علل الخطاب الإسلامي المعاصر، وآفاق في علاجها (6/10) إهمال خطاب الوضع


من المعلوم لدى دارسي علم أصول الفقه انقسام الخطاب الشرعي إلى نوعين أولهما يسميه الأصوليون: (خطاب التكليف) ويشمل أحكاما خمسة هي: (الواجب والمندوب، والحرام والمكروه، ثم المباح، والنوع الثاني ويسمونه (خطاب الوضع)، ويشمل (الشروط والأسباب والموانع والرخص والعزائم والصحة والبطلان) على خلاف فيما يدخل وما لا يدخل مما ذكرنا.

العلاقة بين نوعي الخطاب الشرعي:

والأول فيه (تكليف) كما يظهر من اسمه، و في المعجم الوجيز:  التكليف   “بالأمر: فرضه على من يستطيع القيام به”، “ويقال كلفه أمرا أوجبه عليه وفرض عليه أمرا ذا مشقة”، وهذه المشقة هي  مشقة الامتثال والتعبد لا مشقة العنت والحرج، ففي التكاليف الشرعية مشاق معتادة يتحمل المرء مثلها في أمور  دنياه، وأما مشاق العنت والحرج وهي التي تكون فوق الطاقة فهي مرفوعة عن هذه الأمة المرحومة كما في قوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج (الحج :78)، وقد عد الشاطبي رفع الحرج كليةً من كليات الشرع الحنيف.

وخطاب التكليف هذا بما فيه من امتثال وتعبد مهم شرعا لا يمكن للمرء القيام به من تلقاء نفسه دون معرفة كيفيات تنفيذه وامتثال مقتضاه، وكأن المكلف يسأل: متى وكيف أمتثل ما وجب عليِّ؟ هل في كل وقت وعلى كل حال ولأي سبب؟ هل يستوي جميع المكلفين في لزوم القيام بالتكليف؟

ولما كانت أحوال الناس وواقع حياتهم متغيرا في وجوه كثيرا علما وجهلا، قوة وضعفا، فقرا وغنى، إيمانا وكفرا، سفرا وحضرا…الخ كان إبراز خطاب التكليف بأحكامه الخمسة دون بيان كيفيات تطبيقه من شروط وأسباب وموانع ورخص وعزائم…إلخ ضربا من التخبط الدعوي والإضلال عن المراد الشرعي.

وذلك لأن خطاب الوضع جاء لييسر على المكلفين أداء ما كلفوا به، كما جاء مبينا لهم مواقع وأحوال أداء تلك التكاليف، والتسوية بين جميع المكلفين في بث خطاب التكليف دون بيان كيفيات التنفيذ يوقع الجماهير بل المجتمعات والدول في مآزق تذهب بمصالحهم جملة وتفصيلا.

وقد رأينا في خطاب كثير من الدعاة سواء أكانوا أفرادا أو جماعات تهمل كثيرا مما نقول فهي تركز على التكليف الشرعي وتشحن النفوس بالأدلة والنصوص وتطلق الحماس والعاطفة مع ضعف شديد ومن غير ذلك في ضوء شروطه وأسبابه وموانعه ورخصه وعزائمه.

رعاية خطاب الوضع:  قواعد وأمثلة

يحسن بيان ذلك ببعض النماذج منها على سبيل المثال:

أ – مراعاة طبيعة الزمن:

ورد في حديث رواه الترمذي وغيره، وله شاهد يقويه : «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا»، والحديث وإن تكلم في سنده بعض أهل الحديث إلا أنه مقبول. يعلق عليه القاري قائلا: (هَلَكَ): لِأَنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ وَالْحَقُّ ظَاهِرٌ ، وَفِي أَنْصَارِهِ كَثْرَةٌ فَالتَّرْكُ يَكُونُ تَقْصِيرًا مِنْكُمْ فَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي التَّهَاوُنِ (ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ): يَضْعُفُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرُ الظَّلَمَةُ وَالْفُسَّاقُ وَقَلَّ أَنْصَارُهُ ، فَيُعْذَرُ الْمُسْلِمُونَ فِي التَّرْكِ إِذْ ذَاكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ لَا لِلتَّقْصِيرِ (مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا): لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ” (مرقاة المفاتيح (1/ 264-265) .

فاختلاف الزمن والواقع مؤثر في الامتثال العام والخاص للشرع، ولذا لا ينبغي أن نشدد على الناس ونقيِّمهم بعيدا عن معيار واقعهم الضاغط المؤثر، إذ الموانع مؤثرة، والأسباب والشروط مرعية، ولا يفهمن أحد أن هذه دعوة إلى الترخص بلا موجب، أو قبول الانحلال من الدين بحجة الواقع وإنما المراد التماس العذر للمقصر والرحمة به ومراعاة واقعه وحاله، وترك الشدة معه، وعدم تحميله فوق ما يسمح به واقعه الضاغط مع محاولة الأخذ بيده شيئا فشيئا نحو الغاية المنشودة.

ب – مراعاة طبيعة العمر والسن:

ورد في الصحيح عَنْ عبداللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ  يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

وفي الترمذي زيادة (قال ولوى عنق الفضل، فقال العباس: “يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟” قال: «رأيت شابّاً وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما».

قال ابن بطال: “وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن” قلت: وفيه رعاية الطبيعة البشرية وطبيعة السن والعمر في التوجيه رفقا أو شدة.

وقد ورد في حديث قال فيه ابن القيم: “وأجود ما في الباب حديث أبي داود عن نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري حدثنا إسرائيل عن أبي العنبس عن الأغرّ عن أبي هريرة أن رجلا سأل النبي  عن المباشرة للصائم، فرخص له. وأتاه آخر فسأله، فنهاه. فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب”. والحديث وإن لم يرتض ابن القيم إسناده إلا أن بعض الفقهاء قد رتبوا عليه حكما وهو التفريق بين الشيخ والشاب في حكم تقبيل الزوجة في نهار رمضان، وحتى لو اعتبرنا هذا التفريق غير وجيه كما يراه ابن القيم إلا إنه عند غيره ذو وجاهة، وفائدته ألا نسوي بين الناس، فليس الشاب كالشيخ في أغلب الأمور والأحوال.

والخلاصة:

أن واقع الناس تعتريه موانع للتكليف بأحكام الشريعة ينبغي مراعاتها، والتكاليف تتطلب شروطا للزومها وصحتها يلزم التنبه إليها، والرخص الشرعية جزء أصيل في فقه التكليف يجب  لفت الأنظار إليها رفعا للحرج وإبقاء للمكلفين في ساحة السماحة الشرعية.

د. أحمد زايد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *