“قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر”


التآمر على سرقة جثة النبي(ص)

إن للاسلام تعاليم أساسية، أولها : الجهاد في سبيل الله، وفي ضمنه المبايعة على الموت أو النصر، وقد كان الموت في سبيل الله غنيمة تمناها كثير من الأسلاف العظام فلم ينالوا شرفها، وإن كان لهم من المواقف ما أنالهم أجرا ومجدا باقيا ببقاء التاريخ.

الجهاد والمبايعة على الموت طريق المومنين الواضح، ومن لم يسلكه فهو دعي في الاسلام.

وهؤلاء الأدعياء الذين يكرهون الموت والجهاد، هم الذين تسببوا في إثقال الأمة بالمهلكات، وإغماض العين عن دعايات السوء، وإشاعة الخرافات، والانخداع بمظاهر الصلاح الخادع الذي يعمل على تخريب المسلمين من الداخل بإغرائهم بالمال، واستمالتهم بالأطماع التي تفتح الطريق لانتهاك المقدسات. وهذه القصة خير دليل على الغفلة.

نقل صاحب تاريخ الخميس أثناء خلافة المستنجد بالله العباسي ما نصه بالحرف : في سنة سبع وخمسمائة عمل الملك نور الدين الشهيد محمود خندقا حول الهجرة النبوية مملوءا بالرصاص على ما ذكره في الوفاء، وسبب ذلك أن النصارى خذلهم الله دعتهم أنفسهم في سلطنة الملك المذكور إلى أمر عظيم، ظنوا أنه يتم لهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجد يأتي به في الليل، وأوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده فرأى النبي(ص) في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول :  أنجذني أنقذني من هذين، فاستيقظ فزعا ثم توضأ وصلى ونام فرأى  المنام بعينه ثانيا، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضا مرة ثالثة، فاستيقظ وقال : لم يبق نوم، وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي، فأرسل إليه ليلا، وحكى له جميع ما اتفق له فقال له : وما قعودك؟ أخرج إلى المدينة النبوية، واكتم ما رأيت، فتجهز في بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرا، وفي صحبته الوزير المذكور ومال كثير، فقدم المدينة في ستة عشر يوما، فاغتسل خارجها ودخل فصلى في الروضة، وزار ثم جلس لا يدري ما ذا يصنع، فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد : إن السلطان قصد زيارة النبي(ص)، وأحضر معه أموالا للصدقة، فاكتبوا من عندكم فكتبوا أهل المدينة كلهم، وأمر السلطان بحضورهم، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها له النبي(ص)، فلا يجد تلك الصفة فيعطيه ويأمره بالانصراف، إلى أن انفضت الناس فقال السلطان : هل بقي أحد لم يأخذ شيئا من الصدقة؟ قالوا : لا، فقال : تفكروا وتأملوا، فقالوا : لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان لأحد شيئا وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج، فلما سمعه السلطان انشرح صدره وقال : علي بهما فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار إليهما النبي(ص) بقوله “أنجدني أنقذني من هذين” فقال لهما من أين أنتما؟ فقالا من بلاد المغرب، جئنا حاجين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند ر سول الله(ص)، فقال أصدقائي، فصمما على ذلك، فقال : أين منزلهما؟ فأخبر أنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة، فأمسكهما، وحضر إلى منزلهما، فرأى فيه مالا كثيرا وختمتين وكتبا في الرقائق، ولم ير فيه شيئا غير ذلك، فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير، وقالوا : إنها صائمان الدهر، ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة، وزيارة النبي(ص)، وزيارة البقيع كل بكرة، وزيارة قباء كل سبت، ولا يردان سائلا قط بحيث سدا خلة أهل المدينة في هذا العام المجدب، فقال السلطان : سبحان الله! ولم يظهر شيء مما رآه، وبقي يطوف في البيت بنفسه، فرفع حصيرا في البيت فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة، فارتاعت الناس لذلك، وقال السلطان عند ذلك : أصدقائي حالكما، وضربهما ضربا شديدا، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة، وأمدوهما بأموال عظيمة، وأمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيلته لهم أنفسهم، وتوهموا أن يمكنهم الله منه، وهو الوصول إلى الجناب الشريف، ويفعلوا به ما زينه لهم إبليس في النقل، وما يترتب عليه، فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة، وهو الرباط المعروف برباط المراغة، وفعلا ما تقدم وصارا يحفران ليلا، ولكل منهما محفظة جلد على زي المغاربة، والذي يجتمع من التراب يجعله كل واحد منهما في محفظته، ويخرجان لإظهار زيارة قبور البقيع فيلقيانه بين القبور وأقاما على ذلك مدة. ونقل الخميس أيضا هذه الحكاية عن الجمال المطري وهي كالسابق إلا أنهما كانا يضعان التراب في بئر عند دار آل عمر بن الخطاب، وتعرف اليوم بدار العشرة، وأوضح أن الحفر كان من تحت الجدار القبلي، ثم أن المذكورين أحرقهما نور الدين في النار، ثم بدأ في بناء الخندق الرصاصي حول القبة الشريفة. ولا مانع أن يكونا يضعان التراب تارة في البقيع وهو الأكثر، وتارة في البئر حسب اقتضاء الظروف.

وأورد هذه القصة الأسنوي في كتابه : نصيحة أولي الألباب في منع استخدام النصارى كتاب، وأما الشريف السمهودي المتوفي سنة 911هـ صاحب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى فقد علمت أن صاحب الخميس نقلها عنه.

وهذه الحكاية واقعة بلا شك وسواء أكان الوقوف عليها من طريق الرؤيا أم كان من غيرها فإن فيها عبرا كثيرة لمن كان له عقل وإدراك، فهي :

1-           تخبرنا عن سعي الأعداء المواصل في أذية المسلمين حتى نقل جسد رسول الله(ص).

2-           أنهم يخدعون المسلمين بالصدقات وإنفاق الأموال الكثيرة وبالمواظبة على الصلوات والأذكار وبإظهار الزهد والتعفف فهذان الشقيان وجدا في محلهما نسختان من القرآن العظيم، وكتب وعظ ورقائق يوهمان المغفلين أنهما على تقوى من الله، وهذا هو الذي نبحث عنه ونحذر المؤمنين منه.

3-           الشقيان لم يعرفا الكلل ولم يهابا الموت والأخطار التي تحف بهما ولم يباليا بالعقبات فتحملا مشقات كثيرة طبعا، حتى قدما أرض الحجاز وتمكنا من احتلال البقعة الملائمة لغايتهما وبدءا يحفران ليلا من غير أن يشعر بهما أحد، ويضعان التراب في محفظتهما بدون ملل من طول المدة ومرور الأيام ولم قبض عليهما لم يعترفا إلا بما هو مشاهد محسوس لا فائدة من الإقرار به، وهو أنهما نصرانيان جاءا بمعونة حزب أمدهما بالمال العظيم لينقلا جسد رسول الله(ص)، ولم يصرحا عن اسم المرسل ولم يبينا كيفية وصولهما، ووصول المال إليهما تباعا، وهكذا تكون المفاداة، فليعتب المسلمون، وليتعلموا الغيرة الدينية من أعداء الدين.

4-           ثم إن العبرة التي ينبغي أن يأخذها الإنسان من هذه الحكاية أيضا أن رسول الله(ص) قد حفظه الله في صورة مادية وهي أن أتى السلطان من بلاد بعيدة ومسك الشقيين ، وأحرقهما في النار لتجري سنة الله في الكون، وهي حصول نتائج للأشياء من أسباب مادية، وإلا فإن الله قادر على أن يمنع رسوله بقوة معنوية، لكن دين الإسلام دين العمل، ودين السعي قال تعالى : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فليس دين الإسلام دين الأماني، ولا دين الخيالات البعيدة الوقوع.

انظر سر انحلال الأمة العربية ووهن المسلمين ص : 164-168

 لمحمد سعيد الغرفي.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *