا ويعيننا في السير عموما في عملية الصلاح  والإصلاح جملة وتفصيلا.

هذا النظر إلى كتاب الله عز وجل من هذه الزاوية تقريبي ومعنى تقريبي، إن هذا الترتيب في هذه السور لا يوجد حديث واحد صحيح يدل على أن هذا الترتيب هكذا كان، أهمُّ ما عندنا في الموضوع حديثٌ حسن، وطبعا تعلمون أن العلماء يعملون بالحديث الحسن، لا إشكال في ذلك.

ولكن أن تعلم أن هذه الآية الفلانية أو أوائل السورة الفلانية نزلت في وقت كذا أو في غزوة كذا أو كذا هذا سهل وعندنا فيه الأحاديث الصحيحة، ولكن أن تضبط الأمر من أوله إلى آخره لتعرف كيف كان الترتيب هذا متعذر.

وقد شرحت يوما لماذا لا ينبغي أن يبقى هذا الترتيب، والله عز وجل اختار أن لا يبقى، لأنه لو بقي لفتن الناس، وقالوا : أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسير عليه في زمان كذا، وذلك ليس كذلك، والظرف العالمي ليس جامدا ولا ثابتا يمكن أن يبقى حتى قيام الساعة. أبداً التغيير مستمر فإذن المعالم الكبرى بقيت ليُسْتهْدَى بها لكن التنزيل الدقيق الجزئي التفصيلي هذا متغير ويبقى للاجتهاد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم من خلال السور حسب ترتيب النزول