43- من أعاصير الخريف


رزقني الله من الأبناء الذكور ثمانية وبنتا… وهبتهم كل حياتي وأنا راضية سعيدة رغم كدي وتضحياتي…

أغناهم الله من فضله وقد استقروا بمدينة كبيرة.. ابنتي متزوجة في الخارج لا أراها إلا مرة في العام… وأبنائي -إن لم أزرهم- لا أراهم باستثناء أصغرهم.. أما أكبرهم فهو رجل أعمال، يحج ويعتمر مرارا…!

تفترسني الوحدة والوحشة والألم في بيتني؛ كل ركن يذكرني بهم، وهم يكبرون يوماً بعد يوم… كان ضجيجهم أنسا ومتعة.. هنا كان كل واحد منهم يحبو… وهناك كان يخطو خطواته الأولى فأتلقفه بقلبي قبل أن يتعثر… وهأنا أتعثر وحدي.. يعصف بي خريف العمر القاسي،  وكل لحظة تسقط أوراقي الذابلة، فأزداد وهنا على وهن، ولا أحد منهم يسندني وكأنني لم أنجب قط… فليت كان أحدهم يناولني شربة ماء أو يربت علي ويؤنسني.. ولولا جيراني وقريتي الطيبة، لمِتُّ عطشا وجوعاً في فراشي، ليس لفقري، ولكن لوهني وقلة حيلتي…!

سمعت ذات ليلة طرقا على الباب، فهفا إلى فتحه قلبي قبل يدي. لعلهم أبنائي فلذة كبدي.. لكن فرحتي سرعان ما تلاشت والأيادي تعصب عيني وتغلق فمي وتنهال علي ضرباً وجرحاً… فتش اللصوص بيتي ظنا منهم أن أبنائي قد أغنوني..!

هالني الفزع… نكأت الجروح جراحي الغائرة… تحاملت على نفسي فراراً إلى المدينة حيث أبنائي… ركبت القطار -لأول مرة في حياتي- التهمتني المدينة الشاسعة كالغول، وأنا أبحث عن ابني الثري، رغم أني لا أحمل عنوانه ولا رقم هاتفه..!

بعد جهد جهيد، وصلت إليه… بكيت بين يديه قهراً وفرحاً، كما كان يبكي علي حين كان طفلا… لكنه منشغل عني بأعماله وأسرته… الخريف يجهز على ما تبقى من وريقاتي، لأواجه العاصفة عزلاء.. وجراحي تنزف… وزوجته تصرخ : إما أنا أو أمك!!

لن أعود إلى بيتي الموحش وقد فقدت الأمان… وأكره السكن وحدي ولو في قصر… ولن أكون سببا في تشتت عش ابني… سأرحل… لكن، إلى أين المفر؟!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *