حقوق الطفل من خلال مقررات التربية الإسلامية السنة الثانية من سلك بكالوريا نموذجا، دراسة وتأصيلا (7/1)


بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}(الشورى: 49، 50)، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، قال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}(الروم: 54)، والمراد بالضعف الأول في الآية: الوهن واللين. ومن ابتدائية، أي: مبتدأ خلقه من ضعف، أي: من حالة ضعف، وهي حالة كونه جنينا ثم طفلا مولودا ثم رضيعا ومفطوما، ثم صبيا إلى أن يبلغ أشده، فهذه أحوال غاية الضعف (1). وذلك بسبب الضعف بالصغر والطفولة…(2)
والضعف الذي تشير الآية إليه ذو معان ومظاهر شتى في تكوين هذا الإنسان. إنه ضعف البنية الجسدية الممثل في تلك الخلية الصغيرة الدقيقة التي ينشأ منها الجنين. ثم في الجنين وأطواره وهو فيها كلها واهن ضعيف. ثم في الطفل والصبي حتى يصل إلى سن الفتوة وضلاعة التكوين (3). وقد أجمع المفسرون على أن هذا الضعف هو ضعف الطفولة، وإن اختلفت عباراتهم في ذلك، ونظرا لهذا الضعف الذي اتصف به الإنسان بالطبع سيما في مرحلة الطفولة استحق حقوقا أوجب الإسلام حفظها وصونها على الأسرة والمجتمع بصفة عامة، ولا يجوز إضاعتها، بل إن ضياعها يعتبر جناية على الطفل والأسرة والمجتمع، وعواقب ذلك -لا قدر الله- وخيمة على الجهات المتقدمة كلها بدون استثناء، كما أن حفظها مصلحة تعود على الطفل والأسرة والمجتمع والأمة كافة بالنفع والفضل العميم، وقد اختلفت عبارات المؤلفين (4) في هذه الحقوق من حيث التصنيف والتقديم والتأخير وغيره.
والمراد بحقوق الطفل: جمع حق، وهو في هذا الباب مصلحة ذات أهمية كبيرة وعظيمة في حياة الفرد والجماعة، سواء أكانت مادية أم معنوية، عامة كانت أم خاصة، وحق الطفل ما يستحقه من حظ وجب له حقا لحماية نفسه وحياته، وتكوين شخصيته، وعملية بنائه العقلي والجسمي، وتأهيله للعضوية واندماجه في سوق الشغل (5). ومن هذه الحقوق:
1 – الحق في الأبوة الصالحة والأمومة الصالحة: (6)
وهو ما يعبر عنه باختيار الزوج، وهو يشمل الذكر والأنثى، كما يطلق في اللغة العربية على كل من الزوجين الرجل والمرأة، ولا تتحقق الأمومة الصالحة والأبوة الصالحة إلا بالاختيار الصحيح، لكل من الأب والأم، وقد حدد النبي [ معايير الاختيار بقوله: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ»(7).
وقد أرشد النبي [ راغبي الزواج بأن يظفروا بذات الدين، لتقوم الزوجة بواجبها الأكمل في أداء حق الزوج وأداء حق الأولاد، وأداء حق البيت على النحو الذي أمر به الإسلام...
وانطلاقا من هذا المبدأ أوصى عثمان بن أبي العاص الثقفي أولاده بتخيّر النطف، وتجنب عِرق السوء... بقوله لهم: (يا بني الناكح مغترس، فلينظر امرؤ حيث يضع غرسه، والعِرق السوء قَلَّما ينجب، فتخيروا ولو بعد حين).
وتحقيقا لهذا الاختيار وأهميته أجاب عمر بن الخطاب ] عن سؤال لأحد الأبناء لما سأله ما حق الولد على أبيه، بقوله : (أن ينتقي أمه، ويحسّن اسمه، ويعلمه القرآن)(8).
ولأهمية الزوجة ومكانتها ودورها، في الأسرة والمجتمع عموما، وفي تربية الأبناء وتنشئتهم خاصة، أولى الإسلام أهمية كبرى لاختيارها، واهتم بذلك اهتماما غير مسبوق، لأنها أهم ركن من أركان الأسرة، إذ هي المنجبة للأولاد، وعنها يرثون كثيرا من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل، وتتربى ملكاته ويتلقى لغته، ويكتسب كثيرا من تقاليده وعاداته، ويتعرف دينه، ويتعود السلوك الاجتماعي. من أجل هذا عني الإسلام باختيار الزوجة الصالحة، وجعلها خير متاع ينبغي التطلع إليه والحرص عليه.
وليس الصلاح إلا بالمحافظة على الدين، والتمسك بالفضائل، ورعاية حق الزوج، وحماية الأبناء، فهذا هو الذي ينبغي مراعاته. وأما ما عدا ذلك من مظاهر الدنيا، فهو ما حظره الإسلام ونهى عنه إذا كان مجردا من معاني الخير والفضل والصلاح (9).
وفيما يتعلق بحق التمتع بالأبوة الصالحة أرشد النبي [ أولياء المخطوبة بأن يبحثوا عن الخاطب ذي الدين والخلق، ليقوم بالواجب الأكمل في رعاية الأسرة، وأداء حقوق الزوجية، وتربية الأولاد، والقوامة الصحيحة في الغيرة على الشرف، وتأمين حاجات البيت بالبذل والإنفاق (10).
روى الترمذي بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ [: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»(11).
بناء على ما تقدم، يجب على الولي أن يختار لكريمته، فلا يزوجها إلا لمن له دين وخلق وشرف وحسن سمت، فان عاشرها عاشرها بمعروف، وإن سرحها سرحها بإحسان.
قال أبو حامد الغزالي في الإحياء: والاحتياط في حقها أهم، لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال.
وإذا ما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر، فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله تعالى لما قطع من الرحم وسوء الاختيار.
قال رجل للحسن بن علي: إن لي بنتا، فمن ترى أن أزوجها له؟ قال: زوجها لمن يتقي الله، فان أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وقالت عائشة ]: (النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته). وقال [: «من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها»(12).(رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس، ورواه في الثقات من قول الشعبي بإسناد صحيح.
وقال ابن تيمية: ومن كان مصرا على الفسوق لا ينبغي أن يزوج (13).
د. لحسن وعكي
———————-
1 – انظر التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، بدون طبعة، 1984 م، الدار التونسية للنشر– تونس :21/ 12. التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي خطيب الري، ط 3/1420 هـ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت:25/ 111.
2 – انظر جامع البيان في تأويل القرآن = تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط 1/ 142 هـ ـ 2000 م، مؤسسة الرسالة: 20/ 118.
3 – في ظلال القرآن، سيد قطب، ط 17/ 1412 هـ، دار الشروق – بيروت ـ القاهرة: 5/ 2776.
4 – مؤلفو الكتاب المدرسي: منار التربية الإسلامية السنة الثانية من سلك البكالوريا كتاب التلميذ طبعة: 2008م، وكتاب في رحاب التربية الإسلامية السنة الثانية الباكلوريا كتاب التلميذ،ط 1429هـ ـ 2008م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المملكة المغربية.
5 – منار التربية الإسلامية: 139.
6 – انظر منار التربية الإسلامية:140. وقد عبر عنه فريق التأليف باختيار الزوج.
7 – أخرجه البخاري تحت رقم: 5090، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله [ وسننه وأيامه = صحيح البخاري، أبو عبد الله البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط 1/ 1422هـ، دار طوق النجاة: 7/ 7.
8 – انظر تربية الأولاد في الإسلام، د.عبد الله ناصح علوان، ط 31/ 1418هـ ـ 1997م، دار السلام:1/33.
9 – انظر فقه السنة، للشيخ سيد سابق، ط 1/1417هـ ـ 1996م، دار الفكر: 2/ 17.
10 – انظر تربية الأولاد، د.ناصح علوان:1/31.
11 – الجامع الكبير ـ سنن الترمذي، تحقيق بشار عواد معروف، 1998م، بدون طبعة، دار الغرب الإسلامي ـ بيروت:2/ 385.
12 – انظر إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي الطوسي، دار المعرفة ـ بيروت، بدون طبعة، بدون تاريخ : 2/42.
13 – انظر فقه السنة:2/21.