حياتنا بين الخوف والحزن   4


من الحقائق القرآنية الكبرى التي تطالع المتدبر لكتاب الله  أن من البشارات التي يلوح بها سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين ويعدهم ببلوغها ثمراتها الجنية ونيل فضلها العميم، درء الخوف والحزن عنهم. وقد وردت هذه البشارة، في سياقات متنوعة في ثلاثة عشرة موضعا (ستة منها في سورة البقرة، ووردت مرة واحدة في كل من آل عمران، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، والزخرف، والأحقاف).

وإن أول ما يسفر عنه تدبر هذه الآيات البينات في سياقاتها المتنوعة، أن أعظم وأشد ما يؤرق الإنسان ويهدد حياته في الدنيا والآخرة، ويلفه بسربال من العذاب، ويغرقه في أتون من المعاناة الممضة والشقاء المرير، الخوف والحزن.

وإنه لخليق بالإنسان العاقل الذي يواتيه التوفيق لفقه معاني الكتاب، والوقوف على درره المكنونة ومقاصده العظمى، أن يدرك أوجه وأبعاد ودلالات هذين اللفظين المركزيين البارزين من ألفاظه الشريفة، في ضوء  أوضاع الإنسان باعتباره فردا، أو عضوا داخل جماعة أو مجتمع، أو في إطار الإنسانية بصفة عامة.

إن تدبر هذين اللفظين في السياق النفسي الاجتماعي الإنساني، يكشف عن وجه هام ورفيع، من وجوه إعجاز القرآن الكريم في النطاق أو المجال الذي ينتمي إليه هذان المصطلحان، يتمثل في كونهما يمثلان تحديا عظيما أمام الإنسان والإنسانية جمعاء، يستحيل رفعه أو تخطيه خارج نطاق المنهج الإسلامي القويم الذي يرسم القرآن العظيم معالمه وقواعده، ويجسد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام نموذجه الرفيع وأسوته الوضاءة المشرقة.

ويكمن هذا التحدي في أن حالة الخوف والحزن تظل هي الحالة السائدة في حياة البشرية، في سائر أعصارها وأمصارها في غياب الأخذ بمنهج الله  واتباع شريعته الغراء. يقول الله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (النحل: 112). وإن أعظم نعمة يمكن أن تكفر هي نعمة الدين القويم الذي شرعه الله  لانتشال من آمن به وأخذ بأحكامه ومنهجه، واهتدى بهداه من وهدة الشقاء وحمأة الجهالة، ومن بين أنياب المذلة والاستخذاء.

وإذا كان أعظم خوف وحزن هو خوف وحزن يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر، فإن الفهم الشامل والواقعي لشريعة الإسلام يفرض إدخال الحياة الدنيا في الاعتبار، بحيث إن الشروط التي رتب عليها الله سبحانه وتعالى درء الخوف والحزن في الآخرة عمن وفى بها في الحياة الدنيا، هي نفسها التي رتب عليها درأهما عنهم في الحياة الدنيا نفسها، وذلك مصداق قوله تعالى: فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ( طه: 123 – 124).

فمما لا شك فيه أن المعيشة الضنكا لا تنفك عن الخوف والحزن، فهما قوامها وملاكها، كما أن الضلالة والشقاوة هما من تجليات الخوف والحزن وامتداداتهما.

وإننا باستقراء الآيات التي ورد فيها وعد المؤمنين من الخوف والحزن، بحسب ترتيبها في المصحف الشريف، نجد موجبات ذلك الوعد الرباني الرحيم متمثلة فيما يلي،:

• اتباع الهدى.

• الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.

• إسلام الوجه لله والإحسان في الطاعة والمعاملة.

• إنفاق الأموال في سبيل الله وعدم إتباعها بالمن والأذى.

• إنفاق الأموال بالليل والنهار سرا وعلانية.

• الإيمان وعمل الصالحات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

• الجهاد والاستشهاد في سبيل الله.

• الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.

• الإيمان والإصلاح.

• التقوى والإصلاح.

• الإيمان بآيات الله والعيش على الإسلام.

• الاعتزاز بالانتساب إلى الرب والاستقامة قالوا ربنا الله ثم استقاموا.

إن النظر في هذه العناصر والأركان، وفي تلك القيم الخلقية الفاضلة وما تختزنه من معاني ومفاهيم، يكشف بوضوح، أن مناط التحرر من الخوف والحزن في الدنيا والآخرة على حد سواء، هي كل هاتيك  المبادئ والأركان والأعمال، وأن السقوط في مغبتهما وأحابيلهما، هو نتاج وبيل لتنكب صراط الله القويم، والعمى عن تعاليم الله العزيز الحكيم، والتنكر لها ومعاندتها.

إن الإنسانية الآن ترتكس وتغرق في هاوية من الخوف والحزن سحيقة ليس لها قرار، فظهرها عار تناوشه السهام ويتعاوره المجرمون اللئام، وهي من ذلك مثخنة بالجراح النازفة التي تجري وديانا وأنهارا، تعالج هما ونكدا ينفذ منها إلى السويداء والأعماق، ويصعد عويلها وصراخها المرعب إلى السموات الطباق.

وإن من يتولون كبر المروق عن أمر الله  في عالم اليوم،  ويستكبرون عن عبادته والاستجابة لأمره، من طواغيت الأرض المتجبرين الذين ينازعون الله كبرياءه ظلما وغرورا، يتجردون لحمل مهمة صناعة الخوف والحزن وتفريخهما، وجعلهما مطية لاستعباد الشعوب المهيضة الجناح، بسبب تضييعها لسر النجاح، وهو الاعتصام بالله الواحد القهار، مالك الملك العزيز الجبار.

إننا لا نعدو الحقيقة والصواب، إذا قلنا إن جوهر مهمة الشرفاء في هذا العالم، ولا شرف في منأى عن منهج الله وأمره، يكمن في تحرير الإنسانية المعذبة من إسار الخوف والحزن، الذي ترسف فيه، وذلك ببناء قوة ضاربة ترفع لواء الحق والإنصاف، لاستعادة الكرامة المسلوبة، وإعادة الروح لجسم كاد يلفظ الأنفاس،وإن دون ذلك لخرط القتاد كما يقال، ولكنها معركة حياة أو موت، سلاحها العلم والإيمان، لتطهير الكون من الظلم والطغيان، وإزاحة كابوس المخاوف والأحزان. وصدق الله العظيم القائل: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأحقاف:13 ).

د. عبد المجيد بنمسعود


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 thoughts on “حياتنا بين الخوف والحزن  

  • زكية برواين

    كتاب الله فيه آيات عجيبة ، فوراء كل كلمة منه حكمة بالغة ، ومفتاح من مفاتيح القلوب ((( افلا يتدبرون القرءان ام على قلوب أقفالها )))) اللهم ارزقنا حسن التدبر لكتابك وحسن الاتباع …شكرا على كل الجهود المبذولة ….