من محاذير الاعتماد الكلي على الخطب الجاهزة (2) 1


تناول الكاتب في الحلقة الأولى السابقة موجبات الإعداد الجيد وذكر خمسة موجبات: شرعية وعلمية وأخلاقية وعقلية وواقعية بين من خلالها أهمية الإعداد الجيد للخطبة ووجوبه للارتقاء بالعمل الخطابي نحو الجودة والفعالية المطلوبة في الإصلاح، وفي هذه الحلقة الثانية يواصل بيان محذورات إهمال الإعداد والاكتفاء بالنقل الحرفي من الشابكة ومن الكتب من غير مراعاة لحاجات الجمهور زمانا ومكانا وسياقا ومقاما.

تقديم:

أصبحت الخطب الجاهزة اليوم ثروة معرفية ميسرة أمام الخطيب نظرا لشيوع الطبع والنشر واهتمام عدد من الخطباء اليوم بكتابة خطبهم ونشرها مطبوعة أو على المواقع الإلكترونية، ويعد الاطلاع على هذا النوع من المصادر مفيدا للخطيب لاعتبارات عديدة منها:

أولا لأن فيه تيسيرا للمعلومة وتقريبا لها من جمهور المحتاجين إليها والمعنيين بها، ومنهم الخطيب الذي يجد في هذا النوع من الخطب المنشورة ما يفيده في الإعداد الجيد لموضوع خطبته.

ثانيا لأن فيه اقتصادا في الجهد والطاقة والوقت حيث يمكن للخطيب أن يعثر على الموضوع جاهزا كاملا في أقل من دقائق معدودة تدفع عنه حرج البحث لساعات طوال وعنت الكلفة في الكتابة والتنقيح لأيام عديدة في ظاهر الأمر.

ثالثا لأنه يوفر الاطلاع على عدد من الخطب في نفس الموضوع تمكن الخطيب من توسيع فهمه ومداركه وتمكنه من الوقوف على غنى الرؤى التي تناولت الموضوع نفسه بطرق مختلفة ومناهج متنوعة فيزداد حسن فهمٍ وينضج تصوره للقضية المراد معالجتها.

غير أن هذه الفوائد وإن ظهرت كذلك فهي مجرد فوائد ظاهرة وسطحية ومجرد شبه تخفي وراءها سلبيات عديدة ومفاسد خطيرة. فماهي هذه السلبيات؟

1 – سلبيات النقل الحرفي للخطب من الإنترنيت:

يوجد على الشابكة اليوم مواقع عديدة متخصصة في الخطابة من الجانب النظري ومن الجانب المضموني، ومواقع غير متخصصة وتقوم بنشر كل ما يصلها من الموضوعات. وإن الباحث اليوم خطيبا أو غير خطيب ليقف أحيانا مشدوها أمام ما يجده متوفرا على هذه الشابكة الخزان الأضخم للمعلومة، وهذا الاعجاب والاندهاش راجع إلى طبيعة الكتابة في عالم الانترنيت والشابكة :

أ – طبيعة المقالات المكتوبة على الشابكة:

– جانب الكثرة إلى حد صعوبة الوقوف عليها كلها وتتبعها جميعها.

– جانب التفاوت في الجودة والرداءة، والعمق والسطحية، والقوة والضعف.

– جانب الاختلاف في المعالجات للموضوع الواحد بسبب اختلاف الكتاب أنواعا من الاختلاف الراجعة أساسا إلى:

اختلاف الأهلية العلمية للكتاب والخطباء على حد سواء.

الاختلاف المذهبي اختلافا كبيرا، (سنة، شيعة، خوارج، فرق باطنية باطلة قاديانية وبهائية …).

اختلاف الأمصار والبيئات؛ فعثور الخطيب على موضوع خطبة موافق لما يريد تقديمه لا يعني صحته ولا صلاحه فقد لا يكون موافقا لمذهبه ولما عليه أهل بلده، وقد لا يتضمن معارف صحيحة أصلا.

اختلاف الزمان، فقد يعثر الخطيب على خطبة في نفس الموضوع الذي يقصده لكنها قد تكون خطبة كتبت في زمان سابق وبعيد جدا عن حاضر المخاطَبين مما يقلل من صلاحيتها وفائدتها رغم ما قد تحويه من دقة علمية ومقاصد تربوية نبيلة.

لعل هذه الاعتبارات هي التي تفرض علينا أن نقف وقفة احتياط وتشكك من كل ما نجده جاهزا من المكتوب والمطبوع من الخطب سواء على الشابكة أو في الكتب المطبوعة أو في الخطب الجاهزة مما يوجد لدى الخطيب نفسه أو لدى أصدقائه وأقرانه.

ب – محذورات الاعتماد الكلي والحرفي على مقالات الإنترنيت:

إن الانترنيت ومحركات البحث الموجودة فيه تمكن الباحث من العثور على المادة العلمية التي يقصدها، غير أن هذا العثور على هذا الصيد بهذه السهولة واليسر محفوف بمحاذير عديدة منها:

أ- محذور المخالفة العقدية.

ب – محذور المخالفة المذهبية.

ج- محذور الوقوع في الآراء الشاذة المخالفة لما عليه جمهور علماء أهل السنة.

د- محذور الوقوع في المخالفة السياسية والترويج للأفكار والدعوات المغالية في اختياراتها السياسية مما يثير الفتنة ويشوش على الأمن العام للبلاد.

هـ – محذور عدم المناسبة الزمانية والمكانية.

و – محذور عدم المناسبة للمستوى المعرفي للجمهور: فقد تكون الخطبة سالمة من القوادح السابقة وصالحة مضمونا لكن قد يتطرق إليها أن تتناول قضايا علمية لا تناسب مستوى المخاطبين، أو تكون كتبت بأسلوب علمي ولغة إما فوق مستوى الجمهور بحيث لا يفهم الناس المقصود منها ولا المراد من عباراتها، كما يمكن أن تكون الخطبة بسيطة في لغتها وفي منهج معالجة الموضوع وفي الرؤية مما ينسب الخطيب إلى الضعف وعدم وفائه بما ينتظره جمهوره ومحبوه.

2 – محذورات أخذ الخطب جاهزة من الكتب المطبوعة:

ما قيل في شأن النقل الحرفي والاعتماد الكلي على الإنترنيت يصدق أيضا على النقل من الكتب المؤلفة في الخطب المنبرية التي تنتشر إما ورقيا أو إلكترونيا، وقد أصبحت ميسورة اليوم ومنتشرة بكثرة، وتغري الخطباء باقتنائها لأسباب عدة: منها:

– اشتمالها على أغلب ما يحتاج إليه الخطيب من الموضوعات، في مختلف القضايا والمسائل والمناسبات مما يجعله أمام موسوعة جاهزة تعفيه من عنت كثرة القراءة ومكابدة هم الإبداع والكتابة.

– صدورها عن شخصيات علمية لها شهرة في العلم أو الدعوة والخطابة، وفي عالم الإعلام الفضائي مما يجعل الناس يسارعون لاقتنائها ثقة بمؤلفيها وتسليما بما يصدر عنهم من أقوال من غير تمحيص ولا نقد ولا تساؤل.

أ –  من فوائد كتب الخطب المطبوعة:

بناء على ما سبق يمكن أن تكون لهذه الكتب بعض جوانب إيجابية؛ منها:

– تزويد الخطيب بثروة علمية جيدة توفر له إمكان توسيع معارفه في موضوع الخطبة الذي يحتاج إليه.

– تمكين الخطيب من الوقوف على اختلاف طرق معالجة الآخرين لنفس الموضوع؛ إذ لا يعدم الخطيب الباحث في هذه الكتب الصادرة عن أهل العلم والخبرة والغيرة على الأمة من أن يجد فيها تنوعا في الفهوم السديدة وتفاوتا في الاجتهادات المناسبة التي يصلح الاستئناس بها والانتفاع بها عن علم وحكمة.

– تجديد فهم الخطيب لكثير من القضايا التي تناولها عدد من الدعاة برؤية تربوية وعلمية غاية في الفائدة والجدة والطرافة في ربط الدين بالواقع ووصل الخطبة بقضايا معاصرة تجعل الخطيب مسايرا لواقعه مجددا لفهم وقائعه متفاعلا مع الاجتهاد العلمي والفقهي وحركة الإصلاح في واقعه الإسلامي داخليا وخارجيا.

ب – محذورات الاعتماد الكلي والحرفي على خطب الكتب المطبوعة:

غير أن هذا النوع من الخطب على أهميته العلمية وقيمة مؤلفيه فإنه لا يخلو من آفات ومحاذير كالتي تترتب عن النقل الحرفي من الشابكة، وخاصة المخالفات العقدية، والمخالفات المذهبية والترويج للاختيارات الشخصية والحزبية الضيقة دون وعي، والإسقاط الخاطئ للمعالجات المرتبطة بظروفها الزمانية والمكانية والمحدودة على واقع الخطيب مع وجود الفوارق، مما يسقط الخطيب في آفة الترديد الأعمى لأقوال الآخرين عن جهل بالسياقات واختلاف المساقات لاختلاف الأمصار والبلدان وتباين في الحاجات.

3 – اعتماد الخطيب على خطبه الجاهزة أو استعارتها من زملائه وشيوخه:

إن الخطيب الذي يكتب خطبه سرعان ما يتكون لديه رصيد مهم من الخطب التي يمكنه الرجوع إليها والاستفادة منها خاصة في الموضوعات التي تكثر الحاجة إليها وتتكرر إما بشكل دوري كخطب المناسبات، والخطب المتعلقة بموضوعات محورية في الدين وثابتة مثل الخطب في موضوعات تتعلق بأركان الإسلام وأمهات الفضائل والمحرمات والرذائل مما تشتد الحاجة إلى تكرار التذكير بها أمرا ونهيا، ترغيبا وترهيبا.

وقد شاع عندنا أن الخطيب الذي يكتب خطبه يتعب في أول الأمر لكنه يرتاح في نهايته، ويقتات من مخزونه الذي اكتسبه من سالف الزمن، بل إنه يصير مقصدا للخطباء من زملائه يستعيرون منه خطبه لإلقائها دفعا للحاجة وسدا للخلة.

وهنا لابد من القول إن الخطيب الذي يعود إلى خطبه أو يستعيرها من زملائه في محيطه القريب أقل ضررا من النوعين السابقين بيد أنه يظل تصرفا تحفه آفات ومحاذير عديدة منها ما يلي:

– الوقوع في التكرار والاجترار وعدم التجديد، فيمل الناس خطبه.

– عدم مراعاة المستجدات التي قد تستجد في المناسبة الواحدة، إما في الفهم أو في الواقع، مما يجعل الخطبة بعيدة عن واقعها قليلة التأثير في جمهورها.

– موت الخطيب معرفيا وفقده لحيويته وتحوله إلى موظف دون أن تكون له رسالة تربوية توجيهية في إحياء الناس بالإيمان وتجديده بما يناسب كل فئة وكل جيل. إن المنبر الخطابي يحتاج إلى تجديد رسالته وتجويدها باستمرار، ولا يكون ذلك إلا بخطيب يتَّقِد علما ويتوهج حرصا على النفع، دائم الاشتغال والاشتعال، لا تفتر عزيمته ولا تخبو جذوته، ويتفاعل مع عصره تفاعلا إيجابيا. وإلا فما الفرق بين منبر من أعواد يابسة وخطيب ذي نفس جامدة؟!

– الخروج عن الأصل الذي جعلت له الخطبة، وهو معالجة الخطوب النازلة بالناس، فالخطيب الذي يستعير خطبة من غيره، أو يعود إلى خطبه القديمة إنما يعيد الناس إلى قضايا لم تعد الحاجة إليها قائمة.

– تعطيل وظيفة الاجتهاد المطلوبة من المسلم في كل عمل وبذل الجهد في جلب المصلحة ودفع المفسدة لجمهور المسلمين، لأن منصب الخطابة من مناصب الولاية العامة المنوط بالقائمين عليها النظر بعين المصلحة العامة، والناظر بعين المصلحة العامة لا يرقد له جفن ولا يركن جسده إلى الراحة ولا يخلد عقله إلى الخمول.. والركون إلى القديم وإعادة اجتراره فيه ميل إلى الكسل بدل العمل، وإيثار للراحة بدل التشمير على ساعد الجد بحسن النظر لتجديد الفهم وتجويد العمل والارتقاء نحو الأفضل، إضافة إلى أن تكرار الخطب من غير تجديد فيه مخالفة للموجبات الخمس السابقة. (الحلقة السابقة – المحجة ع: 493).

لذا يُنْصح الخطيبُ الذي يتوفر على رصيده السابق بما يلي:

– ضرورة استئناف النظر في الموضوع من جديد، وعليه ألا يأنف من تجديد مطالعة ما يحتاج إليه في الباب من مصادر في التفسير والحديث والكتب المتخصصة والخطب المكتوبة في المجال عسى الله أن يفتح له بابا من أبواب الفهم السديد، والاستدراك الجديد المفيد.

– ضرورة العودة إلى خطبته القديمة وإعادة النظر فيها بقصد تهذيبها وفق ما استجد له من الفهم وما تغير من الظروف والوقائع أصله عند أهل العلم “تغير الفتوى بتغير الزمان والظروف والأحوال”، فإذا اطمأنت نفسه إلى ما فيها وإلى ما أضافه أمكنه آنذاك اعتمادها، وإلا فقد يلزمه أن يتركها جانبا ويشرع في تحرير موضوعه من جديد وفق ما انتهى إليه علمه مضمونا ومنهجا وأسلوبا وسياقا ويكون في هذا أحسن، وقربه من التوفيق أضمن، ويصير في إجادة رسالته أقدر وأمكن.

وإذا كانت هذه النصائح واجبة في حق مَنْ يملك رصيده السابق فهي في حق من يعيش على خطب غيره أولى وألزم.

وختاما يمكن القول إن الاعتماد الكلي على الخطب الجاهزة سواء من الشابكة أو من الكتب المطبوعة أو من الخطب الجاهزة للخطيب دون إعمال العقل والشرع فيها، ودون تكييفها مع خصوصيات المخاطبين الجدد يفضي لا محالة إلى السقوط في محاذير عديدة. لذلك يصح بناء القواعد الآتية:

– لا للاعتماد الكلي على الخطب الجاهزة دون نظر واجتهاد، ولا تبصر بالعواقب، ولا مراعاة للخصوصيات، ولا تمييز بين وغير الصحيح، ولا بين المناسب وغير المناسب.

– نعم للاستفادة العلمية والمنهجية المبنية على التساؤل والنقد، والاقتباس المسموح به في أصول المنهج العلمي وأعرافه.

الطيب بن المختار الوزاني

عرض مقدم للدورة التكوينية لفائدة الخطباء.

 التي نظمها المجلس العلمي المحلي لفاس

بتاريخ 12 /04 /2018

 


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “من محاذير الاعتماد الكلي على الخطب الجاهزة (2)

  • لحسن ندحامد

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته…تحياتي العطرة..
    جزاك الله خيرا على هذا الموصوع الجيد والمفيد، فعلا كثير من السادة الخطباء المحترمين
    ينقلون الخطب عبر المواقع دون التثبت في هذه المحاذير ، هدانا الله جميعا لما فيه مصلحة ديننا ووطننا ،وجزى الله الجميع خيرا