كيف يبني الإسلام أسرة صالحة؟


 مــدخـــل:

يمكن اعتبار الأسرة الصالحة، اللبنة البسيطة الأولى في البنيان الاجتماعي الإسلامي. وهي بهذا الموقع تملك دورا من الأهمية بمكان في تحديد التماسك الاجتماعي وقدرة المجتمع ككل على تحقيق أغراض ومقاصد الرسالة الإسلامية.

وإذا أردنا تسليط الأضواء على عناصر القوة في المجتمع المسلم فإن الأسرة المسلمة تتصدر قائمة تلك العناصر إضافة إلى المسجد والفعاليات الجماعية والمؤسسات الدائمة في الوجود الاجتماعي للمسلمين..

ونستطيع تلمس موقع الأسرة بدقة من خلال التعرف على حجم التفاصيل الشرعية والفقهية التي توفرت عبر السنين في كتب ودراسات الشريعة والتي تتعلق بالأسرة، وتبحث مختلف أبعادها، وبدءا من طريقة تكوينها وتفاصيل رعايتها وتوفير مقومات الدوام فيها، وانتهاء بالشروط الصعبة التي فرضها الإسلام على من يريد تفكيك عُرى هذه المؤسسة الربانية المقدسة..

ولكي نقترب من فهم ما نتصوره أسرة صالحة، ينبغي لنا أن ندع جانبا التصور الشائع والمبتذل الذي يأتي ذكره في المجالس أحيانا أو نرى مصادر الثقافة الاعتيادية أو الأفلام الرخيصة تردد: امرأة جميلة في مقتبل العمر، ورجل وسيم صحيح الجسم، وكمية كبيرة من المال وبيت واسع وسيارة فارهة وعدد من الخدم والحشم.. كل ذلك الركام يترك انطباعات خاطئة في أذهان عامة المسلمين وخاصة الشباب المقبلين على الزواج، بأن السعادة والصلاح في الأسرة لا يتحققان دون توفر هذه المقومات الأولية!..

فبدلا من ذلك التصور نضع في ذهننا المقدمة الأساسية التي تؤكد على أن”الأسرة الصالحة” وحدة للحياة الاجتماعية لمجتمع الإسلام، تستمد تصوراتها وغاياتها من منبع الغايات والتصورات الإسلامية وهو الكتاب الكريم والسنة المطهرة، وإن رسالة الإسلام في الحياة الفردية والاجتماعية ذات مغزى واحد، وهو تحقيق عبادة الإله الواحد الأحد، في مختلف فعاليات تلك الحياة وعلى مختلف الأصعدة..

ومن هنا فإننا هنا نبحث في بناء الأسرة الصالحة ضمن هذا التصور ووفق تلك المقدمات وانطلاقا من هذه المرجعية..

1- في الأسرة الصالحة تتخلق المودة والسكينة :

نتصور أن الأسرة الصالحة هي جو وظرف زماني- مكاني يشترك رجل وامرأة في بنائه لكي يتم ضمنه تحقيق عبادة الله تعالى وتطبيق أحكامه في مختلف أوجه ونشاطات الحياة. ولكي يكون لذلك التركيب البسيط دوره الجماعي- الاجتماعي أنيطت به مسؤولية الإنجاب وتكثير أفراد المجتمع ورعاية الفرد الجديد في سني حياته الأولية كي يكون دَمًا جديدا يسري في عروق المجتمع القائم، يضخ خطوة إلى الأمام بما يمتلكه الفرد الجديد من فاعلية ونشاط وفتوة..

فليست الأسرة إذن وفق هذا المنظور بيتا وثيرا أو فراشا دافئا أو مائدة عامرة. نعم! قد تكون هذه متيسرة ومتوفرة ولكنها ليست مقدمة لازمة لنجاح الرجل والمرأة في تحقيق غاية اجتماعهما أو تعاقدهما على العيش سوية. فإذا أمعنا النظر أكثر وجدنا أن من وظائف الأسرة الأساسية تحقيق المودة والرحمة كشعور وحالة يريد البارئ عز وجل أن يتوفر على الصعيد الفردي في حياة كل أفراد المجتمع، كبارا وصغارا، {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}(الروم : 21)، لذلك خُلق الرجل والمرأة، كل بمواصفات مختلفة وجعل بينهما من عرى التقارب الفطرية المغروزة في كيان كل منهما ما يجعل من مشاعر السكينة والمودة ثمارا طبيعية للمشاركة والمعيشة السوية، وظرفا تربويا هاما يصلح لاحتضان النشء وممارسة العملية التربوية على الوجه الصحيح والسليم..

ولقد أراد البارئ عز وجل لعش السعادة الزوجية هذا أن يحظى بجو قدسي سماوي ليكون حقا مرتعا للخيرات ومنبعا لأفضل الأعمال والأخلاق، وتخريج الأمناء الأقوياء، ففرض على الرجل والمرأة شروطا ينبغي أن يأخذا بها، وأخرى تركهما حُرَّين في عملها وتركها ولكنه رغّبهما فيها وجعل له أجرا إضافيا وقيمة أرقى وأرفع.

فمما فرض عليهما قبل الزواج أن يتجاوزا عمرا معينا افترض أن ما قبله لا يؤهلهما لهذه المسؤولية الكبيرة. ومنع كذلك تزويج المجنون، وصاحب العاهة المستديمة التي تمنعه من تأدية دوره وإنشاء الأسرة التي تكون وسطا يشجع على الخيرات ومرتعا للصالحات ولبنة صالحة لبناء مجتمع يتمتع بمناعة قوية أصيلة..

2- الأمور الوراثية :

لم تكتف الشريعة بتلك الأوليات ولكنها عيّنت مواصفات للزوجة الصالحة كان بعضها متعلقاً بكرم وطيب الأصل والعائلة لحكمة يعلمها الله تعالى تتعلق بتأثير الوراثة على بعض الصفات النفسية والخلقية وحتى الجسمية، فحاول التقليل من دور هذا العامل الذي يمكن السيطرة عليه فيما بعد وذلك باجتناب بعض الزيجات التي تضخم دوره وتعطيه أثرا أكبر، فحادّ الغضب أو صاحب المرض الوراثي المُعَيَّن مثلا سيكون حظه أكبر إذا بحث عن شريكة لحياته لا تعرف أسرتها حدة الغضب أو ذلك المرض المعين. وليس المقصود بكرم الأصل أن النساء من العوائل المعروفة أقدر من غيرهن على توطيد أركان أسرة سعيدة، فربما يكون الأمر بالعكس، ولكن كرم المنبت يعني أن تكون الأجواء التي عاش فيهما الزوجان (وليس المرأة فحسب) أجواء خالية من المتاعب أو الابتعاد عن الدين وروح التدين، ولم تتخلل فترة طفولة الفتى أو الفتاة ظروف عائلية مؤثرة على تكوينهما النفسي كأن يكون أحد أفراد الأسرة معروفا بالإجرام أو الخلق الفظ والخشونة..أو غيرها

3- التدين قبل الزواج أم بعده؟ :

ويجرنا هذا إلى بحث مسألة طالما ذُكرت عندما يأتي الحديث عن الزواج والأسرة، وهي اشتراط التدين في طرفيها قبل الزواج وجعله مقدمة لبناء أسرة صالحة. وقد حث الإسلام على قيمة هذا النوع من البداية في طريق بناء الأسرة الصالحة، ولكن ظروف المجتمع العربي والإسلامي اليوم تجعل تحقيق هذا الشرط قبل الزواج طموحا أكثر منه بداية، وهدفا أكثر منه منطلقا. ولا بد من الاعتراف أنه بالرغم من أن نتيجة مثل تلك الزيجات غير مضمونة تماما إلا أنها من الوسائل الناجحة لتوسيع دائرة الدعوة إلى تطبيق الإسلام وتحسين التدين، فكم من زوج نجح في التأثير على زوجته ضمن ظروف ((العائلة)) التي يتم تكوينها، وكم من رجل لم يمتلك إلا التنازل عن معاصيه والالتزام بمتطلبات الشريعة عندما وجد كيف يؤثر الإسلام على الإنسان متمثلا بزوجته وأخلاقها العالية وذوقها الديني السامي..

ويحاول بعض المتأثرين بالغرب، من الذين استمرأوا مذاق الإباحية والتبذل الشائع فيه، انتقاد أدب وفرض الإسلام في منع الاختلاط قبل الزواج دون عقد شرعي بين الزوج وزوجته. فهؤلاء يفترضون أن مما يضمن قوة الأساس في هذه العائلة، ويسهم في نجاحها ((كأسرة)) هو تعرف الزوجين على بعضهما بالتفصيل قبل الزواج.

لقد أجازت الشريعة لمن يروم الزواج النظر إلى وجه من يريد خطوبتها، وأجاز بعض العلماء حتى النظر دون الحجاب، كما أوجبت على أهلها الكشف عن أي عيب جسمي وعاهة، وأجازت إنهاء الزواج والعقد إذا انكشف مثل ذلك العيب بعد العقد، وافترضت على من يقوم بالتعريف بين الخاطبين توضيح هذه الجوانب بالتفصيل، كل ذلك ضمانا لتأسيس بيت سعيد صالح لا تحوم فيه الشكوك ومشاعر الأذى التي تتبع ظهور مثل تلك المعايب بُعيد الزواج..

أما على صعيد التعرف على عقلية وطريقة تفكير زوج أو زوجة المستقبل فإن السؤال من الأقارب والمعارف كاف لتحقيق حد أدنى من التقييم يعاون على اتخاذ قرار أولي، وبالإمكان أن يلتقي الإثنان بحضور بعض أصدقاء أو أقارب الطرفين لتكوين صورة أقرب وأدق عن بعضهما.

لقد ضمن الإسلام نجاح الزواج بهذا القدر من المعرفة المتبادلة بناء على افتراض أن المقصود من ((الأسرة)) ليس هو المتعة الجسدية أو تحقيق قدر أكبر من التنوع في وجبات الطعام أو لكي تفخر زوجة المستقبل بزوجها الذي له المنصب الفلاني، أو يمتلك الجاه أو الأموال الطائلة، فإن كل هذه الأوصاف لا أثر لها في إيجاد أسرة صالحة افترض الإسلام أن قوامها طاعة الله تعالى والتعاون على تحقيق أكبر قدر منها من خلال الألفة والمودة والرحمة وجو المشاركة الدائم الذي تهيئه عملية الزواج. ولقد بارك رسول الله صلى الله عليه وسلم زيجات الصحابة والتابعين، كما ضرب هو نفسه مثلا أعلى في تحقيق هذا الفرض الأساسي من الزواج والتساهل في أمور المعيشة وغنى أحد طرفي الزواج مقابل فقر الآخر..

4– الأعراس بين الجدية والمرح :

عندما ينعقد الزواج وتكون كل تلك المقدمات التي شرعها الإسلام قد أخذت دورها في تحديد من يتزوج من وكيف.. تبدأ تلك الوحدة الاجتماعية في محاولة تحقيق هدفها مدفوعة بأجواء القدسية التي فرضتها الصيغة الشرعية للزواج، ورغم أن كثيرا من مناسبات الزواج قد فُرضت عليها أجواء من اللهو والتبذير وبعض الأعراف البعيدة عن الدين وذوقه السامي الذي يشجع على نوع معين من التسلية ا لبريئة الحلال، ورغم ذلك التشويه تبقى مناسبات الزواج تعبيرا عن عقد شرعي مقدس ترتبط من خلاله روحان وجسدان برباط ديني وسماوي لتبدأ معا رحلة التكامل والنضج النفسي والعقلي، والتعرف سوية على كثير من تجارب الحياة وما تحمله من تحد وإثارة كأشكال الفشل والنجاح، وألوان الربح والخسارة في الدارسة والتجارة. كذلك توفر أجواء الأسرة الإسلامية فرصة للتذوق المشترك لكثير من التجارب الفريدة في تاريخ الإنسانية، كتجربة ولادة طفل جديد بعد شهور من الحمل المتعب وما يعقب الولادة من متابعة مراحل نمو الوليد الجديد التي تذكر الزوجين بطفولتهما الأولى وتشدهما أكثر إلى والديهما ويزداد إحساسهما بالفضل لهما مقابل ما بذلاه من تربية وعناية حين كانا لا يقدران على أمرهما من شيء..

5- توزيع الأدوار ضمن تصور واحد :

رغم أن الأسرة التي تتبنى القيام بدورها في العملية الاجتماعية التي تجري من حولها، تندفع إلى ذلك من خلال شعورها الملقى على عاتق طرفيها انطلاقا من التوجيه النبوي الشريف: >كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته< إلا أن الاندفاع التلقائي الطبيعي غير المصطنع الذي تفرضه أجواء الأسرة والأطفال والجيران ومختلف متطلبات المعيشة والتربية والمدرسة.. يجعل من تلك المهمة عيشا يوميا يسيرا، ويفتح مختلف المجالات لممارسة أخلاق وآداب الإسلام على مختلف الأصعدة ومختلف الظروف. ففي مثل هذه الأجواء تنتشر أعراف الإسلام دون قصد، وتشيع فروض الدين دون مغالاة أو تكلُف..

وربما كان من أهم أسباب ذلك ما فرضته الشريعة من (التخصص) ضمن نطاق الأسرة، يكون بمثابة توزيع الأدوار، فرب العائلة القيّم عليها هو الرجل وهو المسؤول عن ممارسة التربية الأبوية وإعالة زوجته وأطفاله والقيام بتوفير متطلبات المعيشة الكريمة لهم، بينما فرض على الزوجة تنشئة الجيل الجديد وإعطائه شكل الإسلام وروحه من خلال العناية والتغذية والقرب التي تفرضه علاقة الأمومة الحميمة بالوليد الجديد..إضافة إلى توفير السكن الفطري للزوج والذي جبلت عليه الأنثى مذ خلقها الله تعالى : {خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها}.. وتوزيع الأدوار كان مبنيا على عدة أسس منها وظيفي خلقي، إذ هيأ الله تعالى لفردي الأسرة تنوعا واختلافا في تركيبهما الجسماني والنفساني وهيأ كلا منهما لعمل يختلف عن الآخر ولكنه يتكامل معه لتحقيق غرض الأسرة الأول. ولم يجعل لذلك الاختلاف في التخصص قيمة معنوية أو شرعية مختلفة بل وعد الزوج والزوجة أجرا وتقديرا متساويا ومتوازيا مع مقدار ما يبذله كل منهما في إطار الشريعة من جهد لإسعاد الآخر، وتحقيق تكليف الله تعالى له، فقال عز من قائل: {من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة..}.

ولما كان بناء الأسرة الصالحة لا يعتمد على مقومات قبل الزواج فحسب بل يتطلب إمدادا دائما أثناءه، وكان من أخطر عناصر ذلك الإمداد هو استمرار المشاركة والتفاعل وتبادل الرأي والشورى.. وقد تدخل الرسول صلى الله عليه وسلم مرات عديدة في ما يسميه البعض في الوقت الحاضر ((الحياة الشخصية)) لبعض الصحابة ومنعهم من الاستمرار في إهمال أمر أسرهم بحجة الرغبة في تركيز العبادة مثل الصوم المستمر أو الاعتكاف، وكان حديثه المشهور الذي قال فيه: >..أما أنا، فأصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني..<(الحديث)، فمن لم ترقه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم هذه فليس له الحق في مجتمع المسلمين ولا ينتسب إليهم. لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الممارسات عنصر (التوازن) في التربية والممارسة على ضوء التعاليم الإسلامية في موضعه المناسب وذلك بتوضيح أنه هو المجسد والممثل الحقيقي للدين حين تطبيقه، وأن عمله هذا الذي قد يحسبه المتحمسون للرسالة الجديدة آنذاك تضييعا للجهاد وتركا للفروض المهمة التي يقوم عليها الدين، هو في الحقيقة من أسس إقامة المجتمع المتماسك الذي سيقوم بالجهاد سوية فيما بعد، برجاله ونسائه المتخرجين من أُسر متماسكة وحصينة ومنيعة، فبدون ذلك التماسك والأواصر العميقة بين أفراده سوف لن يستطيع مواجهة تحديات العولمة التي تريد تمييع وتضييع دور هذه المؤسسة الأصيلة في المجتمع بالمؤتمرات_المؤامرات المتوالية والمتنوعة..

وبمستوى تلك الروح وتجسيدا لبعد النظر نفسه جعل الإسلام الكد والكدح في سبيل توفير متطلبات العيش للأسرة بمستوى الجهاد في سبيل الله، وذكرت العديد من الأحاديث أن حق الأبناء يصل إلى حق الدفاع عن وجود المجتمع واستقلاله. ولعلنا لا نستطيع أن نتصور كيف يمكن أن يكون تشريع الإسلام قائما على المساواة بين حقين ومستويين مختلفين من المسؤولية بهذا القدر؟.. ولكي نجيب عن ذلك التساؤل نعود فنذكر أن مؤسسة ((الأسرة الصالحة)) هي وحدة وجود وتماسك المجتمع نفسه وأي تجاوز لها في عملية الرعاية والضمان للحقوق في الوجود الإسلامي، أو تقليل لشأنها ستعود بالعاقبة الوخيمة ليس فقط على فردين في مكان ما من المجتمع وإنما يمتد أثرها إلى كافة مؤسسات وتراكيب المجتمع..

ويمكن بسهولة تصور هذا الأثر إذا نظرنا إلى المجتمعات اللاإسلامية التي حوَّرت دور الأسرة من مؤسسة ووحدة بناء المجتمع إلى ((حياة شخصية خاصة)) لفردين من الأفراد، وبهذا نرى أن تنازل المرأة عن دورها أو بالأحرى إجبار المرأة على التخلي عن هذا الدور، قد أدى إلى نشوء أجيال من المتخلفين نفسيا وعقليا. أما تقليل دور العائلة على صعيد توفير جو من الطهارة والعفة يحيط بعلاقات الجنسين، فقد أدى إلى ولادة آلاف من الأبناء غير الشرعيين الذين لا يجدون من يعتني بهم ويوفر لهم أبسط مستلزمات الاستقرار النفسي أو الأصالة في الوجود في ذلك المجتمع الذي ولدوا فيه، فضلا عن شعورهم بالتيه لا أصل لهم ولا تاريخ يُعَرف عن آبائهم.. ولا ننس العواقب الوخيمة للإباحية الجنسية والأمراض التي تنتقل وتنتشر في تلك الأجواء، ودور الأسرة في التحصين من كل ذلك..

6- آخر الدواء الكي :

ولقد علم الإسلام ومُنزلُه، أن ذلك البناء الشامخ قد يتصدع أحيانا لما جبلت عليه النفس البشرية من ضعف تجاه الأهواء، ولما قد تحمله التربية والظروف المختلفة من آثار بحيث تجعل من اجتماع ذنيك الفردين في أسرة غير ممكن فأجازت الشريعة الطلاق ووضعت أصوله وآدابه، وافترضت أن تحاول الأسرة تلمس شتى السبل قبل اللجوء إلى ذلك الطريق المسدود. وهكذا كان الطلاق{أبغض الحلال عند الله} تعبيرا عن قدسية الأسرة وما يجري في أحشائها من المحافظة على المجتمع ككل. ولهذا أيضا سمح للمطلقين بالعودة عما سلف وأجاز لهما الرجوع إلى حظيرة ذلك التجمع العائلي المقدس..

7- تفاؤل وأمل على الطريق :

ولم تكن الشريعة الإسلامية السمحاء ليسمح لها منزّلها أن تكون خاتمة الشرائع إذا لم تكن بمستوى ملء الحاجات الجسمية والنفسية والجماعية لجميع أفراد المجتمع، وبذلك التصور يصبح بناء الإسلام الاجتماعي قادرا على مواجهة المصاعب التي فشلت الحضارات المادية في مجابهتها.

وما نراه في مجتمعاتنا من تساهل وابتعاد عن تفاصيل الشريعة وأحيانا عن روحها، قائم على الجهل بتلك الحقائق والسير الأعمى وراء آمال عريضة بحياة سعيدة بتوفير مستحضرات ومخترعات لا تغني من اخترعها ولم تحل له مشاكله..

ويبقى أمام المسلمين مواجهة أنفسهم والبحث عن أسباب السعادة والصلاح من خلال دينهم وتراثهم بعيدا عن بهرجة وألوان الزيف الذي تصبغ الحضارة المادية نفسها به، والعمل على بناء أسرهم اعتمادا على مقومات الصلاح التي بينتها لهم كنوز المعرفة الاجتماعية العميقة التي وفرتها لهم مدرسة الإسلام العظيمة ورسالته الإنسانية..

 ذ. محمد بوهو

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *