التصريح الحكومي بين مؤاخذات الأحزاب واحتياجات المواطن 


طبقا لمقتضيات”الجديد” في الدستور المعدل، تقدم الوزير الاول ببرنامج حكومته الى البرلمان يوم الثلاثاء 23 نونبر1993، لمناقشته والمصادقة عليه بعد ذلك، خلال ايام: 25- 26- 27 نونبر1993، والتي تقدم فيها  النواب رؤساء الفرق والاحزاب السياسية بآرائهم في الموضوع، ولاجل تقريب القارئ اكثر الى ماطرح من اقتراحات وماساد من تعقيبات، قررنا بسط اهم المؤاخذات التي آخذها المتدخلون على “البرنامج” المقدم ونصيب تلبية احتياجات المواطن منه.

وقد قسمنا الموضوع إلى :

– مؤاخذات معلنة وأخرى مسكوت عنها.

– واحتياجات المواطن المغربي.

المؤاخذات  على  التصريح  الحكومي

سياسيا:

– التصريح الحكومي المقدم فضفاض، يتضمن نوايا ووعودا معسولة، ولايرقى بالتالي الى مستوى البرنامج الذي يقتضي ” التحليل الشامل والدقيق للاوضاع القائمة “.

– لادستورية الحكومة، ومسؤوليتها عن فشل الانتخابات.

– الديموقراطية وحقوق الانسان سمتان للمجتمعات المعاصرة، وعلى اساسهما يتعامل في الحقل الدولي، فماذا حققنا في هذا المجال ؟

اقتصاديا:

– لمعالجة المشاكل الكبرى التي يعيشها الشعب المغربي، لابد من التشخيص الدقيق والنزيه لحالة البلاد في جميع مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

– في السياسة الاقتصادية والمالية حدد التصريح ثلاثة اهداف كبرى: تحديد العجز المالي؛ مراقبة التضخم؛ تنمية الاستثمار والتشغيل. لكنه لم يشر الى الاستراتيجية التي تمكنه من بلوغ هذه الاهداف، وتحقق بالتالي التوازن المرغوب فيما بين هذه العناصر.

– السياسة المتبعة الى حد الآن كانت لها انعكاسات على المقاولة المغربية بسبب ثقل الضرائب وارتفاع فائدة القروض، وسقوط الحمائية، وعدم التزام الدولة بوعودها نحوها وتعقد المسطرة الادارية.

– لتطوير الاستثمار وتشجيعه يجب خلق حوافز فعلية وحقيقية لجلب المستثمرين ، من جملتها التوفر على ادارة فعالة وسليمة من شوائب المحسوبية والرشوة والرتابة القاتلة والفساد.

– ماذا عن السياسة الحكومية؟ وما هو سلوك الحكومة في هذا الميدان ؟

اجتماعيا:

– امتثال الحكومة المغربية لنصائح ووصايا صندوق النقد الدولي في اتباعها سياسة التقويم الهيكلي، ولكن ماذا عن وصاياه في الجانب الاجتماعي؟

– “ميثاق اجتماعي” مطمح الجميع، ولكن له شروط.

– الحوار! وتلبية مطالب الشغيلة المغربية.

– نعم لمدونة الشغل…ولكن مشكلتنا في التطبيق.

– تفاحش البطالة: 5 ملايين شخص، 150 ألف من حملة الشهادات.

ماذا عن البونامج الاستعجالي لحل هذه المعضلة،  وماذا اعدت الحكومة لها في المستقبل؟

– النقص في اشباع الحاجيات الاساسية: 7 ملايين شخص يعيشون تحت حالة الفقر.

– نقص التغطية الاجتماعية والخدمات الصحية، 15% فقط يستفيدون من الضمان الاجتماعي.

– ماذا عن التعليم والصحة والسكن، وعمالنا في المهجر، والصناعة التقليدية…؟ كيف يمكن ادراك هذه الغايات، وماهي الوسائل المتوفرة، والآجال المحددة لذلك ؟

– ماذا عن التنمية القروية؟ اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا؟

 السياسة  الخارجية:

– العلاقات مع السوق الاوروبية المشتركة، وقضايا المغرب العربي، الشرق العربي.

– موقفنا من مسلمي البوسنة والهرسك…؟

– قضية الصحراء، ومشكل المحتجزين بتندوف، والضغط على المغرب للتفاوض مع البوليساريو؟

– قضية سبتة ومليلية، وضرورة التحضير من الآن، قصد استرجاعهما على الاكثر مع نهاية هذا القرن.

المسكوت  عنه  في  التصريح  الحكومي

– الغلاف المالي المعلن عنه في مارس الماضي كاعانة للفلاحين (600 مليار) ؟

– مشروع تنمية  الشمال؟ ماذا صرف؟ وكيف ؟ والباقي اين هو؟

ماذا عن الجماعات المحلية بعد التقسيم، ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ والوسائل والامكانات المتوفرة لها؟

– الفترة الانتقالية: شرعت الحكومة فيها اكثر مماشرعت لما كان البرلمان موجودا: قانون العمال؛ مدونة الاحوال الشخصية؛ القانون التنظيمي للمالية…كان من المفروض ان تعرض هذه القوانين على المؤسسة التشريعية.

– التراجع المسجل في الانتاج الاقتصادي، في ميزان الاداءات، في الحريات العامة والخاصة.

– الارتفاع الصاروخي لاثمان المواد الغذائية، والماء والكهرباء، والنقل والكراء، والضرائب.

– المديونية بلغت 21 مليار دولار؟!

– فشل الحوار الاجتماعي.

– اقفال المعامل وطرد العمال، وتقليص ساعات العمل.

– استفحال الفساد الاداري، مشكل الضمان الاجتماعي، عدم احترام الحد الادنى للاجور.

الاجور ظلت جامدة، في الوقت الذي ارتفعت فيه الاسعار من 5 الى 6 مرات منذ 1985.

– الضريبة على الدخل ضريبة “ظالمة”، لانها لاتستثني حتى الحد الادنى للاجرفي حالة تطبيقه (1400درهم).

– نظام التقاعد، بذل فيه مجهود، ولكن لايكفي.

– في مجال التعليم، ما مصير التعليم الثانوي والعالي والبحث العلمي؟

– مشكل المجندين في الخدمة المدنية، الذين طردوا بعد انهاء سنتين؟

التصريح  الحكومي  واحتياجات  المواطن  المغربي :

مرة أخرى، يتضح تواضع الجانب الاجتماعي في التصريح الحكومي، رغم ما بُشِّرَ به من أن هذه الحكومة ستكون حكومة التوازن الاجتماعي بعد أن كانت السالفة حكومة التوازن المالي، ليتأكد للجميع تمادي الحكومة في سلوك نفس السياسة التي أجهزت على مكتسبات المواطن المغربي، مُخلِّفة بذلك مجموعة من الاختلالات : اجتماعية واقتصادية، أدت إلى كساد كبير في القطاعات الانتاجية، وتبقى مرشحة للتطور في ظل الاوضاع الحالية الدولية منها والوطنية. ويترك، بالتالي، هذا “الوديع”  و “المتسامح” (المواطن) حبيس الوعود والإنتظارات، وملجأ للشكوى والاعتذارات في كل الحالات العصيبة، التي تهدد بلادنا من حين إلى حين، تهييئا له واعداداً قَبْليًّا، لتقبل النفقات وصوائر الفاتورات وتسديدها على حساب قُوتِه وقُوتِ عائلته، ملوِّحِين بأن الوضع لا يعدو أن يكون سوى غمامة صيف سرعان ما تنقشع.

إن المواطن المغربي، الذي يدَّعي الجميع الدفاع عنه وعن مصالحه وحقوقه، ينتظر انجازات عملية ملموسة تهدِّئ من رَوْعِه وتُعيد الثقة إلى نفسه، حلاًّ لأزماته المتعددة الأشكال والألوان، وعلى رأسها مشكل البطالة، بإيجاد مناصب شغل قادرة على استيعاب الجيوش الجرارة من المواطنين من مختلف الأعمار وفي شتى التخصصات والعمل على مواجهة غلاء المعيشة، والرفع من القدرة الشرائية له وتكريمه لانتمائه إلى وطن، هو على يقين، إن حَسُنَ استغلال خيْراتِهِ وتَمَّ توظيفها بطرق سَليمة وترشيدها بعقلِيَّةٍ راشدة، لَتَغَيَّرَ حالنا كعباد، ووضعنا كدولة، ووزننا كقوة، ووعينا كطاقة، ولألْقَى بظلاله الوارفة على حاضرنا ومستقبلنا.

خاتمة

ان صعوبة الواقع الحالي، والوضع المنهار الذي تعيشه بلادنا على كافة المستويات، وعدم نجاعة اختيارات الحكومة ، حتم على البعض، بان يصوت لصالحها، “تفاديا لاي فراغ سياسي” و”لافساح المجال امام هذه الفترة الانتقالية”، بينما فرض على البعض الآخرأن يصوت ضد منح الثقة للحكومة واختياراتها التي وصفت ب”الاستمرارية”، لكونها لاتستجيب لما كان يطمح له المواطن المغربي.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *