غربة العربية


حالة غربة العربية قياسية في هذه الأيام…

فمن غربة الحرف إلى غربة اللسان إلى غربة التعبير بالكتابة، إلى غربة من يحمل هويتها ويتحدث بها ويدافع عنها…

غربة الحرف تبدو في كل شيء، في الإعلانات والإشهارات، وفي واجهات المتاجر والمحلات، تجارية وغير تجارية؛ مقاهي ومكتبات، أبواب عمارات وإدارات… كأنْ لم يَمُر على بلدنا هذا وغيره من البلدان التي تحمل في دستورها بندا أساسيا هو أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، بل وحتى على غيرها من بلاد الإسلام، كأن لم يمر على هذه البلدان كلها دهور كان الحرف العربي فيها عنوان الجمال والزخرفة، في مداخل الأبواب وأعالي الجدران، في المدارس والجوامع، في المصاحف وسائر الكتب المؤلفة، فضلا عن أنها كانت لغة الأدب والعلم والتواصل، حتى وصلنا عنها تراث ضخم لم نر نظيرا له في لغات الحضارات الأخرى…

مضى كل ذلك وكأنه أصبح من التاريخ، لا يهتم به إلا المتخصصون المهتمون بالتراث تحقيقا ودراسة، بل إن العديد من أجيالنا هذه لا يعرفون شيئا ذا بال عن حضارتنا وتاريخنا، وعن تاريخ هذه اللغة بلاغة وفصاحة وبيانا وجمالا…

وأما غربة اللسان فحدِّث ولا حرج؛ فأغلب الألسنة نحَتْ نحْو العُجْمَة، حتى الحديث مع الأولاد في أوساط العديد من الأسَر في المنازل، وخارج المنازل، لا يتم إلا باللغة الأجنبية.

لِمَ ياسادتي؟ قالوا حتى نؤهل أولادنا للمستقبل، فالعربية لا مستقبل لها… هكذا بكل بساطة، وبجرة قلم يمحون ما يتعلق بهذه اللغة من تاريخ وحضارة، ويجْنُون (من الجناية) على أجيال بأكملها، التي كان بإمكانها أن تكون أكثر تعمقا وتبحرا في اللغات والعلوم، لو أنها درست بلغتها.

حتى الدارجة التي كانت الرافد الأساسي للفصحى، لم تَعُد دارجة كما كانت، فلقد أصبحت هجينا معجما وتعبيرا، ورطانة صوتا وتَهْجِية.

في المحافل الدولية؛ كهيئة الأمم المتحدة، تُصرف ميزانية خاصة على العربية باعتبارها إحدى اللغات الست الرسمية فيها، وتمثل الترجمتان النصية والشفهية الفورية من إحدى هذه اللغات إلى الأخرى أمرا أساسيا في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى ما يصدر عنها من نصوص ووثائق، ومع ذلك يأتي من يحمل سمات العربية فيتحدث بلغة أخرى تاركا العربية. ولتَكَرُّر الظاهرة لوّحَت الأمانة العامة للأمم المتحدة في وقت سابق بإمكانية حذف اللغة العربية من بين اللغات المعتمدة، لِما يُصرف عليها من مصاريف دون  استعمالها من قِبَل أصحابها.

وإنه لمن اللافت للانتباه بشكل مثير أن يتحدث الأعجمي بالعربية على هذا المنبر، كما فعلت وزيرة خارجية النمسا، حينما افتتحت خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29 شتنبر الماضي بمقطع من اللغة العربية، أشارت فيه إلى قيمة هذه اللغة، وهي من هي في توجهها السياسي، في حين تحدث آخرون ممن لسانهم عربي، أو هكذا يقولون، بغير لغتهم.

كما أنه من اللافت للانتباه أيضا أن يكون حديث وافدين وزائرين أعاجم لديار العربية بلغة عربية فصحى طليقة، في حين يتحدث  مستقبلوهم من أهل البلاد بلكنة أعجمية لا تكاد تُبِينُ، أما العربية فلم تكن تدور في خلَدهم على ما يبدو، لأنهم لم يكونوا يتوقعون أن يكون ضيوفهم يحسنون العربية.

وأما غربة التعبير فإن أغرب ما رأيت وأنا أتصفح بعض المواقع على الشابكة، مجموعةً من دروس النحو محررة بإحدى العاميات العربية، موجهة لتلاميذ المرحلة الإعدادية فيما يبدو. تساءلت وأنا أقلِّب هذه الصفحات: ما دور درس النحو في العربية؟ ألم تكن نشأة النحو في تاريخ العربية بهدف تقويم اللحن الذي كان قد بدأ ينتشر على ألسنة عدد من الناس؟ أليس النحو -في العربية وغير العربية- أهم وسيلة تصون اللسان عن الانحراف عن قوانين اللغة نطقا وكتابة؟ أليس؟؟ أليس؟؟.

طبعا ليس لدي حساسية ضد اللغات الأجنبية، بل على العكس من ذلك، أدعو إلى تعلمها والتخصص فيها، بل والإبداع فيها. لكن المشكل هو هذا الانحراف اللغوي الذي نعيشه في هذه السنوات الأخيرة، الأمر الذي يدعو إلى القلق، وقبل ذلك يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في منظومتنا التربوية والتعليمية.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *