التخطيط والبنيان في الفقه الاسلامي


نوقشت برحاب كلية الآداب بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه الدولة في موضوع :  “التخطيط والبنيان في الفقه الإسلامي”.   وقد كانت هذه الرسالة من إعداد الطالب زكرياء المرابط وتحت إشراف د. الشاهد البوشيخي وقد ناقشها الأساتذة : مصطفى بنحمزة، عبد اللطيف الحجامي، عبد الله الهلالي، وقد حاز الطالب درجة الدكتوراه بميزة حسن جدّاً مع التوصية بالطبع. وهذا ملخص التقرير :

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،

فإسهاما مني في الكشف عن الرؤية الإسلامية لقضايا التخطيط والبنيان كان بحول الله وقوته العزم- بعد استشارة أستاذي الفاضل الدكتور الشاهد البوشيخي -حفظه الله- على أن يكون عنوان الأطروحة هو:”التخطيط والبنيان في الفقه الإسلامي”.

دوافع اختيار الموضوع

هناك جملة  دوافع دفعت بي إلى اختيار هذا الموضوع منها :

أ- محنة المدن الإسلامية ومعاناة المسلمين فيها. فبيوتنا وأثاثنا وفنون الزخرفة لدينا nحسب تعبير إسماعيل راجي الفاروقي- هي خليط غير متجانس يعكس اضطراب أفكارنا عن هويتنا وخصائصنا الحضارية. فقد تجاهل المهندسون المعاني والمقاصد النبيلة للمسكن الاسلامي.

كما تم الانحراف عن مقاصد انشاء الطرق والشوارع في الاسلام، ونفس الأمر يقال في شأن الأسواق.

والأدهى من ذلك والأمر أن بلدان العالم الإسلامي اقتبست من الغرب حتى القوانين المتعلقة بالبناء، وضمنتها قوانينها التعميرية. وكأن الفقهاء لم يكن لهم تصور لقضايا التخطيط والبنيان، ولم يمتلكوا قواعد وضوابط تقننها. فأضحى بذلك فقه العمارة الإسلامية فقها محصورا في الأوراق، محفوظا فيها، موضوعا على الرفوف لا علاقة له بما يحصل في واقع الناس، ويستجد فيه، وغدت قوانين التعمير الوضعية حاكمة ومحكمة فيه.

ب- الكشف عن الدور الرائد للمهندس المسلم في تخطيط المدن وبنائها، وأثره في إقامة مدن تشهد بعظمة الإسلام، وعالمية حضارته.

ج- تأكيد دور المحتسب في البحث في مجال العمارة عن المنكرات الظاهرة لدرئها، وفحص ما ترك من المعروف الظاهر لإقامته، وحمل الناس على المصالح العامة.

د- الكشف عن أثر المنهج الإسلامي في توجيه التخطيط والبنيان؛ إذ يلحظ أن هذا كان له أكبر الأثر في توجيه الأحكام الصادرة فيها، وأن قيم الستر، وحفظ الحرمات والخصوصية، وعدم التعسف في استعمال الحق … كانت مراعاة في كل ما يختط من مرافق، وينشأ من بنيان.

هـ- تأكيد ما للمسلمين من ريادة، وقدم راسخة في مجال العمران، وتوزيع المجال، ذلك أن الأصلين الأساسين اللذين يجب مراعاتهما عند اختطاط المدن هما : دفع المضار، وجلب المنافع.

والأصلان – وما يندرج تحتهما من مبادئ وقواعد وضوابط- يلخصان فلسفة العمارة الإسلامية، وعليهما المعول فيما يختط من مجال ويؤسس من بنيان.

أهداف البحث

– الكشف عن بعض هذه القواعد والضوابط والأحكام حتى تتضح الرؤية، ويتمكن من صياغة نظرية معمارية تنتظم هذا الحقل.

– إبراز دور الأجهزة الساهرة على تخطيط المدينة الإسلامية وبنائها في الحفاظ على أصالتها، وهويتها، وقيمها الحضارية.

– بيان المصلحة ليسعى في تحصيلها، وبيان المفسدة ليجتهد في درئها حتى يحصل التوافق والانسجام بين الإنسان المسلم وما سخر له، ويتحقق المقصد من خلقه واستخلافه.

منهجه

سار هذا البحث وفق الخطوات التالية :

أ- جمع المادة من مظانها؛ وذلك بالنظر في القرآن الكريم وتفاسيره، وكتب الحديث وشروحه، وكتب الفقه، والنوازل، والخطط والبلدان، والتاريخ والحضارة، والإدارة، والرحلات، والتراجم والطبقات والسير، والتعريفات، وغيرها .

ب- تصنيف المادة المجموعة حسب الأبواب والقضايا المرتبطة بها. وقد حاولت هذه الدراسة الجمع بين أمرين والتوفيق بين غرضين : بين جمع ما تفرق وترتيب ما تشتت، وبين تأسيس مبنى، وبناء معنى.

ج- تبويب البحث : تم تبويب هذه الدراسة إلى مدخل، وثلاثة أبواب، وخاتمة.

خصص المدخل لتحديد مصطلحات عنوان الرسالة، وهي : التخطيط، والبنيان، والفقه.

وخصص الباب الأول للقواعد الكلية الحاكمة والمحكمة في فني التخطيط والبنيان، ومردها إلى قاعدتين أساسيتين هما : قاعدة “لاضرر ولاضرار”، وقاعدة “العادة محكمة”. وتندرج تحتهما جملة من القواعد والضوابط.

وخصص الباب الثاني للحديث عن تخطيط المدينة المنورة وبنائها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن إسهام بعض المفكرين المسلمين في تخطيط المدينة الإسلامية وتحديد مكوناتها المعمارية الأساسية.

وخصص الباب الثالث لدراسة ثلاثة نماذج من المنشآت المعمارية. وقد وقع الإختيار أولا على المسجد لكونه مرفقا عاما. وثانياعلى المسكن لكونه مرفقا خاصا. وثالثا على الطريق لكونه جامعا بين النوعين؛ فهو مرفق عام إذا كان نافذا، ومرفق خاص إذا كان غير نافذ.

أما الخاتمة فقد خصصت لأهم النتائج التي أثمرها البحث، ولبعض الاقتراحات والتوصيات التي تخدم العمارة الإسلامية حالا ومآلا.

نــتــائـجــه

أحسب أن من بين النتائج التي كشفت عنها هذه الدراسة أو حققتها :

1- أن التأثر بمدارس العمارة الغربية التي تزرع في كيان المجتمع الإسلامي قيم الفردية والانعزالية والإباحية و…، واتخاذها أنموذجا وحيدا في التخطيط والبنيان، واعتماد قوانينها، والإعراض عن العمارة الإسلامية التي تغرس فيه قيم الفضيلة والتعاون والتآزر والتلاحم …، أو الإكتفاء بأشكالها ومظاهرها دون جوهرها قد بخس هذه العمارة حقها، وأسهم بشكل قوي في طمس معالم المدينة الإسلامية، ومحو هويتها الدينية والحضارية، لأجل ذلك وجب إعادة النظر في هذه التصاميم المعاصرة حتى تكون مستجيبة لهدى الوحي، ومحققة لمقاصده وأهدافه، ومنضبطة بقواعده وضوابطه.

2- أن العمارة الإسلامية كانت تعبيرا صادقا عن الإسلام ومبادئه، وإنتاجا مشبعا بأخلاقه وآدابه. وظلت متسمة بالعالمية -التي هي من خصائص هذا الدين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء : 106)- رغم اختلاف أشكالها وأنماطها تبعا لاختلاف الأماكن والبلدان، والأعراف والتقاليد. كما أنها لم تعان من عقدة الانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، بل استفادت واقتبست منها بقدر ما تسمح به المقررات الشرعية، وصاغت كل ذلك وفق تصوراتها، وطرحت كل مالا ينسجم مع عقيدتها أو يحدث خللا في بعض مقوماتها.

3- لقد اختطت المدينة الإسلامية وبنيت وفق أسس الإسلام وضوابطه، وإن أية دراسة لها تلغي هذه المعطيات، ولا تقيم لها وزنا، وتغفل الجانب المفهومي لهذه المدينة ولا تأخذ بعين الاعتبار الإسلام وهديه ستترتبعليها إشكالات في تفسيرها وغموض في فهمها، وستكون بعيدة كل البعد عن العلمية والموضوعية.

4- أن خطة الحسبة-وهي نظام مراقبة للحياة في المدينة الإسلامية- أسهمت في الحفاظ على هوية المدينة الإسلامية وترشيد سلوك الناس داخلها. ولما تعطلت واستبدلت بها قوانين البلديات، انعكس ذلك سلبا على المدينة الإسلامية وساكنتها؛ مما دعا إلى إشعال الأضواء الحمراء في وجه هذه القوانين التي تلغي خصوصيات الأمة، ولا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة.

ولعل من التوصيات التي ستكون -إن شاء الله- عونا على النهوض بالعمارة الإسلامية وترشيدها:

1- دعوة واضعي قوانين العمارة في البلدان الإسلامية إلى إعادة النظر في القوانين المعتمدة التي تلغي خصوصيات الأمة، وتقلل الوازع الديني لديها، وتمحو معالم المدينة الإسلامية أو تشوهها… وذلك باعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسا في سن القوانين؛ لكون أغلب القضايا المتعلقة بالتخطيط والبنيان توجد لها حلول ناجعة ومناسبة في الكتب الفقهية أو تصلح للقياس عليها…

2- دعوة المهندسين صناع الحياة أصحاب الهمم العالية إلى الإحسان في صناعاتهم؛ لأن ذلك من مستلزمات تحقيق مقام العبودية.

3- الدعوة إلى إنقاذ منشآت المدينة الإسلامية والحفاظ عليها، وذلك بترميمها، وإصلاح الآيل منها للسقوط، وعدم تفويتها بدراهم معدودات .

4- إن الدعوة إلى إصلاح العمارة في البلدان الإسلامية لن تكون ناجحة إلا إذا اتجهت الجهود إلى إصلاح تصورات الفرد المسلم {وثيابك فطهر}(المدثر : 4)؛ لأن إصلاح عالم الأفكار مقدم على إصلاح عالم الأشياء. بل إن آية مسيرة للإصلاح -في مختلف مجالات الحياة- لا يقع فيها تقديم ما حقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، وإتيان البيوت من أبوابها؛ لن تكون مؤتمنة، ولا راشدة، وستبوء -لا محالة- بالفشل عاجلا أم آجلا.

5- التنقيب عن هذا التراث المعماري، واستيعابه، والوقوف على مقاصده وقواعده وضوابطه وأحكامه، والسعي في تمكينه والدعوة إليه، لأنه وحده الخير الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.

6- استيعاب ما أفرزه العقل البشري في الثقافات الأخرى من أجل الإفادة منه، أو الاستئناس به إذا لم يكن مصادما لمبادئ الشرع ومقاصده، أو مخلا بها.

7- التفكير في تأسيس علم معماري إسلامي قوامه قواعد وضوابط مستمدة من تعاليم الإسلام، ومسترشدة باجتهادات فقهاء الأمة ومهندسيها. ولن يتحقق ذلك إلا بشروط منها :

أ- توجيه الطلبة إلى إعداد دراسات وبحوث متخصصة في مجال العمارة الإسلامية.

ب- تكوين مهندسين من صناع الحياة الذين يمتلكون خبرات واسعة في الميدان الهندسي، وعلى قدر كبير من فقه الدين فهما وتنزيلا.

ج- إحداث مراكز ومعاهد ووكالات تعنى بالمدينة الإسلامية : ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا.

د- إنجاز معجم تاريخي لمصطلحات العمارة الإسلامية يرصد التطور الدلالي لهذه المصطلحات والاستعمالي لها على شاكلة المعاجم التي شرع معهد الدراسات المصطلحية بفاس – تحت إشراف مديره أستاذنا الدكتور الشاهد البوشيخي- حفظه الله- في إنجازها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *