بارقة : انتخابات أم انتحابات؟


عرفتُ الانتخابات العربية في لبنان وقد طفت مرة على مراكز الاقتراع في سيارة محسوبة على زعيم بجبل الدروز وبيروت والبقاع ولاسيما بقرية القرعَوْن وجب جنين وقب الياس، ورأيت مهزلة الديمقراطية العربية هناك كما شاهدت الديمقراطية في مصر في أول انتخاب للانقلاب المصري، ومازلت أذكر أن الأخ الدكتور عبد الصبور شاهين، وكان عاطلا بل ممنوعاً من الوظيفة، حاول أن يتقدم لتلك الانتخابات فنصحه الأستاذ المذيع أحمد سعيد خطيب صوت العرب بأن يتنازل له مقابل أن يلتزم له بأن يخدم منطقة الإمام الشافعي ويتعاون معه وقال له : أما أنت فلن تنجح لأنك إخواني. واستشارني الدكتور شاهين فنصحته أن يبتعد، فالأمر لا يعدو أن يكون مسرحية ومهزلة واستكشافاً لبقايا الأحرار للزج بهم في السجون. وقد فعل خيراً إذ ابتعد وكانت انتخابات كثيرة وغزيرة الدموع بعد الانتخابات تلك!!

وكلما رأيت انتخابات في بلد متخلف إلا وقلت في نفسي : “سيعقب ذلك انتحابات..” فما العمل وقد طُويت الصحف وجفت الأقلام وتقرر في منتدى الكبار مقدار أحجامنا ومجالات تحركنا وكميات الهواء لتنفساتنا ونوعيات تصريحاتنا ودوائر أفعالنا وصيغ تصريحاتنا! وما قيمة انتخابات في شعوب معظمها جاهلٌ أمي وعاطل وعالة على غيره وجل متعلميها (ولا أقول مثقفيها) كان نكبة على بلده، وعساكرها لاهمَّ لهم إلا الانقلابات والزعامات المأجورة والقيادات المأزورة، واختلطت في خضم معتركاتها السياسية لافتاتُ اليمين بلافتات اليسار حتى أصبحت لا تفرق بين الاثنين وأصبح اختيارنا محصوراً بين الجحيم وسقر كما قال الناظم يعبر عن حيرتنا في هذا الاختيار :

يسارٌ يمينٌ يمينٌ يسارٌ         فإما الحجيمُ وإمّا سقر

ما زلت أذكر كلمة قالها نهرو في هذا النوع من الديمقراطية التي يأنفها الشرفاء والأكفاء والأمناء والأقوياء خلقاً وخبرةً، ويغشاها الطماعون والمغامرون وأصحاب الشهوات أما من يريد خدمة بلده ووطنه والتضحية في سبيل ترقية أمته وتنمية دولته فقليلٌ ماهم، هذا بالنسبة إلى الهند التي تُعَدٌّ دولة ديمقراطية مثالية كما تصفها الدعاية الهندية والمخابرات الغربية.. أما غير الهند من العالم الثالث فالأمر لا يحتاج إلى تحليل..

إن أي انتخابات في بلد من البلدان إذا لم تفرز مجلساً للنواب يختار حكومته باقتراع حُرّ ومسؤول ويراقبها ويحاسبها حسابا شديداً، كما يراقب الإدارة ولاسيما كبارها ويحرص على صرف أموال الدولة فيما يعود على الأمة بالخير ويراقب ميزانياتها وصناديقها ومكاتبها وشركاتها، كما يمنع تبذير أموال الأمة واختلاسها أو تبذيرها، ويهتم بوضع قوانين لصالح الأمة قبل كل شيء، وتنصيب إدارات ذات كفاءة لتنمية الثروات البشرية ولوضع برامج ومناهج تعليمية وثقافية جديرة بتنمية الأمة ووضعها على الطريق المستقيم لاقلاع حضاري سريع وقوي وسليم، وإقامة عدالة شاملة مبرأة من الظلم والعدوان والتجاوز والتلاعب والارتشاء والجهل بالشريعة ومقاصدها السامية، أو القانون المبني على العقل والمصلحة العامة بالنسبة لدولة غير اسلامية، ومن العدالة ألاّ تكون هناك محاكم خاصة يُتَصرَّف فيها حسب الشهوات والنزوات، ومن العدالة جعل السجون محاضن تربية وتأهيل وإدماج في المجتمع الصالح لا مباءة للاجرام والإفساد وانتهاك حرمات الانسانية..

إذا لم يكن مجلس النواب أو البرلمان قادراً على محاسبة الكبير والصغير وحريصاً على مال الأمة وعرضها  وأرضها وكرامة الإنسان، ومؤهلاً ليقود المجتمع نحو التقدم والرفعة ومضحياً بنفسه وأولاده وماله ووقته، عفيفاً زاهداً محتسباً غيوراً، فلا كان البرلمان ولا كانت انتخابات، فإنما هي انتحابات ونوب ونوائب {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..}

د. عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *