إدراك المعالي في ترك التعالي


عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : >ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله<(رواه مسلم)

قال النووي رحمه الله تعالى : قوله صلى الله عليه وسلم : >ما نقصت صدقة من مال< معناه : أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية وهذا مدرك بالحس والعادة.

“وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا” معناه : أن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه.

“وما تواضع أحد..” معناه : يثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويُجِل مكانه(1).

فسنة الله في الخلق أن من تواضع بغناه فوصل الفقراء زاد ماله، ومن تواضع بسلطانه وقوته فعفا عمن أساء زاد عزه وناطح السماء، ومن تواضع بجاهه فهو دوما في العلياء. قال ابن المسيب رحمه الله تعالى : يد الله فوق عباده فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضعها رفعه الله، الناس تحت كنفه يعملون أعمالهم فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته.

وعن عياض بن حمار  رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد<(رواه مسلم).

قيل ليوسف بن أسباط رحمه الله تعالى: ما غاية التواضع؟ قال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدا إلا رأيت أنه خير منك.

فإذا امتلأت نفس المسلم بهذا الفهم، ارتفع من   الناس التجبر والخيلاء والبغي.

كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد. يريد التواضع بذلك. وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إن من التواضع أن ترضى الدون من المجلس، وأن تبدأ بالسلام من لقيت.

بل كانوا يرضون بأكثر من ذلك، حيث كان الشريف فيهم يخدم من دونه، قال مجاهد رحمه اللهتعالى : صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني أكثر.

ورحم الله حذيفة المرعشي حيث قال : “من طأطأ لقط رطبا، ومن تعالى لقي عطبا”. وهذا معنى حديث أنس رضي الله عنه قال : “كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الغصباء لا تسبق أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : >حَقٌّ على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه<(رواه البخاري).

قال الخليل رحمه الله تعالى:  القعود من الإبل ما يقعده الراعي لحمل متاعه. والعطباء هي : المقطوعة الأذن أو المشقوقة”.

قال ابن بطال رحمه الله تعالى : فيه الإخبار أن كل شيء يرتفع من الدنيا يحق على الله أن يضعه، وبهذا نطق القرآن. قال تعالى : {قل متاع  الدنيا قليل} وما وصفه أنه قليل فقد وضعه وصغره، وقال تعالى تسلية عن متاع الدنيا : {والآخرة خير لمن اتقى} إرشادا للعباد وتنبيها لهم على طلب الأفضل.

فمن أراد إدراك المقام الأفضل في سلم المعالي فإنه يدركه بالتواضع وترك التعالي.

——————-

1- شرح ابن بطال ج 5 ص 78

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *