موعظة جليس


ضلت بي الطريق عن غاية خلقي، وأعياني حمل قلب عليل بين أضلعي، شوهته المعاصي وأثقلته الذنوب، فأذلني بغيه، وأذلته اجتراحاتي بعدما صرفته من صحته إلى علة، ومن حياته إلى احتضار، فاصابه الرعب رغم تلذذه، والوحشة وسوء الحال رغم كثرة أنّاسه، وانتهى به ضعفه أن أورثني الهم والحزن، والعجز والكسل.

لقد أضحى أعشى البصيرة بعدما طمست فيه قناديل نور الحق، وصار أسير عدوه، وسجين شهواته، وفريسة ذئب الهوى بعدما ابتعد عن الراعي فما سلم.

كسته أسماء الذم وأوصاف الصغار، فأضحى منكوسا ومريضا، وعاصيا وقاسيا. فصرت أعيش الضنك،وحشرت في عماء الضيق، وزج بي التيه في نيران البعد والتنائي، وحركني احتراق الاعماق، واختراق الندم، فيا أرض التيه متى آخرك؟

سلكت الجادة، لأن العزم لا ينال بالهوينا، ولذت أبحث عمن أحاوره، وأصيخ السمع لكلامه عل نصحه يوقظ قلبي الوسنان، ليعود لحضيرة الأنس، وعله يحرره من وثاق الرقاد.

هرعت إلى جليس صالح ناصح؛ الى كتاب المدهش. لأقبس من بعض أسراره، فقلبت صفحاته لألمح الإشارة

فأسر لي قائلا:يامجتنبا من الهدى طريقا واضحا، افتح عين الفكر تر العلم لائحا، واحذر بئر الغفلة فكم غال سائحا ! وتوق بحر الجهل فكم أغرق سابحا !

قلت أوصني سيدي فالعزم مني خار؟ وقدحرمت حكمة الاستبصار. وجئت بعد طول غياب لأسمع موعظتك وقد قلت: كم فهم وعظي ذو فطنة فهج.

انتهرني قائلا: يامن ايام عمره في حياته معدودة، وجسمه بعد مماته مع دودة، يامن عمره يقضى بالساعة والساعة، ياكثير التفريط قليل البضاعة، ياشديد الإسراف ياقوي الإضاعة، كأني بك عن قليل ترمى في جوف قاعة، مسلوبا لباس القدرة وبأس الاستطاعة، وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة، كأنهما إخوان في الفظاعة من لبان الرضاعة، وامسيت تجني ثمار هذي الزراعة، وتمنيت لو قدرت على لحظة طاعة، وقلت”رب ارجعون” وما لك كلمة مطاعة، يا متخلفا عن أقرانه قد حان ان تلحق بالجماعة. مركب الأبدان تجري في بحر البدن برخاء الأنفاس، ولا بد من عاصف قاصف تفككه وتغرق الركاب.

انهمرت دموعي سيالة على خدي، فإذا بكلامه يهدئ من روع نفسي بقوله: مادامت نفسك عند التوبيخ تنكسر، وعينك وقت العتاب تدمع ففي قلبك بعد حياة، إنما المعاصي اوجبت سكتة، فانشق هواك حراق التخويف وقد عطس، يامن قد ابعدته الذنوب عن ديار الأنس، ابك وطر الوطن عساك ترد.

فما سبيل الرجوع سيدي؟

قال:من علم عندنا حسن المآب آب، من خاف الجزاء بما في الكتاب تاب، من حذر أليم العذاب ذاب، من سار في طريق الإيجاب انجاب، من ذكر فعل الموت بالأب والجد جد، من تفكر مرارة الكاس كاس، ويحك دع محبة الدنيا، فعابر السبيل لا يتوطن، واعجبا تضيع منك حبة فتبكي وقد ضاع عمرك وأنت تضحك، تستوفي مكيال هواك وتطفف في كيل صلاتك، تقف ببدنك في المحراب، ووجهك ملتفت للجراب ما يصلح مثلك في الحراب.

لكن لذة الهوى تنسي وتبعد عن المراد بعدما استحكمت؟

فأجابني: ويحك، لوعلمت أن لذة قهر الهوى أطيب من نيله لما غلبك، أما ترى الهرة تتلاعب بالفأرة ولا تقتلها ليبين أثر اقتدارها، وربما تغافلت عنها، فتمعن الفأرة في الهرب فتدركها ولا تقتلها إيثارا للذة القهر على لذة الأكل، من ذبح حنجرة الطمع بخنجر اليأس أعتق القلب من اسر الرق، من ردم خندق الحرص بسكر القناعة ظفر بكيمياء السعادة، من تدرع بدرع الصدق على بدن الصبر هزم عسكر الباطل، من حصد عشب الذنوب بمنجل الورع طابت له روضة الاستقامة، من قطع فضول الكلام بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة في القلب، من ركب مركب الحذر مرت به رخاء الهدى إلى رجاء النجاة، من أرسى على ساحل الخوف لاحت له بلاد الأمن، ألا عزيمة عمرية، ألا هجرة سليمانية.

وأردف قائلا: ابك على نفسك قبل ان يبكى عليك، وتفكر في سهم قد صوب إليك، وإذا رأيت جنازة فاحسبها أنت، وإذا عاينت قبرا فتوهمه قبرك وعد باقي الحياة ربحا.

طويت صفحات الكتاب على موعد الرجوع لمجالسته، وصدى كلماته تتردد في نفسي، وآخر سطور لمحتها عيني طبعت في ذاكرتي تستعجل التوبة بقول صاحبها:” وقوع الذنب على القلب كوقوع الذهن على الثوب، إن لم تعجل غسله وإلا انبسط.

دة. رجاء عبيد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *