في رحاب السنة : ضراعة الدعاء بين العلاج النفسي والجسمي


المقدمة : من طبيعة الفطرة عند اشتداد الكروب أن يلجأ العبد المومن إلى علام الغيوب ، طامعا في رحمته مستغفرا من الذنوب، وبخاصة عند ما يشتد المرض، ويتراكم الدَّين، وتكثر الهموم والاحزان وغيرها من صنوف البلاء والخطوب، وفي هذه الحالة يفقد الانسان صوابه وراحته واطمئنانه، فتزداد المحنة قسوة وشدة، ويصبح في أمس الحاجة إلى ما يُذهب عنه ما نزل به. أو يثبته على تحمل ما نزل وما ألم به من المصائب والألام والمتاعب، وهنا لايجد المؤمن ما يفتح له الأمل إلا الاتجاه للواحد المعبود، باريه من العدم، ومدبر أمره من القدم، فأي خالق أرحم بنا من المولى جل وعلا. ولهذا نجد معلم الانسانية وطبيبها سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم . يوجه المؤمن والمؤمنة إلى عدم الاستسلام للهم والحزن، وقد أصبح من الثابث جليا في العلاج الحديث. تقوية الروح معنويا. وهذا يكون بالدعاء، وزرع الثقة، وإزالة الوهم لأن الدعاء إيحاء نفسي يجد فيه الداعي غذاءه الروحي. وهو علاج نافع للنفس، إذ يذهب عنها الهم والحزن، والخوف والقلق، ويذهب اليأس والضعف. وتبارك المنزل على عبده : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، ولقد علّم الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم كيف يرجع إلى ربه،.

نص الدعاء الحافظ للنفس والجسم دنيا وأخرى:

>اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من القسوة والغفلة والعيلة، والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر والقسوة والشقاق، والسمعة والرياء. وأعوذ بك من الصمم والبكم والجنون والجذام، وسيئ الخلق<(أخرجه ابن حبان والحاكم وخرجه الألباني في إرواء الغليل ص 860).

شرح كلمات الحديث :

نجد في هذا الحديث من الهدى النبوي الشريف ما فيه شفاء النفوس وسلامة  الأبدان، فثبت من حديث أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بربه ويطلب منه الشفاء من أمراض نفسية عارضة وجسمية يبتلى بها الانسان وتصيبه، فتكون سببا في عذاب جسده، ومن هذه الأمراض:

العجز : وهو إصابة الاعضاء والجسد بمرض عضال يؤدي إلى تقاعس العبد عن أداء حقوق الرب والعباد، وعن الواجبات التي كلفه بها الخالق سبحانه.

وهناك نوع من العجز هو عبارة عن العجز عن التوفيق وبلوغ المراد، فالعبد قد يكون صحيح الأعضاء والجسد، يسعى ويكدح، لكنه لا يوفق، وقد تحدث التنزيل عن هذا النوع من العجز، فقال عز شأنه: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لايقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لايات بخير} وقد يكون البكم هنا عدم التوفيق، أي أنه يتكلم لكن كلامه لايجلب عليه إلا الشر، فلا يوفق في أي جهة أو عمل.

الكسل : وهو الخمول والاحباط في العمل، فا لإنسان يعمل لكنه لايتقن ما يعمل أو يعمل عملا خاليا من الإخلاص، فهو عمل شكلي لاروح فيه، وهذا النوع تحدث عنه القرآن الكريم وذمه الحق تعالى في قوله: {وإذ قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس}.

الجبن : وهو ضعف العزيمة وهيبة الإقدام على الفعل حتى في عمل قد ينال منه الخير. ويتميز الجبان بالتراجع والتجرد من الشجاعة. وبالتالي تنعدم فيه صفات الفضائل، ويميل إلى فعل الرذائل، فيتسم بالغدر ونفض العهد، والكيد في الخفاء.

الهرم : وهو بلوغ مرحلة من العمر تضعف فيها القوى والحواس. ويضطرب فيها العقل والفهم.

عذاب القبر: وهو أمر غيبي، لكنه ثابت بالكتاب والسنة.

فتنة المحيا والممات : قد يفتن الانسان بالمال أو بالولد أو بالجمال، او بالجاه والسلطان. فتؤدي هذه الفتن إلى خروجه من منهج الله في الدنيا . فيستوجب عذابه ودخول ناره في الآخرة.

قسوة القلب : هي الغلظة والشدة، فلا يقبل موعظة، ولا يخشى العذاب. . لايرحم ضعيفا، ولايقبل رجاء. {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله}.

العَيْلة : وهي شدة الحاجة والفقر، وعدم سد حاجات العبد بما يوفر حياة طيبة كريمة، {وإن خفتم عَيلة فسوف يغنيكم الله من فضله}

الذلة : هي الهوان والضعة واحتقار الناس.

المسكنة : الخضوع والتذلل للعبيد.

الفسوق : وهو ترك الاستقامة. والانغماس في ارتكاب ا لمعاصي، والوقوع في المحرمات {أفمن كان مومنا كمن كان فاسقا لايستوون}

الشقاق : هو التنازع والاختلاف في الرأي، والخروج على الجماعة، وهو من أشد أنواع العداوة {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}

السمعة : هي أن يفعل العبد أفعالا خيرية يريد بها الشهرة ولايريد بها وجه الله. قال صلى الله عليه وسلم : >من سمّع سمّع الله به<

الرياء : وهو العمل لغير وجه الله تعالى.

الصمم : هو فقدان أكبر نعمة في الوجود هي نعمة السمع التي هي مقدمة على البصر، وهي الحاسة الهامة في حياة الانسان.

البكم : وهو فقدان نعمة النطق التي بمقتضاها يعبر الانسان عما يجيش في صدره وبها يتم التفاهم بينه وبين ابناء جنسه.

الجنون : وهو فقدان العقل الذي بمقتضاه فَضَّل الله تعالى الانسان. ورفع قدره على جميع المخلوقات، بل وسخرها له يستخدمها وينتفع بها كيف شاء بمقتضى  العقل .

الجذام : وهو مرض حسي وآفة فتاكة.

سيئ الخُلق : وهو يجمع جميع الصفات الرديئة السيئة من قسوة وغلظة ومكر وخداع وغيرها.

المعنى باختصار :

الإنسان ضعيف، وعليه دائما أن يستعيذ بالله من كل فتن المحيا والممات حتى يحفظ ظاهراً وباطنا.

ومقابل ذلك على المسلم شكر الله على سلامته من كل الآفات، فشكر نعمة العينين عدم النظر إلى محارم الله. وشكر نعمة الاذنين الاصغاء إلى كتاب الله. وشكر نعمة اللسان ذكر الله به، وشكر نعمة الاعضاء استعمالها في طاعة الله. وشكر نعمة العلم نشره وإذاعته بين الناس وشكر نعمة  الأخوة الاعتصام بحبل الله، وهذه هي العبودية الكاملة لله تعالى، أن نعبده ونشكره بجميع الكليات والجزئيات.

ذ. الحسين فلييو

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *