نساء في العلياء ونساء في الحضيض


هكذا هكذا وإلا فلا لا

((كمل من الرجال كثير و لم يكمل من النساء إلا أربع. آسية بنت مزاحم- مريم بنت عمران- خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد))، هكذا قال صلى الله عليه وسلم منذ ما يربو عن 14 قرنا. لكن هذا لا يعني أن الكمال البشري خاص بزمن معين أو بناس بعينهم ولكن الكمال قد يتوفر بنسب أو قد يحصل في مجالات بعينها . بمعنى أن الإنسان رجلا كان أو امرأة قد يبرز في مجال معين يكون فيه قدوة ومرجعا وشامة.

أما التاريخ الإسلامي فزاخر بالعمالقة  والمخترعين والمبدعين.

وأما العنصر النسوي فقد سجل له التاريخ نبوغا ورسوخا في العلم والتربية والجهاد والتضحية على مدى القرون السالفة. حتى كانت المرأة تفضل الرجال في كثير من الميادين , لينطق الشاعر مادحا المتميزات منهن قائلا :

ولو كانت النساء كمثل هذي

لفضلــت النســـاء على الــــرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب

ولا التـــــذكيـــــر فـخـــر للــهـــلال

إلا أن زماننا هذا قد عج بنساء متمردات على الدين والشرع  والتقاليد والأعراف، حتى أصبحت فيهن من تستدرك على الله تعالى، وتعطي الدروس والمحاضرات، وتعقد الندوات والمؤتمرات ، لتطالب بالمساواة في قسمة الميراث وتطالب بالاستغناء عن الولي في النكاح وتدعو إلى تعدد الأزواج كما هو الحال عند الرجال، وترسخ ثقافة الأمهات العازبات إلى غير ذلك من المطالب التي لا تتفق وثقافتنا كمسلمين

هكذا تصدت بعض نساء عصرنا في دروسهن للشريعة واتهمتها زورا بالجمود والقصور حتى وإن كانت النصوص قطعية الدلالة والثبوت ، ومع ذلك فإن دروسهن ظلت تفتقر إلى جمهور يقبل هذا النوع من العقوق ووتفتقر إلى من يرغب في الانتماء إلى جمعيات المروق والفسوق ، فالمغاربة مسلمون لا يقبلون بغير الإسلام دينا.

وفي المقابل سطع نجم نساء مؤمنات دفعتهن الغيرة الدينية فانبرين مدافعات منافحات عن خير دين ارتضاه الله لعباده فكانوا به خير أمة أخرجت للناس ، فكان التميز في محاضرة لا كالمحاضرات،  وكان النبوغ في درس قد حضر أهله وحضر أوانه على قاعدة : ((ليس كل ما يعلم يقال وليس كل ما يقال قد حضر أهله وليس كل ما حضر أهله حضر أوانه))

هذه قاعدة من القواعد العظيمة التي تحدد كيفية التعامل مع شرائح الناس وكيفية مخاطبتهم، وتبين شروط القول وأهله وأوانه، وهذا الأمر نلاحظه بشدة عند متابعتنا لمحاضرة أو ندوة أو مؤتمر أو خطبة أو موعظة، فكثيراً ما يثير الكلام الصادر في أي من هذه المواطن جدلا من قبل النقاد، فهذا يقول عن المتحدث قد بالغ، والآخر يقول كان عليه أن لا يقول كذا، والآخر يقول ليس أوان هذا الكلام، وآخر يقول لم يحضر أهله.

إلا أن الدرس-مقصود حديثنا هنا – قد أخرس ألسنة النقاد وأطلق العنان للمعجبين والمثنين وهذا ما يوضحه تفاعل الرأي العام مع الحدث، حيث أصبح الموضوع حديث المجالس والموائد والشوارع والإدارات، ذلكم أن شروط القول قد اجتمعت.

فأما الحاضرون فهم الوزراء والبرلمانيون والقادة والزعماء والعلماء، وهؤلاء هم الذين يتولون تسيير أمور البلاد والعباد ويُمَسِّكُون بالمناصب، وبهذا يكونون بحق أهل هذا القول وخاصته.

وأما الزمان فبُعَيْد الانتخابات التشريعية وقبيل تشكيل الحكومة.

وأما الموضوع فإنه المال، وما أدراك ما المال!! المال الذي يسيل عليه اللعاب في سباق على المناصب والمراكز التي تمكن من صناديق الدولة ومفاتيحها التي تنوء بالعصبة أولي القوة.

وأما الدرس فمن الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1428هـ 2007م التي نسأل الله تعالى أن يبارك فيها وهو بعنوان: (كيف يحمي الإسلام المال العام) للأستاذة المحترمة زينب العدوي رئيسة المجلس الجهوي للحسابات. والذي سبق لجريدة المحجة أن نشرته في عددها 286 وقبلها جريدة التجديد بعدما شاهده المغاربة على الهواء مباشرة

> إنه درس لا كالدروس، فالأستاذة الفاضلة وهي المتخصصة في المجال قد أماطت اللثام وبينت ما طمسه المتغربون والمغرمون بالقوانين المستوردة من الغرب، فأفصحت عن تراث زاخر في شريعة الإسلام التامة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة : 3) ووضعت  الأصبع على مكان الداء فكانت جزاها الله عن الإسلام خيراً كمن (أحسن الحز وضرب المفصل).

ونلتقط من كلامها هذه العبارة المجلية لمكمن الداء حيث تقول : ((إن قلة المعرفة بالنظم الإسلامية في هذا الموضوع راجع إلى كوننا نفكر ونتصرف وكأن مرجعيتنا الإسلامية لا تتعدى بعض شؤون العبادات. (انتهى كلام الأستادة))) فصرنا كمن (احتقر رأس ماله فأكله) كما يقول المثال العامي.

> درس لا كالدروس لأنه يفيد كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فقد عرَّفَتِ الغلول انطلاقاً من قوله تعالى : {وما كان لنبيء أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون…}(آل عمران : 161).

وتكون بهذا قد نبهت على خطورة المسؤولية وعظمها عند الله تعالى، وذكرت كل المسؤولين بما لهم وما عليهم، وأن الأمانة التي يتقلدونها لا تبيح لهم نهب المال العام، كما أنها لا تبيح لهم الامتلاك غير الشرعي للمال ولا تبرر للشره والسباق نحو الغنى السهل المنال.

> درس لا كالدروس لأن الأستاذة وضحت أن مبادئ الإسلام تؤكد أن ملكية الإنسان للمال هي ملكية وكالة واستخلاف.

فهل يتعظ كل الذين تسول لهم أنفسهم التصرف في ممتلكات الدولة التي هي ملك لكل الشعب واستغلالها لصالح نزواتهم وشهواتهم وإغداقها على أقاربهم وذويهم؟

> درس لا كالدروس لأنه جلَّى صفات القائمين على بيت المال العام وكيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم يسندون الوظائف المالية إلى من يكتمل فيه الصلاح والكفاءة والأمانة. فهل كل الذين يتولون الإشراف على صناديق المال في الدولة عدول، ثقات، أمناء كما حدد الشرع؟

> درس لا كالدروس لأنه أحاط بأمر المال وهو المجال الذي لا يحاسب عليه إلا الضعفاء ومن ليس لهم من يُسندهم ويغطي على جرائمهم، أما الناهبون الكبار والمهربون لأموال البلاد وخيراتها والذين يبيعون و”يخوصصون” ما لا يجب أن يخوصص من الشركات والقطاعات المنتجة والمذرة للأرباح الخيالية التي من شأنها أن تغني البلاد والعباد. فلا حسيب ولا رقيب إلا الله تعالى يوم القيامة، يوم يأتي كل غال بما غل حاملا إياه على ظهره ورقبته.

> درس لا كالدروس لأنه شدد على أن اختلاس المال العالم يعتبر من الغلول، وهو كبيرة من الكبائر، وأن الاعتداء على المال العام جريمة، وأن حمايته فريضة.

فاللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وحملة عرشك أن الأستاذة زينب العدوي قد بلغت (فاللهم فاشهد).

وبعد فإن هذا الدرس “الموعظة” لن يؤتي أكله ولن يكون له أثر في واقع الحال حتى تُؤخذ مضامينه بقوة وحزم.

فيا كل مسؤول مهما صغرت مهمتك أو كبرت في هذا البلد الكريم، خذ الدرس بقوة، واعلم أنه بحماية المال العام يمكن القضاء على الفقر والجوع وبحمايته تخنق روح الرشوة والاختلاسات إلى الأبد، وبحمايته والغيرة عليه يشنق التبذير والإسراف، وبحمايته ترشد النفقات بدل هدرها في التفاهات، وبحمايته يلغى التهميش ويقضى على التخلف ليخلفه وراءه ناظراً إلى المستقبل بعين الأمل الحريصة على حياة أفضل في ظل تقدم علمي جاد ونافع وتحت ظلال الإسلام الوارفة، وبحمايته يسلم كل راع من حساب يوم واقع ليس له من الله دافع.

وخلاصة القول فإن هذا الدرس يصلح لأن يكون موعظة تفتتح بها مجالس التدبير العام ابتداء من مجلس الحكومة، أو جلسة البرلمان، إلى أصغر مجلس في دواليب الدولة والمجتمع له صلاحية تدبير المال العام، فإنه خير زاد يعين على السير بما يرضي الله الديان فجزاك الله عن المسلمين خير الجزاء .

وختاماً إذا جاز لنا أن نحتفل بالمرأة في يومها العالمي فبمثل هذي

ألاَ فلْيَعْلُوَنَّ مَنْ تَعَالَى          هَكَذَا هَكَذَا وإِلاَّ فَلاَ لاَ

وصدق الله العظيم إذ يقول:

{كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما تذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}(المدثر : 54 – 56).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *