كتاب فـي مقال الخلاف الفقهي: دراسة في المفهوم والأسباب والآداب تأليف : الدكتور أحمد بن محمد البوشيخي


تندرج الكتابة في قضايا الخلاف الفقهي ضمن سلسلة الاجتهادات العلمية التي يراوح أصحابها الخطو – كل بحسب جهده ورؤيته ومنهجه – بين الرغبة في تأصيل الفهم المعاصر لمسألة الخلاف في عصر اشتد فيه السجال حول الاختلاف بين المذاهب، تأصيلا يسهم، بهذا الشكل أو ذاك، في التخفيف من حدة  هذا السجال، الذي غالبا ما يؤدي إلى تعميق الهوة بين أبناء الأمة، ويفسح المجال لظهور المعارك الهوائية بين المثقفين والعلماء والمفكرين، التي شغلتنا عن الاهتمام بالقضايا الأساسية التي بها تدرك الأمة مجدها، وتستعيد دورها في الشهادة على الناس، وتمسك الامساك الصحيح ببوصلة الابصار الحضاري، الذي أساسه العلم الصحيح والمعارف القوية.

وإلى جانب هذه الرغبة، هناك رغبة أخرى تتجلى في الإسهام في مسار صحيح ومنهج تنزيل هذا الخلاف على واقع الأمة، الذي تشهد كل الأدلة بتشتته وتعقده وبعده عن الدين الحق، من خلال تجديد الكلام في فقه التنزيل الخاص بهذا المجال.

وتزداد أهميةالبحث في هذا الموضوع إذا ما استحضرنا-هاهنا- ما أفرزته التركيبة الحضارية المعاصرة من اجتهادات تتوزع بين قائل بالحرية المطلقة للمجتهد، استنادا إلى أن الاختلاف قد سُدّ بابه، و أن على الأمة أن تتبع أحد الأئمة دون غيره.

من هنا تتبين أهمية الاهتمام بهذا الفن من العلوم الشرعية، الذي قال فيه ابن السبكي رحمه الله >إذا لم يعرف الخلاف والمأخذ، لا يكون فقيها إلى أن يلج الجمل في سم الخياط، وإنما يكون رجلا ناقلا (…) حامل فقه إلى غيره، لا قدرة له على  تخريج حادث بموجود، ولا قياس مستقبل بحاضر، ولا إلحاق شاهد بغائب، وما أسرع الخطأ إليه، وأكثر تزاحم الغلط إليه، وأبعد الفقه لديه<(1).

في هذا السياق، صدر للدكتور أحمد بن محمد البوشيخي كتابه الموسوم (الخلاف الفقهي، دراسة في المفهوم والأسباب والآداب) في محاولة علمية جادة ورزينة لتأصيل القول في هذا المجال، مفهوما وآدابا، وتجديد البحث في أسبابه وتطوره.

خطة الكتاب

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول، يتضمن كل فصل جملة من المباحث والمطالب، هذا بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة وفهرس المصادر والمراجع وفهرس المحتويات. وهكذا جاء الفصل الأول خاصا بالحديث عن الخلاف الفقهي، من خلال تعريفه في اللغة والاصطلاح، وبيان أنواعه، ونشأته وتطوره، منذ عصر النبوة إلى عصر التقليد والتعصب المذهبي.

أما الفصل الثاني، فجعله المؤلف خاصا ببيان أسباب الاختلاف الفقهي المشروع، فجاء المبحث الأول لمناقشة الاختلاف في ثبوت النص أو عدم ثبوته، والمبحث الثاني للكلام عن الاختلاف في فهم النص بعد ثبوته،  والمبحث الثالث عن الاختلاف في قواعد تفسير النص، في حين جعل المبحث الرابع، خاصا بالحديث عن الاختلاف في بعض الأصول والمصادر الاستنباطية، وفيما سكت الشرع عنه. أما المبحث الخامس فجعله للحديث عن الاختلاف بسبب تعارض الأدلة، في حين جعل المبحث الأخير للكلام عن اعتناء العلماء بالتأليف في أسباب الاختلاف.

وفي الفصل الثالث، تحدث المؤلف عن أهمية الخلاف الفقهي، والموقف من نتائجه، وبعض  آداب المناظرة فيه. وهكذا جعل المبحث الأول للحديث عن هذه الأهمية، والمبحث الثاني لبيان الموقف منه، سواء من جهة تفهمه والتسليم به، أو من جهة العمل بنتائجه، أو من جهة الإنكار في مسائله، في حين جعل المبحث الثالث والأخير مجالا لبيان بعض آداب المناظرة في الخلاف الفقهي.

نصوص مختارة من الكتاب

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب “إن الخلاف الفقهي الواقع من أهله في محله، ليمكن الناظر فيه من أصول المذاهب وقواعدها، ومن معرفة مثارات اختلاف الفقهاء ومواطنها، وأنواع الأدلة، ومراتب قوتها، ومسالك العلة ودروبها،  ووجود الاعتراضات وكيفية إبرامها ونقضها. كما يمكنه من معرفة مواقع الإجماع  والاختلاف، ومرامي النصوص، ومقاصد الشرع، وقواعد الترجيح، فتحصل له بذلك ملكة الاستنباط،  ويترشح لأن يبلغ درجة الاجتهاد التي تجعله جديرا بأن يتبين له الحق في كل نازلة تعرض له، قادرا على إيجاد الحلول المناسبة لكل ما يستجد في الحياة من وقائع  وأحداث،  وتقنين ما يلزم لتطوير ما يقبل التطوير من النظم والتشريعات، من غير إخلال بالإطار العام للأصول الثوابت القطعيات، سواء في مسائل الفروع أو الاعتقادات”. ويقول، كذلك: “إن الناظر في ما انتهى إليه اجتهاد المختلفين في مسائل الخلاف إما أن يكون مجتهدا قادرا على الاستقلال بالنظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها. وهذا الواجب في حقه أن ينظر لنفسه، ويتبع ما أدى إليه اجتهاده، لأن المجتهد لا يقلد غيره، سواءعند من قال بالتصويب أو التخطئة. وإما أن يكون غير مجتهد إلا أنه يستطيع تمييز صحيح الأدلة من سقيمها، ومعرفة ما يصح، وما لا يصح الاحتجاج به منها،  وهذا له أن ينظر فيما اختلف فيه، ويعمل منه بما ترجح لديه، مع احترام رأي غيره فيما خالفه فيه.

وإما ألا يكون له قدرة على النظر في الأدلة،  وهو العامي ومن في حكمه  من المتعلمين، وهذا ليس له أن ينظر في مسائل الخلاف، ولا يسعه إلا أن يقلد إما مذهبه، إن كان يلتزم مذهبا معينا، أو أي عالم من العلماء المعتبرين إن كان لم يكن كذلك، ومذهبه حينئذ هو مذهب مفتيه” (ص: 120).

ويقول في موضع آخر “إن الخلاف الفقهي إذا كان الباعث عليه طلب الحق وتحري مقصود الشارع، وقام نتيجة أسباب  موضوعية أوجبته، وعلل صحيحة أوجدته، ووقع من أهله، وهم ذوو الفقه والبصيرة في الدين، وفي محله، وهو أحكام المسائل الفرعية التي ليس فيها نص قطعي أو لا نص فيها أصلا، إذا كان  الخلاف على هذا الوجه الذي ذكرنا، فإنه يكون سائغا مشروعا، بل يعد من محاسن الشريعة، لأنه يمنح الفقه الإسلامي مرونة تجعله قادرا على استيعاب أحكام ما يستجد في الحياة من وقائع وأحداث،  وتقنين ما يلزم لتطوير ما يقبل التطوير من النظم والتشريعات، من غير إخلال بالإطار العام للأصول والثوابت، سواء في مسائل الفروع، أو الاعتقادات” (ص: 18-19).

وأما إذا وقع هذا الخلاف “من غير أهله في غير محله، وكان الباعث عليه الهوى، أو التعصب أو الجهل، أو المكابرة، فهو خلاف محرم ممنوع منهي عنه في الكتاب والسنة، وعليه يحمل قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا،  واختلفوا من بعدما جاءهم البينات} (آل عمران : 105)، وقوله عليه السلام : >ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا<(رواه البخاري) ، وكذا معظم النصوص القرآنية والحديثية الواردة في النهي عن الاختلاف” (ص: 24 ).

ويقول في باب آداب المناظرة في الخلاف الفقهي: “إن الأصل في المناظرة في الخلاف الفقهي أنها تعاون بين المتناظرين من أجل الوصول إلى الحق، وذلك بتبصير كل واحد منهما صاحبه بما غلب على ظنه وترجح لديه أنه الصواب، والأخذ بيده عن طريق الاستدلال الصحيح للوقوف على ذلك، قياما بما يجب على المسلم لأخيه المسلم من المحبة والنصح والتعاون على البر والتقوى. ولذلك، فالمطلوب فيها أن تكون  بعيدة عن الهوى، والتعصب والانفعال، وبالتي هي أحسن من الآداب  والأدلة والأقوال” (ص: 121).

عرض : ذ. عبد العزيز انميرات

—–

1 – الخلاف الفقهي: دراسة في المفهوم والأسباب والآداب، تأليف الدكتور  أحمد بن محمد البوشيخي، أستاذ  الفقه المقارن بالسلك الثالث بكلية الآداب – بفاس وعضو رابطة علماء المغرب.يتكون الكتاب من 139 صفحة من الحجم المتوسط. الطبعة الأولى: 2002.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *