الإنفاق في سبيل الله


الإنفاق هو ثالث قواعد الإسلام، والقيام به شعار المسلمين الصادقين دليله قوله تعالى : {والذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وأَقَامُوا الصّلاَةَ وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(الشورى : 38). وتركه شعار المشركين والمنافقين قال تعالى : {وَوَيْلٌ للمُشْرِكِينَ الذِينَ لا يُوتُونَ الزَّكَاةَ وهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}(فصلت : -6 7) ذلك أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وتحقيق عزتها وتأصيل العلم فيها ولا يكون ذلك إلا بالعناية بثروتها المادية وهو ما يطلق عليه الآن الاقتصاد وهو علم وفقه الأموال من حيث الموارد والمصارف في شتى المعاملات.

معنى الإنفاق : الانفاق هو صرف المال إلى ذوي الحاجة أو لسد الحاجة.

قال الجرجاني في التعريفات : (الانفاق هو صرف المال إلى الحاجة)(ص : 1)، وقال ابن منظور في لسان العرب : (وأنفق المال : صرفه، وفي التنزيل : وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، أي أنفقوا في سبيل الله وأطعموا وتصدقوا(1)، فجاء معنى بذل المال في القرآن بلفظ الإنفاق وألفاظ أخرى وهي الزكاة والصدقة والإطعام.

معنى المال : المال في اللغة -كما قال ابن منظور- ما ملكته من جميع الأشياء.. قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثر اموالهم(2) وهكذا يتراوح مدلول المال بين التخصيص والتعميم باللغة.

والمال شرعا هو كل ما “فيه منفعة مقصودة مباحة شرعا لغير حاجة أو ضرورة، وله قيمة مادية بين الناس”(3) فيشمل المال كل ما فيه نفع سواء كان نقداً أو عيناً أو كان بذاته نفعاً.

أنواع الإنفاق : من الإنفاق ما هو واجب ومنه ما هو تطوع، ويدخل في الإنفاق الواجب: الواجب العيني والواجب الكفائي. فالواجب العيني أو الفرض العيني فهو حق حدده الشارع لازم لذمة المكلف مترتب عليه دينا حتى يخرج عنه كمقادير الزكوات والدليل على ذلك التحديد والتقدير، فإنه مشعر بالقصد إلى أداء ذلك المعين، فإذا لم يؤده فالخطاب باق عليه، ولا يسقط عنه إلا بدليل(4). والانفاق الواجب من حيث كونه فرضا كفائيا، وهو غير محدد. إذ جعل بقصد سد الخلات، ودفع حاجات المحتاجين، وما تفرضه عموما المصلحة الشرعية الضرورية أو الحاجية “فإذا قال الشارع : {أطعموا القانع والمعتر} أو قال : {أكسوا العاري}، أو {انفقوا في سبيل الله} فمعنى ذلك طلب رفع الحاجة في كل واقعة بحسبها، من  غير تعيين مقدار، فإذا تعينت حاجة تبين مقدار ما يحتاج إلىه فيها، بالنظر لا بالنص”(5).

وإنفاق التطوع وهو الذي فسر به قوله تعالى : {ويَسْألُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ}(البقرة : 219) لدى جمهور العلماء كما حكاه القرطبي(6)، وذهب غيرهم إلى تأويل العفو بكونه فرضا كفائيا(7)، قال الطاهر بن عاشور في تحريره : “فمن الانفاق ما هو واجب ومن الانفاق تطوع وهو ما فيه نفع من دعا الدين إلى نفعه”(ص : 235).

فضل الإنفاق : إن فضل الانفاق يتجلى في آثاره الجليلة على الفرد والمجتمع وفي الجزاء الحسن من لدن الحكيم الخبير. ونجمل آثاره فيما يلي : أ- آثاره على الفرد :

-1 صون ماله وحفظه وتنميته.

-2 تطهير نفسه من البخل والشح.

-3 نيل رضا وصحبة الناس وخالق الناس.

ب- آثاره على المجتمع :

-1 سد حاجات الناس.

-2 تحقيق مصالح اجتماعية وثقافية واقتصادية.

-3 الدفع بالتنمية الاقتصادية إلى أعلى مستوياتها.

-4 تماسك المجتمع وسيادة الأمن والاستقرار.

-5 توفر ظروف التقدم وشروط التحضر.

وأخيرا نختم بكلمات رقيقة لسيد قطب قال رحمه الله : “فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور يوم يحتاجون إلى الرصيد يوم يحشرون مجردين من كل ما يهلكون فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور فإذا بخلوا بالبذل فإنما يبخلون على أنفسهم.

إن الإيمان هبة ضخمة لا يعدلها في هذا الوجود شيء والحياة رخيصة رخيصة والمال زهيد زهيد حين يوضع الإيمان في كفة ويوضع في الكفة الأخرى كل ما عداه”(8).

ذ. محمد الحفظاوي

—–

-1 المجلد العاشر (ق.ك) ص .358   //  -2 لسان العرب : المجلد الحادي عشر (ل) ص : -635 .636  //  -3 معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء د. نزيه حماد، ص .237 // -4الموافقات للامام الشاطبي، المجلد الأول، ص .111  // -5 الموافقات للشاطبي، ج 1 ص .112  // -6 الجامع لأحكام القرآن، .62/2  //  -7 انظر كتاب إنفاق العفو في الاسلام، ليوسف ابراهيم، كتاب الأمة 36، ص .58  //  -8 في ظلال القرآن، سيد قطب، .474/7

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *