نظرات في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الدالة على رسالة الرسول


محمد رسول الله ، رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، أوحى الله سبحانه وتعالى إليه بالقرآن قبل أكثر من 14 قرن، فبلغه إلى أمته وإلى البشرية جمعاء، قرأه على قومه ففهموه على قدر علمهم وإدراكهم، فآمن من آمن وكفر من كفر، وقرأته الأجيال تلو الأجيال من بعده في القرون اللاحقة، وكل أخذ منه ما شاء الله أن يأخذ ووصل إلينا محفوظاً كما أنزل.

ومع وصول العلم المادي إلى قمة من قممه بدأت أشياء كانت غامضة تفهم، وتفاسير على ضوء العلم تعطى، حتى ظهر حديثا ما سمي بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، واجتهد فيه علماء أجلاء كثيرون ولازال الاجتهاد والبحث قائمين.

وسأحاول إن شاء الله في عجالة أن أشير بعض الإشارات الخفيفة والسريعة التي تعالج بعض ما ورد في القرآن العظيم الذي نزل على قلب محمد من إبداع الخالق سبحانه وتعالى لخلقه وإعجازه في صنعه من خلال بعض الآيات القرآنية، ولن يكون الكلام مفصلا لأن هذا يحتاج إلى وقت أطول وإلى بحث أعمق.

يقول سبحانه وتعالى : {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}، يعلق الدكتور الجليل زغلول النجار على هذه الآية قائلا :

يعلمنا ربنا جل وعلا أن قضية الخلق لا تخضع للإدراك المباشر للعلماء، فالانسان مهما أوتي من علم ومعرفة لا يستطيع أن يصل إلى حقيقة الخلق من غير هداية ربانية، لذلك فإن كل من فكر في قضية الخلق، سواء خلق الكون أو خلق الإنسان بعيدا عن الهداية الربانية فسوف يضل ضلالا بعيدا لأنها عملية لا تخضع لإدراك الإنسان أو حسه.

والله سبحانه وتعالى يقول في سورة الكهف : {ما أَشْهَدْتُهُم خلقَ السماوات والأرض ولا خلقَ أنفسهم وما كنت متخذ المضِلِّين عَضُدا}. ولكن القرآن نفسه الذي يقول إن الإنسان لا يستطيع بإدراكهالوصول إلى هذه الحقائق يبين لنا أنه جعل لنا من الأدلة المادية والمعنوية في الكون والإنسان والمخلوقات والعلوم ما نستطيع به أن نصل إلى فهم شيء يسير من سنن الله في الكون وفي الخلق.

يقول سبحانه وتعالى : {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشيء النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير}، {لخلقُ السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}”(انتهى كلام د. زغلول النجار).

فالإنسان في حياته وعمله ومشواره الدنيوي يستطيع أن يتدبر في شتى المخلوقات من سماء وأرض وشمس، وقمر، ونجوم، وأشجار وأنهار يرى فيها بديع خلق الله سبحانه وتعالى لكن الله عز وجل يدعونا كذلك لأن نتدبر في أقرب شيء لنا والذي يلازمنا في الليل والنهار وفي كل وقت وحين ولا يفارقنا أبدا ألا وهو نفس الإنسان بل وجسم الإنسان وجسده وأعضاءه وحواسه، حيث يقول سبحانه وتعالى : {وفي أنفسكم أفلاتبصرون}.

وكلما نظر الإنسان إلى جسمه وجسده وتمعن في تكوينه الداخلي من أعضاء وأحشاء إلا وازداد إعجابا ودهشة وخشوعا وخضوعا، ويتيسر هذا لأهل العلم والاختصاص أكثر من غيرهم فإذا أخذنا أعضاء الجسم المختلفة ونظرنا إلى بعض منها : فالدماغ مثلا يتكون من ملايير الخلايا المختلفة وهو العضو الوحيد الذي لا تتجدد خلاياه بل تموت نهائيا، ويبقى هذا الإنسان يقوم بوظائفه المختلفة بوعي وإدراك وثبات رغم الآلاف من الخلايا التي تموت كل ثانية حتى يصل هذا الإنسان إذا قدر الله له أن يصل إلى أردل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا، ونجد في هذا الدماغ توزيعا دقيقا محكما لمساحات عديدة، كل واحدة منها تتكلف باختصاص معين وتدير وظيفة معينة : كمساحة النظر، ومساحة السمع، ومساحة الإحساس ومساحة الحركة، ومساحة التركيز، ومساحة النطق ومساحة التوازن إلخ…، وكل خلل ولو كان بسيطا في مساحة من المساحات يؤدي إلى إتلاف كلي أو جزئي أو نقص في الوظيفة التي تتحكم فيها هذه المساحة المعينة.

فلو زرت قسما من أقسام أمراض الأعصاب والدماغ لرأيت عجبا، فمن الناس من يتحرك ولا يحس، ومنهم من يحس ولا يحرك جزءا من جسمه، ومنهم من لا يستطيع الكلام وقد كان طليق اللسان لدهر من الزمن ومنهم من يتكلم ولا يفهم أولا يُفهم ما يقول ومنهم من فقد التوازن فلا يستطيع الوقوف مستقيما سويا وقد كان يسبق الناس مشيا وجريا، ومنهم من فقد الذاكرة كليا فهو لا يعلم من بعد علم شيئا، وحري بالإنسان إذا رأى أو سمع أو علم هذا أن يشهد للخالق ببديع صنعته، وأن يحمده على نعمه ظاهرة وباطنة وأن يعترف بفقره إليه، وأن عبادة دهر كامل لا تؤدي شكر نعمة واحدة من هاته النعم.

وإذا أخذنا القلب كعضو فنجده منقسما إلى جزئين أيسر وأيمن، وكل جزء منقسم إلى أذَيْن وبُطَيْن، يتكون من خلايا فريدة متخصصة أدق التخصص تختلف عن كل خلاياالجسم من حيث أن لها خصائص كيميائية وكهربائية تجعل القلب ينبض بانتظام عجيب وبصفة مستمرة ودائمة دون انقطاع من بداية الحياة داخل الرحم إلى نهاية أجل الإنسان، فهو يستقبل ثم يوزع الدورة الدموية على الجسم كله، كل جهاز حسب حاجته وطلبه ويحدد الضغط الدموي في الجسم، ولو حدث خلل في لحظة وجيزة ولو كان بسيطا لأحس الإنسان بأعراض مختلفة حسب الخلل ونوعه ومكانه قد تكون خطيرة أو قاتلة.

فمن أودع في هذا العضو الصغير هذه القدرة العجيبة الخارقة على العمل بإتقان فائق حير العلماء وبشكل دائم لا يعرف الكلل والملل حتى يستوفي كل إنسان أجله، إنه الخالق سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض.

ولو نظرنا إلى الكبد، هذا العضو العجيب المعجز في تركيبه وعمله ووظائفه فهو يستقبل موادا ويصنع أخرى ويُحَوِّلُ أخرى ثم يصدر داخل الدورة الدموية  والجهاز الهضمي، إنه مجمع صناعي مكتمل لا يستقيم الجسم بدون وجوده بل بوجوده سليما معافىً، ولو أتلفت خلايا الكبد وأثرت على وظيفته لرأيت العجب في التحول السيء في حالة الإنسان، فقد يمتلئ بطنه بسائل قد نفرغ منه اللترات ويعود البطن فيمتلئ بعد أيام قليلة حتى يحار الأطباء في بعض الحالات في التعامل معه، وقد يصاب المريض بنزيف داخلي متكرر نقف أمامه عاجزين أحيانا لأن مكونات تجميد الدم الذي يصنعها هذا العضو لم يعد قادرا على إنتاجها. بعد سماع وعلم هذا، ألا يليق بنا أن نتدبر في قوله سبحانه وتعالى : {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}. ويمكننا أن نسرد هكذا أعضاء الجسم واحدا واحدا، ولن تكفينا الأيام والأسابيع، فكل عضو أصبح اختصاصا قائما بذاته، بل أصبحت اختصاصات داخل الاختصاص الواحد، فألفت فيه الكتب وشيدت المعاهد والكليات والمدارس العلمية لدراسة هذا الجسم الإنساني الفريد وهذه الأعضاء، والمجهول لازال حتى الآن أكثر من المعلوم، فيرجع العالم المؤمن دائما متذللا، خاشعا منكسرا، فقيراً إلى علم الله عز وجل وهو يردد قوله تعالى : {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}.

وإذا انتقلنا من الأعضاء التي هي متكونة من أنسجة، والأنسجة متكونة من خلايا إلى الخلية الواحدة وهي هذا الكائن المتناهي في الصغر الذي لا يرى بالعين المجردة، فإذا درسناها وفحصناها بالمجهر نرى عجبا عجابا : ففيها العديد من المكونات المختلفة تتوسطها النواة وهي قادرة على أن تنتج المئات من الآلاف من البروتينات والإنسان يحتاج إلى تكنلوجيا هائلة ووسائل حديثة كبيرة لمحاولة إنتاج جزيء  بروتيني واحد.

هذه النواة نجد في داخلها ما يسمى بالكروموزونات أو الصبغيات وعددها يحدد النوع فالانسان مثلا في داخل كل خلاياه 46 كروموزم موزعة على 23 زوج إلا الخلايا التناسلية فهي فيها فقط 23 كروموزوم حتى إذا التقت بالخلية التناسلية للجنس الآخر أعطت بويضة ملقحة فيها 46 كروموزوم للحفاظ على النوع البشري، ويوجد داخل هذه الكروموزومات ما يسمى بالشفرة الوراثية للإنسان، فهي صندوق أسراره وخصائصه وكل مميزاته، وهي تركيب بالغ التعقيد مكون من ملايين القواعد الكيميائية.

والعجيب والملفت أن هذه الشفرة داخل هذه الخلية المتناهية الصغر يقول في شأنها أحد العلماء  : إننا إذا أخذنا شخصاً وجمعنا كل خلاياه وفككنا الشفرة الوراثية للخلايا ورصصناها بجوار بعضها البعض لأعطتنا مسافة تعادل مسافة الأرض للشمس أي 150 مليون كلم، فسبحان الذي وضع في هذا الإنسان الصغير كما من المعلومات الدقيقة تعادل المسافة بين الأرض والشمس.

وهذه الشفرة تنتج أمثالها بالانقسام، ومعنى هذا أننا إذا رجعنا للوراء في الزمن فسنصل حتما إلى أصل واحد وهي التي كانت في صلب أبينا آدم عليه السلام.

وعند اكتشاف الخريطة الوراثية شبه الكاملة قبل سنواتأعلن العلماء (أكثر من 1600 عالم) من 16 دولة أن الشفرة الوراثية للانسان فيها أكثر من 99% متشابه وختلافات كل البشر الذي عاش ويعيش وسوف يعيش يسعه فقط 1%!! ويصب هذا كذلك في الرجوع إلى الأصل الواحد. حين نسمع هذا، ألا نفهم بشكل مغاير وجديد قوله سبحانه وتعالى : {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}.

ثم ننتقل إلى إشارة قرآنية لطيفة أخرى:

يقول سبحانه وتعالى في سورة الحج : {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث، فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء  إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}.

أولا التراب : لقد أثبت العلم التشابه الكيميائي الكبير بين التراب والجسم البشري.

ثم نصل إلى النطفة وفي آية أخرى نطفة أمشاج والنطفة هي النقطة المنتخبة (الحيوانات المنوية كثيرة فينتخب منها واحد) والأمشاج أي المختلطة والمقصود بها الخلية التناسلية للذكر والبويضة التي تعطي البويضة الملقحة، تبدأ هذه البويضة في الانقسام، ثم تسافر إلى الرحم (3 أيام) هذا الانقسام يكون على الشكل التالي (2 ثم 4 ثم 8 ثم 16 ثم 32 ثم 64 الخ…) في اليوم الرابع أو الخامس تلتصق بجدار الرحم وتتكون شبكة من الشرايين والأوعية ليبدأ الامتصاص والغذاء والأكسجين، نلاحظ أن هناك شيئين إثنين :

الالتصاق والامتصاص وهذا ما عبر عنه الله جل وعلا بالعلقة كدودة العلق.

حين نصل إلى الأسبوع الثالث يكون هذا الكائن مكوناً من ثلاث طبقات من الخلايا : داخلية وخارجية ووسط، وفي هذا الغشاء تكون مجموعة أنسجة مزدوجة وكأن عليها آثار الأسنان (كقطعة اللحم التي مضغت) وهذا ما عبر عنه القرآن بالمضغة.

في الأسبوع الثالث يكون طول هذا الكائن قد وصل إلى 1.5 مم وبداخله : القلب بدأ ينبض، الدماغ بدأ يتكون، حتى الفصيلة الدموية تكون معروفة.

أما عن المخلقة وغير المخلقة :

فإن تمايز الخلايا وتخصصها، ونموها وارتقاءها من مرحلة إلى مرحلة يختلف من نسيج إلى نسيج ومن عضو إلى عضو، فبعض الخلايا تكون قد وصلت إلى حد متقدم من التمايز وأخرى في البداية.

ثم نصل كما يعبر القرآن في آية أخرى {ثم أنشأناه خلقا آخر} ولا يكفينا الوقت للتفصيل في هذا الخلق الآخر ولا يسعنا إلا أن نقول {تبارك الله أحسن الخالقين}.

إن هذا القرآن العظيم العجيب المبهر الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي أسراره والذي بدأنا نفهم بعض إعجازاته بعد تراكمات علمية ومعرفية لعشرات بل مئات السنينحيث تدرج العلم من البحث النظري ثم التجريبي ثم المخبري ثم السريري ثم فائق التقنية الذي تعاونت فيه الأمم والشعوب والدول لتصل إلى ما وصلت إليه، هذا القرآن نزل قبل أكثر من 14 قرن على قلب رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب بين قوم ليسوا بأصحاب حضارة ولا علم، وفي زمن العلم فيه أقل ما يمكن القول فيه أنه بدائي، حينما نعلم كل هذا لا يسعنا إلا أن نقول في حق هذا الرجل الذي أنزل عليه هذا الكتاب المعجز أنه رسول الله  بعثه للعالمين بشيرا ونذيرا، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يحبونه، ويعملون بهديه وسنته وما جاء به ويحشرنا معه آمين.

——–

د.الحبيب بنعدية

مداخلة ألقيت في ندوة (أسبوع السيرة النبوية) التي نظمها المجلس العلمي لفاس يوم الجمعة 2005/4/22.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *