هاجس الهوية وتأصيل الإبداع


د. أم سلمى

umu salma@Islam way.net

يندرج مشروع الأستاذ الدكتور حسن الوراكلي في مجالات الدراسة والبحث والإبداع ضمن إطار المشروع الحضاري العام الهادف إلى الاعتزاز بالهوية الذاتية وتفعيلها في مواجهة مختلف التحديات ، وتحديد مواطن الخلل في عملية النهوض الحضاري، من أجل استنفار الأمة، واستعادة فاعليتها، بتأصيل جذورها، ومواطن العطاء والإبداع في كل مجال من مجالاتها، لاستئناف دورها الحضاري والإنساني. فهو مشروع متجذر في الذات الحضارية. يعلن عن إضافته وفرادته من خلال إنتاجاته العلمية والأدبية المتراكمة والممتدة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، والتي تنضح بالخصوبة والغنى المعرفي والجمالي.

وإذا كان أي عمل إبداعي جاد يتميز بكونه غير خاضع للموسمية التي قد تسم بعض النصوص المنخرطة تحت لواء الموضة العابرة ، ولا يقوى أي شيء على طيه تحت رماد النسيان، لأنه نبع متدفق ، سلسبيل العطاء، يحاول الكشف عما يزخر به الواقع الذاتي والجماعي من تناقضات ومتغيرات وشحنه بقيم التغيير المرجو، فإن مجموعة “الريح والجذوة” لأستاذنا الدكتور حسن الوراكلي تندرج ضمن هذا المجال الإبداعي الناضج المعتصم بالروح الإسلامية الحاثة على تفعيل قيم ديننا الحنيف وترسيخها في النفس الإنسانية، من أجل إصلاح الفرد والجماعة، وصلاحهما وفاعليتهما في رقي المجتمع والأمة.

وتطل المجموعة بألقها الواضح تعلن أن البحث عن الهوية خارج الذات ما هو سوى وهم، وأن الأجدى والأجدر تلمسها في العمق الذاتي وتأصيلها.وهذا يعني وعي الكاتب بالفوضى الفكرية والعقائدية التي تعيش فيها الأمة منذ عقود عدة، كما يدل على استيعابه الشامل للواقع الذي يتحرك فيه، وتبصره الهادئ لطبيعة وخلفيات التحديات الحضارية والفكرية التي تخوضها الأمة. فنجد النصوص تأخذ موقعها للمساهمة في عمليات التغيير والإصلاح والبناء، وتجعل مدارها حول “فكرة تنشد استرداد الوعي عند الإنسان المسلم بعقيدته، وهويته، وذاتيته وفق رؤية متميزة للكون والحياة ، والمجتمع، والتاريخ. وباسترداد وعيه يسترد دوره المنوط به في استئصال الزيف، والشر، والقبح، والتسلط، من حياة الإنسان بعامة، إن في فكره أو في فعله، ثم استنبات الحق، والخير، والجمال، والعدل في حياة الإنسان بعامة غن في فكره كذلك أو في فعله”(1). وهذه الفكرة تجد متنفسها في السرد بأسلوب مباشر في مثل قوله:” بينما كانت الشيوعية تتوغل في أرض أفغانستان، تنشر الرعب، والخوف، والموت، كان (س) في الرباط ، وفي بغداد، وفي صنعاء، وفي دمشق،، وفي كل مكان من الخارطة الإسلامية، يسترد وعيه، ويستعيد هويته، ويخرج من الزمن المتوحش”(2) ، أو بأسلوب غير مباشر ورمزي يدل على إيمان السارد بأصالة قضيته التي لخصها في مصطلح”الفكرة” في تقديمه للمجموعة، في مثل قوله :”الريح كانت تدخل من باب، وتخرج من نافذة.. الريح كانت تنعطف على زقاق لتفضي إلى ساحة واسعة.. وكلما ألقى رجال الأمن القبض على ريح تفتح الأفق الشرقي عن ريح جديدة تدخل من باب وتخرج من نافذة،، تنعطف على زقاق لتفضي إلى ساحة واسعة.. وقف رجال الأمن وقد سُقط بين أيديهم، يستردون الأنفاس.. والجذوة تتوهج، تتوهج.. ومنها كان الفجر يقبس أنواره، يضوئ بها الآفاق والسراديب”(3).

وإذا كان العنوان أحد المفاتيح التي تدخلنا إلى عالم القصة، فإننا سوف نلج من خلاله إلى آفاق التجربة القصصية، والعوالم التي يحدد مجالاتها القاص.  لذلك يصبح العنوان أكثر إغواء وجذبا للمتلقي، كلما غاص في استثارة التأمل والاستشراف، وفي إثارته وإغرائه بالقراءة القائمة على المعرفة والدراية. فابتداء من عنوان المجموعة”الريح والجذوة” ، إلى العناوين الفرعية، نجد القاص يقصد باختيارها إغناء عالم القص. لكن يظل رمزي “الريح” و “الجذوة” محورين أساسيين تدور حول دلالاتهما المجموعة كلها، ويرمزان إلى دلالات قرآنية. فالريح تأتي في القرآن في سياق العذاب والتخويف، كما تأتي الجذوة في سياق المعرفة، كالجذوة التي اهتدى بها موسى عليه السلام، والحرية والتوهج والانبثاق.  فنجد  الريح تحيل على دلالة الخوف مثلا “تعول الريح في الأودية”(4) “كانت الريح في الخارج تصر صريرا كالعويل”(5)، لأن صوت الريح يبعث على الشعور بالخوف والرهبة، ودلالة الفتنة “الريح كانت تدخل من باب وتخرج من نافذة.. الريح كانت تنعطف على زقاق لتفضي إلى ساحة واسعة… وكلما ألقى رجال الأمن القبض على ريح تفتح الأفق الشرقي عن ريح جديدة تدخل من باب وتخرج من نافذة ، وتنعطف على زقاق لتفضي إلى ساحة واسعة”(6). أما الجذوة فإنها تحيل علىدلالات الأمل والانبثاق “في الهزيع الأخير من الليل انطلق رجال الأمن يطاردون ريحا صرصرا عاتية، ذرت رماد الحرائق، وكشفت عن جذوة نار(7)، ففي غمرة الفتنة واشتعال الحرائق تنبثق جذوة تتوهج “ومنها كان الفجر يقبس أنواره، يضوئ بها الآفاق والسراديب”(8). وهذه الدلالات نجدها مبثوثة في كل المجموعة بمترادفاتها التي تحيل عليها حسب سياقاتها المختلفة.

ويمكن تقسيم المجموعة إلى قسمين: قسم يقع في مجال الخصوصية المحلية، ويتضمن قصص: نهر طالوت، والسحابة السوداء، والصرة، والعجل، والغشاوة، ولقطات، وقسم يقع في مجال الهم الحضاري، ويتضمن قصص: الريح والجذوة، وحمزة يعبر نهر المجاز، والخروج من الزمن الموحش، والخنساء تغرد على شرفات القدس. وخطاب القسم الأول يتلون بالواقع المحلي الخاص الذي يحقق لقصصه شرعية الانتماء الذاتي للهوية الوطنية، لكن هذا الواقع ينتمي إلى أفق و تاريخ الأمة، ويعلن توحده مع هوية الأمة الحضارية. أي أن السرد القصصي ينطلق مما هو خاص إلى ما هو عام يتشارك فيه الإنسان في أي موقع من أي بلد إسلامي. أما خطاب القسم الثاني فإنه يتماهى مع الهم الحضاري الذي يحمله كل مسلم صادق الإيمان بين جوانحه، ويعبر عن التوجه الإنساني الصافي في السلوك الحياتي ، ويحمل قضايا الأمة على عاتقه، مبرزا مواقفه الحاسمة منها.

والمتأمل في النصوص يلاحظ تفاعل السارد مع الشخصية، بوصفها رمزا، أو صوتا، يتم التعرف إليها من خلال المشهد السردي ككل، وليس من خلال سرد حكاية الشخصية. ولعل هذا ما يفسر لنا غياب ملامح محددة لها. وتوظيف بعض الشخصيات المستلبة، أو بمعنى أخص، الفاقدة للفاعلية، وتحولها إلى الانخراط في الفعل الحضاري وتسجيل الموقف الذي ينبغي عليها بوصفها من أفراد الأمة الذين عليهم حمل مسؤولية النهوض، أمر بارز في مجموع القصص . فنجد أن الشخصيات الرامزة للأحداث لا تغرق في حالاتها السلبية، أو فقدان الفاعلية،  وإنما تعرف تحولا يفرزه الوعي بالقضايا الاجتماعية والفكريةوالحضارية المصيرية لديها. فمن الاغتراب والعزلة إلى الاتصال والتواصل كما في قصة “السحابة السوداء” حين تخرج الشخصية المحورية من اغترابها وعزلتها لتندمج مع الجماعة، ويلخص  السارد  هذا التحول في آخرها بقوله :”ورأى نفسه وهو يعاهد هؤلاء الفتية على مصاحبتهم وألا يبرح المدينة، بعد اليوم، حتى تنجلي عن سمائها السحابة السوداء”(9). ومن الاستغراق في الذات إلى التوحد مع الجماعة كما في قصة “الخنساء تزغرد على شرفات القدس” فأم حاتم في فلسطين تتوحد مع غيرها من الأمهات اللائي قدمن فلذات كبدهن عن رضى واقتناع ووعي للشهادة ، وتعبر عن قمة التوحد مع الجماعة والتناغم مع أهدافها والتشبث بهويتها والتفاعل مع ماضيها وتراثها “في صباح اليوم التالي شاهد أهل القدس على شرفات المدينة الخنساء وهي تزغرد لمواكب أحفادها.. الأطفال الذين تباركت بهم الحجارة”(10).

وتتضح الوظيفة الرسالية في كل النصوص، وهي وظيفة تهدف إلى محاولة إعادة تنسيق علاقة الإنسان بما حوله، على أساس العبودية لله وحده، وتكشف عن التجاوب المتناغم بين رؤية الكاتب وفكره وهويته، وبين اللغة والأسلوب الذين يصوغ بهما سرده. ففي قصة “السحابة السوداء” مثلا يبدأها السارد بقوله :”السي علي يدخل المدينة خائفا يترقب”(11). وهذا المطلع يكشف شحن المتلقي بخطاب يتناص مع قوله تعالى عن موسى عليه السلام :{فأصبح في المدينة خائفا يترقب}(القصص : 18)، بهدف إشراكه (أي المتلقي) في عملية إعادة تنسيق العلاقة التي تريط شخصية القصة المحورية”السي علي” بما حولها على أساس التوجه العقدي والرؤيوي الجديد ، الأمر الذي يقود إلى بؤرة السرد الأساس:”إنه يوسع خطوه في اتجاه مسجد مصباح حيث تكتحل عيناه بطلعات جماعة من الإخوان تعرّف عليهم في الأسبوع الماضي بجامع القرية وأنصت إلى أحدهم يعظ المصلين موعظة خشعت لها القلوب وذرفت العيونفأحس بفؤاده يهوي إليهم وبنفسه تهفو إلى صحبتهم. فلما دعوه لحضور مجالس الذكر والتلاوة في مسجد مصباح بالحي الجديد من المدينة لم تسعه الدنيا من الفرح.. ونسي ملفه القديم عن المدينة”(12). ثم الوصول إلى قرار يعبر عنه السارد بواسطة الإخبار عن مصدرية هذا القرار، والكشف عن مشاعر الشخصية المحورية :”وارتفع صوت أحد الفتية يحبر آيات من سورة هود تحبيرا، يملأ النفوس بالقوة والثبات. وأحس السي علي باطمئنان يغمر قلبه، ويشيع في أطوائه الرضى والانشراح.. واستسلم لسكون بهيج شفاف..ورأى نفسه وهو يعاهد هؤلاء الفتية على مصاحبتهم وألا يبرح المدينة بعد اليوم، حتى تنجلي عن سحابها السحابة السوداء”(13).

وهذه الوظيفة الرسالية نفسها جعلت علاقة السارد بالكاتب تتداخل، ويصبح معبرا عن فكره ومواقفه من الحياة والكون والإنسان بصفة عامة، ويدخل في نسيج البنية السردية برمتها، معارضا في ذلك قولة تودوروف الذي يرى أنه لا يمكن للمؤلف أن يصبح جزءا من الأجزاء المكونة لعمله أبدا(14)، انطلاقا مما يُعرف في النقد الأدبي الغربي ب”موت المؤلف”. وهذا التداخل يبين لنا أن العمل القصصي إبداع جمالي يبث مجموعة من قيم وأفكار القاص عبر مجموعة من التقنيات أو الآليات، من مثل اختيار الأحداث وتنسيقها، ورسم الشخصيات، وبناء السرد وفق رؤية معينة. ففي قصة “حمزة يعبر بحر المجاز” يعرض السارد شخصية حمزة الذي يترك كل شيء وراءه : زوجته وولده ووظيفته وبلده ويعبر إلى الضفة الأخرى ليلحق بجبهة الجهاد في البوسنة والهرسك، بعد أن أدرك خطورة الهيمنة الغربية على بلاد المسلمين، مبينا موقفه الحضاري :”همس إلى نفسه: يسألني الرجل عما بي،، آه لو درى لعذر ، ولو وعى وأدرك لبكى مثل بكائي وربما أمر منه،، آه لو درى ما يحيق به وبأهله وقومه ويحدق بدينه من أخطار وكوارث”(15).

وربما كان طغيان الجانب الفكري علىالجمالي يسقط المجموعة في مزالق المباشرة في طرح بعض القضايا، لكن حرص الأستاذ الوراكلي على الاغتراف من الواقع، واستغلال عناصر حكائية متخيلة أو واقعية لنسج خيوط اللحظة المحورية التي تضيئ الحدث أو المشهد، بالإضافة إلى لغة مشحونة بدلالات تداولية في الذاكرة الحضارية، ومتباينة بين الكثافة الشعرية ووالتعبير المعجمي التبليغي، كل هذا قدم تجربة قصصية متميزة تحكي عن وعي عميق بوظيفة الأدب الإسلامي الرسالية والجمالية، يتوزع بين رؤية واضحة مسكونة بالهوية، وبين بناء شامخ يؤصل للإبداع، ويمتد بين الواقعي والمتخيل للمساهمة في الإبحار نحو آفاق التغيير والتفرد.

———–

(1) – مقدمة الريح والجذوة. د حسن الوراكلي. منشورات المشكاة ط1. 1999. ص10.

(2) – المجموعة. الخروج من الزمن المتوحش. ص 41.

(3) – المجموعة. الريح والجذوة. ص17-18.

(4) – ص 19.

(5) – ص 27.

(6) – ص 17.

(7) – نفسه.

(8) – ص 18.

(9) – ص 48.

(10) – ص 88

(11) – ص 42.

(12) – ص 44.

(13) – ص 47-48.

(14) – انظر: نقد النقد. تزفيتان تودوروف. ترجمة سامي سويدان. منشورات مركز الإنماء القومي. بيروت. ط 1. 1986. ص 82.

(15) – ص 30.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *