الهم الدعوي فريضة ذاتية وضرورة مجتمعية


1- الهم الدعوي :

الهم معناه القلق والحزن على أمر ما ويقال هم السقم جسمه إذا أذهب لحمه وأضناه، وعلى هذا فالهم الدعوي إحساس يقع في قلب صاحبه شفقة ورحمة بالمدعو وخوفا على نفسه من عدم أو سوء تبليغ هذا الدين. والهم يقتضي من صاحبه وهو بالحالة التي سبقت أن يضع نصب عينيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة، وكيف كان يتحسر ويتقطع قلبه حتى أشفق عليه ربه بقوله : {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}(فاطر : 8).

الهم الدعوي شعور بالمسؤولية تجاه الإسلام وحمل أمانة تبليغه مع البحث الدائم عن الوسائل والطرق الناجعة لذلك = وقتا، وفكرا ومالا =

على أن الهم الدعوي  و الذي يترجم بالقيام بالدعوة ليس كأمر القيام بالمشاريع والصفقات الدنيوية التي إن لم يظهر نجاحها تركها الإنسان دون حرج، وإنما، القيام بالدعوة مسؤولية لا تملك الذات -أفرادا وجماعات- التنصل منها، شـأنها -أي الذات- في ذلك شأن أنبياء الله الذين كلفوا بحمل الرسالة. فإن منهم من يأتي يوم القيامة ومعه الرجلان ومنهم من يأتي ومعه الرجل الواحد، ومنهم من يأتي وليس معه أحد، ولو أن الله تعالى أراد من الأنبياء والدعاة القيام بالدعوة لمجرد الحصول على النتيجة ما بعث الله بمثل هؤلاء الأنبياء ولا كلفهم كل هذا العناء إن كانوا سيأتون وليس معهم أحد وهو عليم بذلك جل وعلا، ولكنه سبحانه أراد منهم القيام بمسؤوليتهم وحسابهم إنما على إبلاغهم الدين لهذه البشرية وإقامة الحجة عليها حتى لا يكون للضال حجة على الله {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}(النساء : 165).

والذي يتملكه الهم الدعوي ينبغي له أن يستشعر هذا المفهوم لأن هذا يفتح أمامه الباب واسعا فلا يقلق، وينطلق في دعوته فلا يصيبه اليأس أو الوهن مهما كانت العقبات.

هذا الهم كيف نغرسه في القلوب وكيف غرسه سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم في قلوب أصحابه.

إن للتخلق بهذه الصفات مقتضيات نورد بعضها على النحو التالي :

* التربية على علو الهمة : إن غرس علو الهمة أثناء التربية من شأنه أن يكسر القيود والأوتاد التي تجعل الفرد فيما بعد يركن إلى الأرض. فمن أكسبها من المربين تلامذته عند خطواتهم الأولى فقد ضمن لهم الاستمرار بإذن الله

الاستعلاء بالهمة يجعل القلب ينشغل بالأمور العظام. فالدعوة إلى الله ليس مجرد تزكية نفس وصحبة أخيار، وإنما ما وراء ذلك هو المقصود.

* معرفة فضل الدعوة : إن استحضار فضل الدعوة إلى الله التي جعلها سبحانه شرط الانتماء إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}(يوسف : 108) عاجلا في رؤية ثمارها في الدنيا وآجلا فيما يدخره الله عز وجل للداعي يخبرنا عنه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قائلا : >لأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس<، معرفة هذا يزيد من همة وهم الداعي فلا يركن ولا ييأس.

* الجد في الطلب : ذلك أن تحصيل الهم الدعوي والاستماتة في حمله ليس أمرا سهلا ميسورا، إنما هو قول ثقيل ألقاه الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه : {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}(المزمل : 5).

فالنفس تركن إلى اللذيذ والهين وتنفر من الشاق، فجد في طلبك والف جلائل الأمور واطمع في معاليها وانفر من كل دنية واربأ بنفسك عن كل صغيرة

* وجود القدوة : فالمربي الذي يحرص على أن يزرع هذا الهم في قلب المتربى عليه أن يكون قدوته، وعليه -أي المربي- أن يستحضر الحكمة القائلة : “إذا أردت أن تكون إمامي فكن أمامي”، وإلا آلت التربية إلى مجرد حشو معرفي أو تزكية نفس في أحسن الأحوال.

2- الهم الدعوي فريضة ذاتية :

من نافل القول إن الدعوة إلى الله فريضة على كل مسلم، و يزداد وجوبها بالنسبة لمن يفترض فيه حمل همها.

والناظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ أن كل واحد منهم توجه عند إسلامه إلى دعوة غيره.

فكما كانت الدعوة فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم، كانت كذلك على كل فرد من أتباعه.

وتزداد الحاجة و الضرورة مع معول الهدم الذي يملكه غيرنا و إن لم نفعله أي إن لم تصبح الدعوة همنا -بل  وهم غيرنا- سيأخذ المنكر طريقة إلى النفوس. فالحساب عليها -أي على هذه الفريضة- سيكون فرديا، وعليه فهي فريضة على كل فرد أم ترى، قبلنا -على هوانا- قول الله عز و جل {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}(المائدة : 105).  أما صديق هذه الأمة رضي الله عنه فحز في نفسه أن يفهم المسلم أن عليه بخاصة نفسه، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (أيها الناس : إنكم تقرؤون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : >إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه<).

الهم الدعوي ينبع ليس فقط من الثواب والأجر العظيم عند العليم ولكن أيضا من حب هذا الدين والغيرة عليه. فما ينبغي لك وقد انتدبت نفسك لهذا الأمر العظيم -وأعظم به من عمل فأنت جندي عند الله واسأله أن يقبلك- ما ينبغي لك أن ترضى أن ترى رسالة ربك معطلة.

إنها غطة العزم غطها جبريل عليه السلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثا في غار حراء فضمه إلى صدره ثم قال له : {إقرأ باسم ربك الذي خلق} وغط النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس فضمه إلى صدره وقال :

>اللهم علمه القرآن< وأنت غطك الدعاة فوجب عليك أن تغط غيرك غطة تضع حدا فاصلا بينك وبين عهد الاسترخاء وتعمل على حمل الأمانة بحزم وعزم ووفاء.

وفي ختام هذه النقطة نقول : من يدعو الناس إذا اعتزلنا وتقاعسنا واكتفى كل واحد منا بإصلاح نفسه. ومن سيكون له شرف الوجود في مقدمة الطلائع : طلائع الدعوة إلى الله؟!

3- الهم الدعوي ضرورة مجتمعية : يتجلى في حاجة المجتمع إلى الإصلاح  :

أمام طغيان المادة و الإنحرافات المتوالية لعموم أفراد الأمة ونظرا للضغوط الداخلية والخارجية إعلاميا، وفكريا واقتصاديا، وأمام انحصار الإسلام في ذهن المجتمع في الشعائر التعبدية الخاوية من روحها في أفضل الحالات، وأمام مسؤوليتنا في إقامة هذا الدين ولن يقوم إلا بوجود أمة داعية إلى الله تبدو حاجة المجتمع إلى من يدعوه إلى هذا الدين من جديد ضرورة مؤكدة.

فإذا ما تراخت حبال الدعوة في هذه الأمة وضعف رجالها وفترت عزائمهم عن القيام بواجبات الدعوة فشا الجهل واستشرت المعاصي والموبقات وسيفشو الفساد في المجتمع وتنفصم عرى المحبة والتلاحم والتآزر بين أفراد المجتمع المسلم. ولعل حديث السفينة الذي يرويه النعمان بن بشير رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : >مثل القائم على حدود الله -وهو هنا حامل هم الدعوة إلى الله- والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا فلم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا<.

وحاجة المجتمع إلى الدعوة إلى الله مطية للنجاة من الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة، ذلك أن انتشال الأفراد من الضلال والانحراف كفيل بحصول عمارة الأرض على منهج الله لذلك إذا أخل الدعاة بواجبهم واستتب الأمر لأهل الضلال أوشك الله أن يعم الجميع بعقابه ثم يبعث الله كلا على نيته “أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة؟” -يجيب الفاروق عمر رضي الله عنه : “إذا علا فجارها على أبرارها”.

4- نماذج ومشاهد :

ونتوقف في هذه النقطة مع نماذج من عباد الله عز وجل جعلوا أنفسهم ووقتهم ومالهم وقفا لدعوة الله عز وجل علنا نتأسى بهم وفي مقدمتهم أنبياؤه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم ثم الأمثل من كل عصر

أ- نوح ومحمد عليهما الصلاة والســـلام : فهذا نوح عليه السلام يقول : {إني دعوت قومي ليلا ونهارا}(نوح : 5) و {ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا}(نوح : 9) دعوة لدين الله بالليل والنهار في السر والعلن، تسعمائة وخمسون عاما لم ييأس ولم يتوقف

أما سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم وبالرغم من كل الأذى الذي تعرض له -وهو من هو- قبل وبعد البعثة يعرض نفسه ودين ربه على الناس في مواسم الحج ثم بالطائف ثم بالمدينة تاركا أحب بقاع الأرض إلى قلبه.ويكفينا هذا الموقف الخالد منه صلى الله عليه وسلم : >والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر عن يساري على أن أترك هذا الأمر -أي الدعوة إلى الله وقد مناه قومه بالجاه والمال والسلطان والشرف- ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه<.

ب- من الصحابة رضــوان الله عليهم :

* فهذا مصعب بن عمير حين خالج الإسلام قلبه وارتوت روحه بهم الدعوة إلى الله يترك حياة البذخ والترف التي كان يحياها وينتقل إلى المدينة قبل الهجرة يعلم الناس الدين فكان له هناك الأثر الحسن وبقي كذلك حتى استشهد في غزوة أحد.

* وهذه أم شريك القرشية حين أسلمت اقتفت أثر الصحابة حين كان يسلم أحدهم يسرع إلى دعوة غيره ممن يثق في عقله.

أم شريك هذه كانت من المجدات في تبليغ الدعوة فآمنت وأسلم كثير من النساء على يدها فشاع خبرها وانتشر فتبينت قريش أن سبب ذلك هو أم شريك ونظرا لمكانتها بين قومها لم يعذبوها ولكنهم قالوا لها : “لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا ولكنا سنردك إليهم “فقالت أم شريك تحكي قصتها:

“فحملوني على بعير ليس تحتي شيء موطأ ولا غيره ثم تركوني ثلاثا لا يطعمونني ولا يسقونني.. فما أتت علي ثلاث حتى ما في العرض شيء أسمعه فنزلوا منزلا وكانوا إذا نزلوا أبقوني في الشمس واستظلوا وحبسوني عن الطعام والشراب حتى يرتحلوا فإذا هو دلو ماء فشربت منه قليلا ثم نزع مني ثم عاد فتناولته وبينما أنا كذلك إذا بأثر شيء يرد علي منه ثم رفع ثم عاد فصنع ذالك مرارا حتى رويت ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي فلما استيقظوا إذا هم بأثر الماء ورأوني حسنة الهيأة فقالوا : انحللت فأخذت سقاءنا وشربت منه؟ فقلت : لا والله ما فعلت ذلك ولكن كان من الأمر كذا وكذا فقالوا : لئن كنت صادقة فدينك خير من ديننا فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها وأسلموا بعد ذلك”.

ج- من التابعين : ونضرب مثالا لذلك بالخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز  صلى الله عليه وسلم وهو يحذو حذو مصعب بن عمير من حياة الأمراء إلى حياة المساكين لا يضع أمام عينيه سوى دين ربه حتى بلغت مجموع الدول التي وصلها الإسلام على عهده ستا وعشرين دولة.

هـ- من المعاصرين : يكاد ينعقد الإجماع على أن الإمام حسن البنا رحمه الله يشكل ذلك النموذج الفريد في بداية القرن الماضي ممن ألهبت الدعوة فؤاده وضميره فجعل نفسه وقفا لها.

والهم الدعوي الذي أرقه جعله يفكر في أساليب عديدة للوصول إلى قلوب الناس … فقد اهتدى في بداية دعوته إلى اختيار أكثر المقاهي ازدحاما في الحي الوطني من مدينة الإسماعيلية، حتى إذا امتلأ عن آخره، نادى على الزبائن ليستمعوا له فحدثهم حديثا إسلاميا شائقا في دقائق معدودة.

وهكذا كل يوم حتى ذاع صيته في الناس وازدحموا في المقهى كل يوم لسماعه ورحب صاحب المقهى بذلك فأعد له منصة يلقي من فوقها موعظته الرسمية.. حتى جاء يوما فأطال الحديث وتناول قطعة من الجمر المشتعل المعد للتدخين فقذف بها على الناس فانزعجوا وتفرقوا فإذا به يذكرهم بعذاب الآخرة ومسؤولية الإنسان عما قدمت يداه في دنياه.. حدثهم ساعتين فكأن على رؤوسهم الطير ثم انصرف وتركهم مذهولين واجمين إلا ستة منهم تبعوه في طريقه لبيته وقالوا : مسؤوليتنا في رقبتك فقد أيقظت فينا شعورا لن يغمد ولسنا كما ترى في مثل علمك.

وقال رحمه الله ” إذا أبيتم إلا التذبذب والاضطراب والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا بكثرة وما النصر إلا من عند الله “

هذه بعض نماذج ومشاهد لعلها تحيي القلوب فتعلو هممها لدين الله والله من وراء القصد.

ذ. عزوز الباسط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *