السياسة الشرعية وفقه المصالح الدلالات والعلاقات 1


مقدمة:

ولما كانت شؤون الحياة تتسم بالتبدل والتغير، وتتصف بالطروء والحدوث، كان لزاما على ذوي الألباب من الخليقة أن يرسموا طريقا لسياسة الأمور وتدبيرها عن طريق اجتهادهم في فهم كنهها وتنزيل ما يتطلبه واقعها، والنظر إلى المصلحة الشرعية المعتبرة، تيسيرا وتخفيفا على العباد.

هذا وإن من أبرز من اهتم بهذا الجانب علماؤنا المسلمون والباحثون منهم؛ إذ سطروا في مكتبات المسلمين جهودهم في تبيان هذا الأمر ضمن ما سمي ب”السياسة الشرعية”.

ولما كان من أبرز مقوماتها،- بل من آكد أسسها- الاجتهاد والنظر في مصلحة العبد، وكان من أبرز أنواع المصلحة تعلقا بها المصلحة المرسلة. فما مفهومهما؟

أولا: مفهوم السياسة الشرعية والمصلحة:

يقصد بالسياسة الشرعية: “تدبير شئون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير، وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة، وأصولها العامة”(1).

أما المصلحة فتعددت تعاريف الفقهاء لها، إلا أن أحكمها وأمنعها هو تعريف الإمام الغزالي رحمه الله حيث قال بأنها هي: “المحافظة على مقصود الشريعة”، ثم بين مراده بمقصود الشارع بأن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم(2).

وخلاصة القول في هذا الشأن أن الحكم الذي تقتضيه حاجة الأمة يكون سياسة شرعية معتبرة إذا توافر فيه أمران:

الأمر الأول: أن يكون متفقًا مع روح الشريعة، معتمدًا على قواعدها الكلية، ومبادئها الأساسية.

الأمر الثاني: ألا يناقض مناقضة حقيقية دليلًا من أدلة الشريعة التفصيلية التي نقصد بها الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذه الأدلة التفصيلية هي التي ثبتت شريعة عامة للناس في جميع الأزمان، وفي جميع الأحوال.

ثانيا: فوائد تعدد مجالات السياسة الشرعية:

إن السياسة الشرعية من أجل علوم الشريعة مكانا وقدرا، وأعظمها نفعا وأثرا، وفي القيام بها حراسة للدين وحسن تدبير لأمور المسلمين، وحاجة الناس إليها قائمة؛ لرعاية مصالحهم، وحفظ حقوقهم، وضبط تصرفاتهم، وتنظيم شؤونهم، ومنع عدوان بعضهم على بعض، وفي الإعراض عنها إعراض عن الحق، وضلالة تفضي إلى الظلم، وفي ادعاء كمال غيرها وصم للشريعة بالعجز عن تدبير سياسة الرعية، والقصور عن مسايرة الزمن وتطورات العصر.

ومن أظهر ما يمكن لنا أن نبين به أهمية السياسة الشرعية عرض بعض من ثمارها وفوائدها فنقول:

إن كل علم في ثناياه ثمر مغروس، يستخرجه أولو النهى وأرباب العقول المتفتحة، وثمرة العلم الفائدة المستقاة منه، وهنا وفي هذ المقال أستجمع شيئا مما اقتطفه العلماء من الفوائد الجلية العائدة من دراسة السياسة الشرعية.

الفائدة العائدة من مفهوم السياسة:

جاء عند ابن منظور في لسان العرب أن السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه(3).

وهذا المعنى ليس ببعيد عن المعنى الآخر الذي ساقه وهو التدبير؛ إذ كلاهما يلتقي في نفس المناط.

ومن هنا يظهر لنا أن مناط هذا العلم وحدوده متفرقة بين الاصلاح وهو الغاية المنشودة، وبين المصلح القائم على هذه الغاية. وهذا يعود بنا نحو أس الموضوع، ويجلي النظر عن بعض ثمار دراسة هذا العلم، ويظهر أن الإصلاح هو الفائدة الأساس من دراسة هذا العلم، ثم إن دراسة هذه الغاية تنشئ لنا القائم عليها وهو المصلح.

الفائدة العائدة من ربط السياسة بالشرع:

الإصلاح وإن كان مما تستهويه الأنفس وتنشده الآمال، غير أنه باب واسع ومدلول مرن يصح لكل أحد أن يتمسك به في تنظيراته، وآرائه المختلفة.

ولذا كان من اللازم أن توجد ضوابط تحكم هذا المدلول وتسيره، وليس من ضابط تستقر له النفس اطمئنانا، وتسكن له وتسلم له تسليما كرابط الشرع الحكيم.

ومن هنا فوائد جمة أهمها:

• نجاح الرأي المصلح، وضمان صلاحه للأمة إذ هو موافق لضوابط شرعية متينة.

• الثقة في مصدر الإصلاح، إذ لابد وأن يكون القائم على الإصلاح ممن استوعب نصوص الشريعة، فهيئته لأن يكون مصلحا لا يتلاعب بمصائر الخلق وعموم حياتهم.

• ربط المجتمع بالشريعة في غالب شؤونه.

• الموازنة بين السياسة الشرعية المنضبطة بنصوص الوحيين، وبين السياسة الوضعية المعتمدة على الآراء الشخصية والأهواء الدنيوية.

ولو بقيت أعدد الفوائد من ربط السياسة بالشرع لطال المقام.

الفوائد المستقاة من مجالات السياسة الشرعية:

أما عن أهمية دراسة هذا الباب من أبواب الفقه، فبه تحفظ الثوابت الدينية والوطنية للأمة من أي تلاعب فيها.

فالعقيدة وأبواب العبادات بجملتها ليست محلا للسياسة؛ إذ أناطها الشارع الحكيم وأغلق باب الاجتهاد فيها.

وليس هذا الحصر من باب التضييق، ولكنه من باب الحفاظ على هوية الأمة الشرعية من أن يحصل لها ما حصل للأمم السالفة.

وبعد هذا الحصر، فتحت المجال ووسعته لتجعله بابا مفتوحا مشرفا على جل مجالات الحياة البشرية التي تحتمل باب الاجتهاد؛ فجعلته مفتوحا على أبواب الولاية العامّة وما يتفرع عنها من شؤون الحكم، وإدارته، وإجراءات تطبيقه، وآليات تنفيذه.

وجعلت من مجال تطبيقها الشؤون المالية في الدولة، وما يشرع لولي الأمر سلوكه في إدارة بيت المال، موارده ومصارفه، وما يتعلق بذلك من إجراءات تنظيمه، وطرائق جباية الأموال إليه وصرفها منه وآليات تنفيذ أحكامها، ونحو ذلك.

ولم تغفل الشؤون القضائية، والشؤون الجنائية والجزائية، من حيث تنظيم إجراءات تنفيذ ما يثبت من أحكام مقدَّرة شرعاً أو تقدير جزاءات شرعية ملائمة لما يرتكب من جرائم تقتضي التعزير شرعاً.

والناظر فيما سلف تظهر له الأهمية العائدة على دارس هذا العلم، فبه يحصن نفسه ومجتمعه من تلاعب المتلاعبين بثوابت الأمة الدينية والوطنية، وبه يوسع على أبناء أمته في مجالات تحتمل الآراء المناسبة لمقاصد التشريع.

وتظهر أهمية –أيضا- هذا العلم في الترابط المتين الذي بينه وبين علم مقاصد الشريعة، وهذا مما يربي جيلا متفقها ليست ظواهر النصوص عنده بأهم من بواطنها، بل جيل يستطيع أن يرى في الأمور الحادثة والمستجدة منفذا شرعيا مناسبا لأحوال الأمة المتقلبة.

والدارس لكتب أهل العلم في مجال السياسة الشرعية يجد وضوح النظرة المقاصدية عندهم.

ثالثا: ضرورة المصلحة في السياسة الشرعية (العلاقة):

إن من أبرز خصائص الشريعة الإسلامية أنها شريعة حية ومرنة، بمقدورها الاستجابة لكلّ جديد، والتفاعل مع كل حديث. فقد استطاعت أن تستجيب لمشاكل الماضي، وهي الآن قادرة على الاستجابة لحاجيات الحاضر. وهذا بفضل الاجتهاد المصلحي الذي ينظر في مصالح العباد في العاجل والآجل.

فالاجتهاد من آكد الأمور التي تحتاجها الأمة الإسلامية في العصر الراهن. والذي يجعله من ألزم الأمور هو المستجدّات التي يفرزها الواقع المعاش، والتي تتطلب أحكاما شرعية مناسبة لكل واقعة، ومراعية لمصلحة العباد.

فالإسلام يدعو إلى الاجتهاد والتجديد، ويقاوم الجمود والتقليد، ويؤمن بمواكبة التطوّر ومواصلة التقدّم. والشريعة الإسلامية لا تضيق بالجديد، ولا تعجز عن إيجاد حلّ للمشاكل الطارئة(4).

ومن ثم فالاجتهاد ضرورة تشريعية لتحقيق مصالح العبادة في السياسة الشرعية، تقتضيه المستجدّات، وتوجّهه كثرة الحوادث والنوازل. وهذا ما يجعل الخطاب الشرعي مستمراً باستمرار الحياة البشرية… والاجتهاد في الإسلام يتأسّس على مجموعة من الضوابط والشروط، كلها مؤصلة في كتب علم أصول الفقه. ومن ذلك أن لكل حادثة حكماً شرعياً مستمداً من الدليل، سواءٌ أكان هذا الدليل مصرَّحاً به في الكتاب والسنّة أم مستنبطاً من النصّ، مثل: القياس، والاستصلاح، والمقاصد…

إذن فالاجتهاد المصلحي بهذه الأوصاف والأشكال والضوابط يبقى حاجة ملحّة، تفرضها حاجات العصر، وتلزمها أحد ثوابت الخطاب الإسلامي، وهو استمرار هذا الخطاب باستمرار الحياة البشرية(5).

وبغياب هذه الشروط والآليّات، أو التقصير في أحد مكوّناتها وشروطها، ستستمر المجازفات، وتهدر الطاقات، وتغيب أسرار التشريع ومقاصده، وتضيع مصالح العباد، ويعم الهرج والمرج.

خاتمة: استنتاجٌ وتعليق.

من خال ما سبق يتبين لن أن معنى المصلحة يكمن في وجهين اثنين:

الوجه الأول: جلب النفع والخير.

الوجه الثاني: درء الضرر والشر.

وعليه فالمقصود من تشريع الأحكام إما جلب المصالح أو دفع المفاسد، أو مجموع الأمرين معا، وكذا الساسة الشرعية فإن مقصودها أن يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد.

من هنا تظهر لنا الصلة الوثيقة بين المصلحة والسياسة الشرعية، فإن المصلحة العامة تشكل المعيار الأساس لتجديد ميزان السياسة الشرعية، الأمر الذي فرض الصلة بين العقل الذي يحاول تفهم السياسة وبين الحقائق التي يجب أن تفهم.

وعليه فإننا نستطيع الجزم بأن المصلحة هي أساس السياسة الشرعية، ومن الملاحظ أن هناك جانبين ينظر من خلالهما للسياسة الشرعية بوصفها مفهوما يتمركز حول فكرة المصلحة العامة.

ذ. سعيد أجبارى

——————-

1 – المدخل إلى السياسة الشرعية، لعبد العال عطوة، ص 56، إدارة الثقافة والنشر، بدون طبعة، 1414هـ.

2 – المستصفى للغزالي، 1/34، صححه: محمد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية لبنان.

3 – لسان العرب، 6/108، دار صادر بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ.

4 – من الاجتهاد في النص إلى الاجتهاد في الواقع، لمحمد بنعمر، ص 53، دار الكتب العلمية، 2009م.

5 – من الاجتهاد في النص إلى الاجتهاد في الواقع، لمحمد بنعمر، ص 53.


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “السياسة الشرعية وفقه المصالح الدلالات والعلاقات