سعادة الـمؤمن في حفظ حدود ربه وحسن التعلق به


عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال : كنت خلف رسول الله  يوما فقال : >يا  غلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعون بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف<(أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).

مــدخـــل :

هذا الحديث من الأحاديث النبوية الشريفة التي تبين بجلاء ووضوح أن رسول الله  كان حريصا كل الحرص على تعليم أصحابه وأتباعه، وتربيتهم، وتوجيههم، سواء كانوا جماعات أو أفراداً، وسواء كانوا في الحل أو الترحال، وسواء كانوا كباراً أو صغاراً، وسواء كانوا ذكوراً أو إناثاً.

شــرح الـمـفـردات :

– غلام : الشخص إذا طَرّ شاربه، أي : طلع شعر شاربه ونبت، وهو كناية على فُتُوّته وشبابه.

– احفظ : من حفِظ الشيء يحفَظُه، أي : صانه ورعاه وراقبه.

– تجاهك : أمامك.

– سألت : طلبت.

– استعنت : طلبت المساعدة والعون.

– كتب الله لك الأمر أو عليك : قضى به وقدره، وحكم به وفرضه.

الـمـعنـى الإجمــالي :

هذا الحديث له أثره الكبير في تربية الناشئة على صحة الاعتقاد وتمام الإيمان وكمال اليقين، وذلك من خلال تثبيت مجموعة من المبادئ والقيم في العقول وترسيخها في القلوب حيث يتضمن وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال عنه بعض العلماء، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه!

المعاني الجزئية :

1- قوله  : >احفظ الله يحفظك< ومعناه أن من يحفظ الله فإنه يحفظه ويصونه ويحميه ويعتني به ويرعاه، لأن الجزاء من جنس العمل مصداقا لقوله تعالى : {وأحسن كما أحسن الله إليك}(القصص : 77) وقوله عز وجل : {هل جزاء الإحسان  إلا الإحسان}(الرحمان : 60).

وأن تحفظ الله معناه : أن تلزم حدوده وتطبق شرعه وتأتي أوامره وتجتنب نواهيه، فإذا حفِظت الله بذلك فإنه سبحانه وتعالى يحفظك في دينك ونفسك، ومالك وأهلك، وفي كل ما تملك، لأن الله عز وجلّ يجزي المحسنين بإحسانهم.

2- >احفظ الله تجده تجاهك< ومعناه : احفظ الله تجده أمامك يدلك على كل خير ويقربك إلى كل بِرٍّ ويهديك إلى كل صلاح، ويوفقك إلى كل فلاح، فهو حسبك، وهو وليك، وهو عونك، وهو نصيرك، وهو وكيلك، وهو رقيبك، وهو الذي يفتح لك الدروب ويفرج عنك الكروب، وييسر لك الصعاب،  مصداقا لقوله تعالى : {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب}(الطلاق : 3).

3- >إذا سألت فاسأل الله<، فلا تسأل غيره من المخلوقات، لإنه سبحانه هو الذي يخلق ويرزق، وهو الذي يوجد ويُمِدّ، وهو الذي يهب ويعطي بلا حساب، لامانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وإذا قُدِّر للإنسان أن يسأل مخلوقا ما يَقْدِرُ عليه، فليعلم أن هذا المخلوق ما هو إلا سبب من الأسباب، وأن المسبب هو الله عز وجل، وأن الاعتماد لا يكون إلا على الله.

4- >وإذا استعنت فاستعن بالله< ومعناه : إذا كنت في حاجة إلى من يعينك فلا تطلب العون من أحد إلا من الله، لأنه سبحانه هو القادر على ذلك مصداقا لقوله تعالى : {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون}(الزمر : 38) وقوله تعالى : {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}(الطلاق : 3) وقوله تعالى : {وتوكل على الحي الذي لا يموت}(الفرقان : 58) وقوله تعالى : {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا}الأحزاب : 3).

5- >واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك<. ومعناه أن المؤمن بالله عز وجل هو الذي يعلق رجاءه بالله ويعلم علم اليقين أن كل شيء هو من  عند الله، وأن الله تعالى هو الذي يكتب الأشياء ويقدرها ويهييء لها أسبابها ويحدد لها أوقاتها.

وأن الخلق إذا نفعك بشيء فذلك بتقدير من الله وبعلمه ومشيئته وبإذنه، وهو الذي قضى بذلك وفرضه وحكم به، وكذلك الأمر إذا لحقك ضرر من أحد فذلك بعلم الله ومشيئته قال تعالى : {وإن يَمْسَسْك الله بضُرٍّ فلا كاشف له إلا هو، وإن يُردك بخير فلاَ راد لفضله}(يونس : 107)، وقال تعالى : {ما يَفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يُمْسك فلا مرسل له من بعده}(فاطر : 2)، وقال تعالى : {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير}(الحديد : 22)، وقال تعالى : {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}(التوبة : 51).

مستفادات :

1- خرّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال : >لم يكن رسول الله  يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح : اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدَيّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتى<. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي  أنه أمره أن يقول عند منامه : >إن قبضت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين<.

2- الحافظون لحدود الله والواقفون عند أوامره بالامتثال وعند نواهيه بالاجتناب هم الذين مدحهم الله تعالى في قوله : {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ، من خشي الرحمان بالغيب وجاء بقلب منيب}(ق : 32- 33).

3- من أعظم ما ينبغي حفظه من أوامر الله ونواهيه :

> الصلاة : قال تعالى : {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}(البقرة : 238)، وقال تعالى : {والذين هم على صلاتهم يحافظون}(المعارج :34)، وقال  :>من حافظ عليها كان له عند الله عهد أن يُدخله الجنة<، وقال  : >من حافظ عليهن كن له نوراً وبرهانا ونجاة يوم القيامة<.

> الطهارة : لأنها مفتاح الصلاة، قال  : >لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن<.

> الأيْمان : {واحفظوا أيمانكم<(المائدة : 89).

> الجوارح : قال تعالى : {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}(الإسراء : 36)، وقال  : >من حفظ لحيَيْه، وما بين رجليه دخل الجنة<، وقال تعالى : {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم}(النور : 30).

4- من حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعفه وعجزه، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله، قال أحد العلماء “هذه جوارح حفظناها من المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر”.

5- الحافظون لحدود الله يجدون الله معهم في كل أحوالهم، يؤنسهم ويحُوطهم وينصرهم ويحفظهم ويوفقهم ويسددهم، قال تعالى : {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}(النحل : 128)، وقال تعالى : {الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}(البقرة : 257)، وقال تعالى : {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى}(الليل : 6).

6- حفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان : أحدهما حفظه له في مصالح دنياه، كحِفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال تعالى : {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}(الرعد : 11).

وثانيهما : حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضِلة، ومن الشهوات المحرّمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان.

7- من حفظ اللهَ حفظه اللهُ من كل أذى، قال بعض السلف : “من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه”، وقال أحد الصالحين : على قدر خشيتك من الخالق يخشاك الخلق”.

8- من ضيع اللهَ ضيعه اللهُ، فضاع بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وأقاربه وغيرهم، قال بعض السلف : إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلق خادمي ودابّتي، قال تعالى : {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون}(الحشر : 19).

9- الذين لا يحفظون الله تعالى لا ينتظرون أن يحفظهم الله، لأنهم لا يستحقون ذلك.

الذين لا يراعون الله في تجارتهم لا يحفظهم الله في أموالهم والذين لا يحفظون حقوق الناس لا يحفظهم الله في حقوقهم والذين لا يحفظون أعراض الناس لا يحفظهم الله في أعراضهم والذين لا يحفظون الناس في أبنائهم لا يحفظهم الله في أبنائهم والذين لا يحفظون الناس في أبدانهم وأجسامهم ولا يعيرون اهتماما لصحتهم وسلامتهم لا يحفظهم الله في ذلك.

10- بمناسبة قوله  : >إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله<. ذكر ابن رجب رحمه الله : “هذا منتزع من قوله تعالى : {إياك نعبد وإياك نستعين}. فإن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إليه.. فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل ولا يسأل غيره، وأن يُستعان بالله دون غيره. فأما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال : {واسألوا الله من فضله}(النساء : 32).

11- أن تسأل الله عز وجلّ دون خلقه هو المتعَيّن والواجب، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة و الحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على نيل المطلوب، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة.

كان الإمام أحمد يدعو ويقول : الله كما صُنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك.

12- إن المؤمن ينبغي عليه أن يرضى بقضاء الله وقدره ويمتثل لحكمه، فهو سبحانه هو الذي يقضي ولا يُقضى عليه، وكل ذلك لأجل الابتلاء، والاختبار، ومعرفة درجة اليقين في الله.

والمؤمن الصادق هو الذي يقابل العطاء والنفع والخير بالشكر، ويقابل الضرر والشر والأذى والسوء بالصبر.

13- لا ينبغي للإنسان أن  يركن إلى الأرض ويبقى مكتوف الأيدي جامداً لا يتحرك لأجل أن يجلب لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً، معتقداً أن ما كُتب له أو عليه سيلحقه فلا داعي لأن يفعل سيئا، وإنما على المؤمن أن يتحرك ويجد  ويجتهد، ويسعى ويأخذ بالأسباب المادية التي بها يجلب النفع والخير لنفسه ولغيره، أو يدفع الضرر عن نفسه وعن غيره، ثم يفوض نتائج أعماله إلى الله عز وجل، وهذا هو المفهوم الحقيقي للتوكل على الله والاستعانة بالله، قال  >اعقلها وتوكل<.

> من كتاب : جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي وكتاب : التعليقات على الأربعين النووية لمحمد بن صالح العثيمين

(بتصرف)

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *