الإجماع على ضرورة إنشاء “الأكاديمية الملكية للغة العربية”


> تابع أشغال الندوة وأعد التقرير :

د. الطيب الوزاني

نظراً للقيمة الدينية للغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم ولمكانتها التاريخية والحضارية والعلمية، ونظرا لما أصبحت تعانيه من تهميش مقصود أحيانا وغير مقصود أحيانا أخرى بسبب تزايد الهجوم عليها من قبل العاميات المغربية واللغات الأجنبية (الفرنسية خصوصا، والإنجليزية والإسبانية بالتبع) ومن قبل خصوم متعددين يركبون كل موجة تدميرية فنظرا لكل ذلك أصبح الوعي بضرورة تدارك الموقف والدفاع عن جبهة اللغة العربية أمراً ملحا، لما في هدمها من هدم للدين ولأخص مقومات هوية الأمة (اللغة والدين).

وانطلاقا من هذا الوعي بادرت جمعية الدفاع عن اللغة العربية بتنسيق مع جامعة سيدي محمد بن عبد الله وكلية الآداب فاس سايس، إلى تنظيم ندوة  وطنية عن “دور المجتمع المدني في حماية اللغة العربية بالمغرب” شارك فيها ثلة من العلماء والمهتمين والغيورين على واقع اللغة العربية.

وقد تنوعت محاور الندوة لتشمل كثيراً من مكونات وشرائح المجتمع المدني المغربي المعنية بالشأن اللغوي المغربي وخاصة اللغة العربية، من أحزاب وهيآت علمية ومدنية، وإعلاميين وأساتذة جامعيين.

وقد ركزت مداخلات الجلسة الافتتاحية التي حضرها مجموعة من الشخصيات البارزة أمثال الدكتور عباس الجراري، والعلامة عبد الحي عمور ونائب عمدة فاس ورئيس جمعية حماية اللغة العربية ورئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله على أهمية اللغة العربية في تشكيل ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها والدور المنوط بالشعوب في التعريف بهوياتها ومقوماتها والدفاع عنها، وأن اللغة العربية في تاريخ المغرب شكلت مقوما جوهريا يلزم التشبث به وعدم التفريط فيه لأنه تفريط في ثوابت الأمة.

أما جلسات اليوم الثاني وعروضه فقد ركزت على عدة قضايا أهمها :

أولا : الجانب التاريخي :

في هذا الجانب قدم الدكتور عبد الوهاب التازي سعود عرضا عن “اللغة العربية لغة الديبلوماسية المغربية عبر العصور”، بين فيه أن الديبلوماسية المغربية في تاريخها اعتمدت على اللغة العربية في مراسلاتها لملوك أوروبا وباباوات الكنيسة، من قبل حكام مغاربة عربا وأمازيغ، كما بين الأستاذ محمد بلبشير مؤسس شعبة الدراسات الإسلامية في مداخلة عنواها “قضية اللغة العربية في مشروع الحركة الوطنية” حضور اللغة العربية والدفاع عنها في مشاريع رجالات الحركة الوطنية أحزابا وعلماء وزوايا وأعلاماً كما بين دور رواد الحركة الوطنية في مقاومة الظهير البربري، وتتبع جانب الاهتمام باللغة العربية تعليما ونشرا وعناية بين مرحلتي الاستعمار والاستقلال، ولاحظ أنه إذا كانت مرحلة الاستعمار تميزت بروح المقاومة والكفاح والعمل من أجل تثبيت اللغة العربية ومقومات الهوية المغربية فإن مرحلة الاستقلال تميزت بقلة الإنجازات وكثرة الإخفاقات في تحقيق التعريب ومواجهة التغريب الذي لا يزداد إلا قوة مما يعني ضرورة حمل رسالة الحركة الوطنية من جديد، وتتميما للجانب التاريخي للغة العربية في المجتمع المغربي، قدم الدكتور عبد الرحمان بنعمرو دراسة عن الوضع القانوني للغة العربية في تاريخ الدولة المغربية أبرز فيه المفارقة بين المكانة السامية التي منحها المشرع المغربي للغة العربية في الدستور والتشريعات التفصيلية بين الخروقات العملية في الواقع والممارسة، تلك الخروقات التي أفضت إلى الواقع المأساوي للغة العربية حاليا، وأكد أن تاريخ المغرب تميز باستمرار بأنه تاريخ الحفاظ على الهوية اللغوية في علاقاته الدولية، وأن تدهور مقام اللغة العربية راجع إلى ضعف الإرادة السياسية في الدفاع عن هذه اللغة وتفعيل القوانين القاضية بالتعريب إداريا وتعليميا وقضائيا، وعلى مستوى البرلمان.

كما استعرض مشاريع التعريب في مرحلة ما بعد الاستقلال لدى الأحزاب وازدياد تراجعها.

وتتميما للحديث عن مسألة حضور “اللغة العربية في برامج الأحزاب السياسية” وتوسيعا له، تناول الأستاذ عمرو لمزرع من كلية الحقوق بفاس هذا الموضوع في شقين بين في الأول طبيعة العمل الحزبي وازدواجية اللغة مستعرضا وظائف الأحزاب في الممارسة السياسية داخل أي مجتمع، ومركزاً أيضا على مفهوم البرنامج السياسي للحزب وأنه بمثابة عقد وعهد وميثاق بين الحزب  والمواطنين، ويمثل أداة تواصل وإقناع، وأداة تقويم وتصحيح لعمل الحزب كما يشكل البرنامج خطة دقيقة لتنظيم المجتمع وتأطيره أخلاقيا وسياسيا وتأهيل المواطنين للانخراط في بناء المجتمع.

غير أن الشق الثاني بين فيه المفارقة بين الوظائف النظرية للأحزاب وبين واقع الممارسة الحزبية، ليدلف إلى تناول حضور المسألة اللغوية في عمل الأحزاب المغربية ليؤكد أن هذه الأحزاب لم تقم بما يكفي للضغط على الحكومة من أجل تفعيل قوانين التعريب والحفاظ على الهوية المغربية وذلك راجع إلى ضعف حضور ملف اللغة العربية في برامج الأحزاب السياسية، وهو حضور يزداد ضعفا بين مرحلة بداية الاستقلال إلى اليوم، بدليل ازدياد خطر الفرنكوفونية والعاميات على اللغة العربية مما يستدعي مراجعة شاملة واستنهاض الهمم لتحمل المسؤولية الجماعية في حماية اللغة العربية وحماية الهوية والتراث، ومادام الحزب من أهم المؤسسات السياسية والمدنية، فيتحتم تصحيح وضعية تعامل المشهد الحزبي مع المسألة اللغوية ومقومات الأمة.

ثانيا : دور مؤسسات المجتمع المدني :

كان من أهم أهداف ومقاصد الندوة إبراز دور مؤسسات المجتمع المدني في حماية اللغة العربية، وهكذا تناول بعض المشاركين هذا الجانب، فأبرز الدكتور مصطفى بنحمزة عضو المجلس العلمي الأعلى، والمجلس العلمي المحلي لمدينة وجدة دور العلماء في حماية اللغة العربية قديما وحديثا مبينا أن هذا الدور يدخل في صميم مهامهم العلمية في نشر الدين وفهمه، ومظاهر خدمة العلماء للغة العربية واسعة ومتعددة سواء في مجال تقعيد قواعدها الصرفية والمعجمية والبلاغية، أو في مجال تعميمها وتدريسها ونشرها، وفي هذا المجال بين تهافت الدعاوى المغرضة لفصل اللغة العربية عن الدين الإسلامي، أو دعاوى استبدالها والاستغناء عنها، أو دعاوى ربط العربية بالبعد القومي، ودعاوى تناقضها مع العاميات، مشيرا إلى أن اللغة العربية لغة توحيد جامعة للأمة، ولغة دينية لا أثر فيها للقومية والعرقية، ولا يصح استبدالها لما في ذلك من مقدمات ممهدات للقضاء على أهم مقو مات الأمة التي هي اللغة والدين.

وفي نفس السياق سارت مداخلة العلامة عبد الحي عمور رئيس المجلس العلمي المحلي بفاس، مركزا على علاقة اللغة العربية بالهوية مبينا أن هوية أي أمة هي مجموعة ثوابت وحقائق وأصول لا تتغير وتفصح عن ماهية الأمة كما تفصح البصمة عن ماهية الفرد، كما أن الهوية عبارة عن التراث المشترك والثابت للأمة، يميزها عن غيرها ويساعدها على الحفاظ على مقوماتها من الذوبان والانصهار في  غيرها من الأمم، واللغة هي أحد المقومات الجوهرية لهوية أي أمة، لأن اللغة هي الوعاء الذي تخزن فيه الأمة معتقداتها وثقافتها وتنغرز في وجدان الأفراد وتشكل بعد ذلك صلة وصل وتواصل بين المجتمع وأفراده، وبين الأفراد وتاريخهم، لذلك فإن التفريط في لغة الأمة تفريط في هويتها وأحد أهم مقوماتها الجوهرية ومن هذه المنطلقات اعتبر الدكتور عبد الحي عمور أن اللغة العربية مكون رئيس وجوهري للأمة الاسلامية لأنها لغة الوحي والتعبد، وبها دُوِّنَ التراث وعلوم فَهْمِ هذا الوحي وصارت بذلك من لوازم الهوية والتراث الإسلاميين وليس هذا فحسب بل إن اللغة العربية شرط في فهم الدين ومقاصده ولا يصح تجاوز اللغة العربية لأنها لغة الشارع الحكيم، كما بين أن قوة اللغة العربية ارتبطت بقوة الأمة الإسلامية، طردا وعكسا، واستعرض في المقابل حملات التشويه والكراهية والعداء من قبل الحداثيين خصوم هذه اللغة و الدين من دعوات لنزع القداسة عن الدين واللغة إلى دعوات عامية مغرضة إلى دعوات فرنكوفونية بدعوى التحديث والمعاصرة والعلمية… وخلص إلى القول بأن الاختلاف والتعدد اللغوي الذي صار المغرب المعاصر يشهده لا ينبغي أن يستغل وسيلة للتمزيق والتفتيت والطائفية بل ينبغي أن يستثمر كعامل قوة وتوحد، واللغة العربية عامل توحيد وجمع، وأن على أبناء الأمة ومسؤوليها الوعي بخطورة المنعطف التي أصبحت تمر به الأمة لغة ودينا وضرورة التدخل من أجل حماية هوية الأمة وأكد أن عماية اللغة العربية مسؤولية جميع أبناء هذه الأمة ومسؤوليها.

ومن جانب آخر بين الأستاذ أحمد الموساوي “دور مؤسسات المجتمع المدني في التمكين للغة العربية بالمغرب” مبرزا التحديات التي تواجهها هذه اللغة، من استعمار وآثاره (الفرنسية/الإسبانية/ الإنجليزية) إلى تحدي العامية وازدياد انتشارها في الإعلام، إلى توسع الجهل وضعف تعميم تعليم اللغة العربية ودعمه، لافتا الانتباه إلى ضرورة تدارك الموقف وتحمل المسؤولية من قبل كافة مؤسسات المجتمع المدني وضرورة التنسيق مع كافة المعنيين بالشأن اللغوي المغربي، وفتح قنوات الحوار.

وفي إطار إبراز دور مؤسسات المجتمع المدني تناول الدكتور محمد عبد الوهاب العَلاّلي “دور الإعلام في دعم اللغة العربية” مؤكدا منذ البداية على دور الإعلام الخطير من الهدم أو البناء، وأن الإعلام العربي عامة والمغربي خاصة يتسم بغلبة الخطاب اللغوي العامي والأجنبي وغياب استراتيجية لغوية لدعم اللغة العربية وحمايتها، كما أكد أن قوة اللغة مرتبطة بقوة السلطة التي تحميها وبقوة إيمان مستعمليها، وقوة تشبثهم بها، مستدلا على الحالة المغربية التي عانت فيها اللغة المغربية من تراجع دعم الدولة وتخلي أبنائها عن الحفاظ عليها والتشبت بها، وأن السبيل الحقيقي لدعم اللغة ينطلق من الدولة والإعلام وجميع مؤسسات المجتمع المدني من قضاء وإدارة وتعليم.

ومن هذه النقطة الأخيرة انطلقت مداخلة الأستاذ عبد الواحد بن صبيح ليتناول مسألة حضور “اللغة العربية في المنظومة التعليمية” سالكا منهجا تاريخيا توثيقيا ابتدأه بعرض حضور اللغة العربية في مقررات التعليم المغربي منذ بداية الاستقلال إلى اليوم ليخلص إلى تراجع المطالبة بالتعريب وتعميم العربية لدى الدولة والأحزاب، في مقابل تزايد حجم حضور اللغات الأجنبية، وتوقف مسلسل التعريب في الجامعات المغربية، وتراجع حصص اللغة العربية في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، وهذا ما دفعه إلى دق ناقوس الخطر معتبراً أن الأمن القومي لأي بلد رهين بتحقيق الأمن اللغوي، وأن اضطراب  الأمن اللغوي موذن باضطراب الأمن القومي، لذلك يحتاج الأمر إلى تدخل عاجل لتقويم الموقف وتصحيح المسار المنحدر والعودة بالأمة ومكوناتها إلى إعادة الاعتبار للغة العربية.

كما تناول الدكتور علي لغزيوي محافظ خزانة القرويين سابقا وعضو المجلس العلمي المحلي لصفرو تشخيصا لواقع اللغة العربية وتحديداً لمجمل العوائق والمفارقات وسبل تجاوزها في سبيل دعم اللغة العربية وتقوية وجودها مؤكداً على دور المجتمع المدني المغربي في الاعتزاز باللغة ودعمها.

وختاما فإن الندوة استطاعت أن تجمع مؤسسات المجتمع المدني بتنوع أطيافها على موقف موحد من اللغة العربية لتدق ناقوس الخطر وتنبه على خطورة التمادي في إهمال اللغة العربية والسكوت عن جريمة إبعادها وإقصائها وجريمة الخدش في هوية الأمة لهذا جاءت توصيات الندوة متضمنة لمقترحات دعم العربية وحمايتها سواء بتفعيل القوانين القاضية بترسيم اللغة العربية أو تعريب الإدارة والتعليم أو مواصلة دعم اللغة العربية في التعليم والإعلام وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والسياسي (جمعيات/أحزاب/ برلمان..) وأهم ما أسفرت عنه التوصيات هو الإجماع على ضرورة تأسيس “أكاديمية ملكية للغة العربية” تعنى بشأن اللغة العربية تشريعا وإعلاما وتعليما وتوسيعا.

فإلى أي حد يمكن للمجتمع المدني أن يحمي لغته من غير تفاعل القرار السياسي، والاجتماعي؟ وإلى متى تظل حماية اللغة العربية قاصرة على الندوات ومطالب بعض الجمعيات؟ ألم يحن الوقت بعد للانتقال إلى العمل والتنفيذ؟

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *