أنور الجندي.. رجل بكته الأرض والسماء


توفي الكاتب الإسلامي المرموق الأستاذ أنور الجندي، هذا الرجل الذي عاش للإسلام وعاش بالإسلام، عاش للإسلام ينافح عنه، ويدافع عن مبادئه، لم يتوانَ يوما في الذود عن حياضه، وكشف زيف من يحاربونه وإن تستروا بأستار تنطلي على كثير من الناس.

يحكي الأستاذ أنور الجندي أن أول من شجعه على الكتابة المنتظمة، الإمام الشهيد حسن البنا، وذلك عندما كان الأستاذ أنور معه في رحلة الحج في الأربعينيات، ثم طلب منه الأستاذ البنا أن يكتب خاطرة عن الحج، فكتب الأستاذ أنور خاطرة، يقول عنها: أعجب بها البنا أيما إعجاب، ثم قال لي: لماذا لا تستمر في الكتابة، إن لك قلما رشيقا، ومن الممكن أن يكون من الأقلام القوية إذا مرنته على الكتابة، واستمر عليها.

لقد أثر البنا تأثيرا كبيرا في أنور الجندي، حتى إنه من شدة تأثره به وضع صورة كبيرة للبنا في غرفة مكتبه، ولما سئل عن ذلك قال: أحب أن أرى هذا الرجل العظيم دوما، فرؤيته تمدني بهمة شديدة. كما أن حبه للبنا بلغ مبلغا شديدا لذا حرص الأستاذ أنور الجندي على أن يسكن قريبا من المركز العام، ليستمتع بسماع البنا في حديث الثلاثاء، ويكون على مقربة من أستاذه حسن البنا، وبلغ به تأثره بالبنا أن كتب كتابا كاملا عنه بعنوان: (حسن البنا الداعية المجدد والإمام الشهيد) ثم كتب بعد ذلك كتابا عن دعوة البنا تحت عنوان: (الدعوة الإسلامية في مواجهة التحديات) بين في مقدمة كتابه أنه يقصد بالدعوة هنا: دعوة الإخوان المسلمين.

وظل يكتب الأستاذ أنور الجندي مقالات متعددة المجالات في مجلة (الإخوان المسلمون) الأسبوعية، التي كان يصدرها المركز العام للإخوان المسلمين، وكان رئيس تحريرها الأستاذ صالح عشماوي رحمه الله، ومن هذه المقالات سلسلة مقالات كتبها الأستاذ الجندي عن (الرجولة المؤمنة) عام 1942م، ثم ناقشه فيها الأستاذ أحمد أنس الحجاجي وهو من كتاب المجلة ومن تلامذة حسن البنا، ويجمع بينه وبين الأستاذ أنور شيء علمي، فقد كتب الأستاذان كتابين عن حسن البنا: الأول بعنوان: روح وريحان للحجاجي، والآخر للأستاذ الجندي بعنوان: حسن البنا الداعية المجدد والإمام الشهيد. ولما كتب الأستاذ الحجاجي نقده للأستاذ الجندي حول مقالات (الرجولة المؤمنة)، وطال الرد بينهما أوقف الأستاذ حسن البنا النقاش بينهما، حتى لا يصل إلى الجدال المنهي عنه، وكان ذلك من منهج البنا رحمه الله.

ثم توالت كتابات الأستاذ الجندي تصدر تباعا، وكان من أول ما كتب قبل الثورة، كتابه: (اخرجوا من بلادنا) يقصد بذلك الإنجليز، وقد سجن بسبب الكتاب، ثم خرج من سجنه.

رغم المعافاة الثبات طريقه

ولما أتت محنة الإخوان المسلمين في سجون عبد الناصر، عافاه الله منها ومن أتونها، وكان ذلك من حكمة القدر حتى لا تخلو ساحة الدعوة من داع، فكان الغزالي يصدح بالحق على المنابر وفي الكتب، وكان أنور الجندي يبين الحق ولكن دون أن يكون اتجاهه الإسلامي بارزا، فقد كان يكتب في المجلات غير الإسلامية تراجم لقادة التحرر والثورة ذوي التوجه الديني، كعمر المختار وعبد القادر الجزائري، وغيرهما، وذلك في مجلة (المجتمع) المصرية ذات التوجه الاشتراكي في فترة الخمسينيات والستينيات. ويقول عن هذه الفترة: (لقد كان من إيماني أن يكون هناك صوت متصل، وإن لم يكن مرتفعا بالقدر الكافي ليقول كلمة الإسلام ولو تحت أي اسم آخر، ولم يكن مطلوبا من أصحاب الدعوات أن يصمتوا جميعا وراء الأسوار).

ولعل الأستاذ الجندي بذلك يعتذر عن كتابته في مثل هذه المجلات، التي لم يكن توجهها إسلاميا، ولكن ما ذنبه وكل صحيفة تصدع بالحق مصادرة، وكل داعية يعلن بدينه مصيره وراء قبضان سجون ومعتقلات عبد الناصر. وقد بلغ به التستر وعدم الظهور بحقيقة موقفه من دعوة حسن النبا، أن طلب منه أن يكتب مقالا يهاجم فيه جماعة الإخوان المسلمين، وكان ذلك موضع اختبار له، فإن رفض أخذ برفضه وكشف ما أخفاه عنهم، وإن قبل فقد خان الدعوة التي تربى على يد إمامها ومؤسسها، وقد أخرجت وزارة الأوقاف المصرية كتابا تحت عنوان: (رأي الدين في إخوان الشياطين)، وقد كتب فيه الأستاذ الجندي مقالا لم يهاجم فيه دعوة الإخوان كما فعل غيره، ولكنه بحنكة الداعية الأريب كتب مقالا يهاجم فيه الإرهاب بصفة عامة دون أدنى إشارة للإخوان المسلمين من قريب أو بعيد، ولعل أحدا لا يشارك الأستاذ الجندي الإنصاف في الكتابة في هذا الكتاب، اللهم إلا الدكتور أحمد شلبي، الذي كتب كتابة منهجية لم يهاجم فيها الإخوان، إنما فعل مثل ما فعل الأستاذ الجندي، وقد كان يعتز بذلك الدكتور شلبي أنه لم يداهن عبد الناصر، ولم يلب دعوة وزارة الأوقاف في الطعن في الإخوان، وتلك فتنة قل من يخرج منها دون أذى من الدعاة.

كما كان للأستاذ الجندي ميول أدبية، وقد برز ذلك في كتابه: (المعارك الأدبية) والذي طبعته مكتبة الأنجلو بالقاهرة، وإن اهتم فيه بالجانب التاريخي لهذه المعارك أكثر من أي جانب.

اهتمت كتابات الأستاذ الجندي بكشف الزيف والأباطيل التي راجت وانطلت على الكثير من المثقفين، فأخذ يحذر من كتب طفحت بالسموم والزيف، فكتب كتابه (سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية) محذرا من كتب لا يعتمد عليها في التاريخ ولا في الدين، منها كتاب (الأغاني) وكتاب (كليلة ودمنة) وغيرهما من الكتب.

كما حذر من كتَّاب اشتهروا بيننا بالكتابات الإسلامية، فحذر من كتابات محمد حسين هيكل وما يعتريها من تفكير مادي، وكتب طه حسين وما يعتريها من تزييف لحوادث التاريخ، وكتب جورجي زيدان وما تطفح به من سموم ضد الإسلام، وأحقاد ضد حضارته وتراثه، ثم بين الدعاة الأصلاء من الدخلاء، وذلك في كتابه (اليقظة الإسلامية في مواجهة التغريب).

كما حذر رحمه الله من رموز سياسية أحاطتهم الأمة بهالة من التوقير، فكشف موقفهم من الإسلام وقيمه.

الزهد طريقه والآخرة غايته

عاش الأستاذ أنور الجندي للإسلام كما رأينا، وعاش بالإسلام وأخلاقه، فقد كان من خلق الرجل ـ كما حدثني من عاشروه ـ أنه لم يكن يعنى بجمع المال، ولو أراد ذلك لفعل فقد كان للأستاذ حضور في عدد من صحف الخليج وغيرها، على رأسها مجلة (منار الإسلام) الظبيانية، فقد كان يكتب فيها مقالا ثابتا في باب ثابت له عنوانه (في ميزان الإسلام). وقد نشرت المجلة في أحد أعدادها إعلانا تطلب منه أن يوافيهم بآخر عنوان له حتى ترسل له مكافأته على الكتابة في المجلة. وتشكو المجلة من تراكم مستحقاته المالية عندهم.

كما حدثني أحد الإخوة العاملين في شركة (سفير) أنهم عندما كانوا يكتبون دائرة المعارف التي أصدرتها الدار، وقد كلفهذا الأخ بمتابعة الأستاذ أنور في إشرافه على بعض مواد الموسوعة، أن الأستاذ أنور رفض تقاضي أي قدر من المال.

وحدثني الأستاذ محمد علي دولة صاحب دار القلم بدمشق أنه في يوم من الأيام ذهب إليه الأستاذ أنور الجندي بكتاب جديد له لينشره، وقد عرض عليه الأستاذ أنور مالا ليطبع به الكتاب! فقال له الأستاذ دولة: يا أستاذ أنت المؤلف، والمفروض أن تأخذ أنت لا تدفع، ويبدو أن الأستاذ أرهق من سوء المعاملة المادية من بعض دور النشر، وهذا ما لم ينج منه مؤلف إلا القليل.

وحكت لي ابنته السيدة فايزة أنور الجندي، أنه كان يصحبها معه دوما في محاضراته التي تحضرها النساء، ولما سئل عن ذلك من النساء ـ وذلك في العهد الناصري ـ يقول مازحا: إن ابنتي محرم لي بينكن!

كان الأستاذ أنور الجندي يحترم عقلية القارئ الذي يقرأ له، وكان لا يقدم على كتابة كتاب إلا إذا رأى فائدة ترجى من ورائه، وكان لا يقدم علىكتابة موضوع أو إبداء رأي إلا إذا كان ملما به إلماما كاملا، وأذكر مرة أن جريدة (المسلمون) السعودية قد أجرت حوارا بين عدد من الدعاة عن الإرهاب، وذلك بمناسبة حوادث الإرهاب والتطرف في مصر، وأدلى كل من سئلوا في الموضوع بدلوهم، ما بين من تكلم عن علم بالموضوع، وما بين من تكلم دون إلمام به، وكان من بين من سئلوا الأستاذ أنور الجندي، فرفض الإجابة عن الأسئلة، وعلل ذلك بأنه لم يتصور الحادثة جيدا، وأنه غير ملم بالموضوع إلماما يجعله يتكلم فيه ويجزم برأي.

كانت أول مرة ـ وآخر مرة ـ رأيت فيها الأستاذ أنور الجندي، في شهر ديسمبر 2001م، عندما اتصل بي أحد الدعاة إلى الله يصف حالة الأستاذ الجندي، وما وصل إليه من تدهور في صحته، وقلة في المال، جعلته لا يجد تكلفة علاجه، وهذا كثيرا ما نسمع به عن علمائنا ودعاتنا، وللأسف في الوقت الذي تعالج فيه الدولة الفنانين والفنانات الذين ملئوا الدنيا بفسادهم، كما رأينا عددا من الدعاة رفضت الدولة معالجتهم على حسابها، وذلك لوقوفهم في مواقف معارضة لها، وما كانت مواقفهم عن هوى، وماذا كان يسعهم إلا أن يقولوا الحق أينما كان ولا يبالون ما يكون وراءه!

والغريب أن الأستاذ لم يكن لديه حساب في البنك، لأنه لا رصيد له أصلا، فالرجل كان ينفق ريع كتبه القديمة -التي بلغت المائة كتاب- على كتبه الجديدة ليساعد في نشرها، وحتى لا يقف نشرها عند قلة المورد المالي، وهذا يضاف إلى خلال الرجل.

رحم الله الأستاذ أنور الجندي، جزاء ما قدم لأمته، وعوضها الله خيرا في مصابها، فإن المصاب ـ حقا ـ جلل، وإنا لله وإنا إليه راجعون

< عصام تليمة  <

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *