تجليات الحكمة في وصايا لقمان لابنه 2/2


تناول الأستاذ الفاضل في الحلقة السابقة أربعة تجليات للحكمة في وصايا لقمان، وفي هذه الحلقة يواصل بقية التجليات.

التجلي الخامس:

في الإرشاد إلى إصلاح النفس قبل إصلاح الغير: فلا شك أن من أكبر ما يحذر منه الداعية إلى الله أن يقع في خلاف ما ينهى الناس عنه، أو يترك امتثال ما يحضهم عليه، وقد قال الله تعالى في هذا الصدد في البقرة: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ  أَفَلَا تَعْقِلُونَ (الآية: 44)، وقال في الصف: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(الآية: 2 – 3)، وقال على لسان شعيب  وهو يخاطب قومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ(هود: 88). والظاهر أن لقمان لحكمته كان واعيا بهذا الأمر فأرشد ابنه إلى طريقتين يصلح بهما نفسه قبل أن يتوجه إليه بالأمر بإصلاح الآخرين من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهاتان الطريقتان هما:

– الأولى: طريقة علمية، وتتجلى في استشعار رقابة الله تعالى له في كل حين، حتى تستوي سريرته بسيرته، وعلانيته بسره، فلا يمتنع عن المعصية في حضرة الناس، ثم يتجرأ عليها في الخلوة، فينزع الله عنه توفيقه، ولكن ليكن حضور الله في قلبه ورقابته الدائمة لربه رادعا له عن فعل مثل ذلك فيتحقق له صلاح النفس من هذا الباب، وهذا المعنى مستمد من قوله: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لقمان: 16).

–  وأما الثانية: فطريقة عملية، وتتجلى في حضه على إقام الصلاة؛ لأن الصلاة بشهادة القرآن متى أقامها المصلي كما ينبغي كانت رادعة له عن الوقوع في الحرام ومقارفة الآثام، لقوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ  إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر ِ (العنكبوت: 45).

وبهذا التوجيه اللقماني يتحقق صلاح حال الإبن ويصير كلامه حينئذ ذا قبول لدى الناس لما يرونه من صلاح فيه. ويتأكد هذا المعنى بالتجلي الآتي، وهو السادس من حكمة لقمان.

التجلي السادس:

في الإرشاد إلى حسن الخلق كأحسن طرق الدعوة إلى الله:  وهذا المعنى يستنبط من خلال نهي لقمان ابنه عن التكبر والإعتداد بالنفس وضرورة التحلي بالتواضع الذي هو أساس الأخلاق وأكبر أسباب الود والمحبة بعد أن أمره أن يقوم بشؤون الدعوة: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ(لقمان: 17-18-19)، فنهاه عن التكبر لأن التكبر وما يترتب عليه من الفظاظة والعلو والتهكم على الناس مانع من قبول كلامه عندهم، وحائل بينه وبين الوصول إلى قلوبهم كما هو مجرب، بل هو جالب للنفور، وقد تقدم قول الله تعالى في آل عمران: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فإذا كان هذا ما سيؤول عليه حال النبي  لو أنه كان متكبرا فظا غليظ القلب، مع ما هو عليه  من سعة العلم وقوة العبارة وجودة الخطاب، فكيف سيكون حال من هو دون ذلك بكثير !!

ولا شك أن تأثير النبي  في من حوله لم يكن بمجرد تبليغه الناس القرآن وتبيينه لهم كلاميا وخطابيا فقط، بل بما كان عليه من الخلق العظيم والتواضع الجم عليه الصلاة والسلام، كما يفهم من آية آل عمران، وكما يفهم من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم وغيره وقد سئلت عن خلقه  فقالت: “كان خلق رسول الله  القرآن”، فكان  يبلغ القرآن بخلقه وفعاله قبل خطبه وكلامه.

التجلي السابع والأخير:

تهيئ النفس للصبر على الدعوة: فمن المعلوم أن الدعوة عمل شاق، وأن الداعي إلى الله معرض بسبب ما يدعو إليه من الحق وينهى عنه من الباطل إلى حصول الأذى وكثرة العدى، فلا ينبغي للإبن أن يجزع حينئذ لذلك فتضعف عزيمته ونفسه عن الإستمرار في الدعوة إلى الله، بل عليه أن يهيئها لمثل ذلك كونه من طبيعة هذا الميدان، وأحسب أن هذا ما سعى إليه لقمان. وقد أكثر الله تعالى من توجيه آيات الصبر لنبيه : فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ (طه: 130)، وفي المزمل: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (الآية: 10) وغيرهما. ولعل حصر لقمان الأمر بالدعوة إلى الله بين الأمر بإقام الصلاة والأمر بالصبر على المصائب يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور (الآية: 17) هو من باب قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (البقرة: 45)، ويؤيده وقوع هذه الآية عقب الحديث عن موضوع الدعوة إلى الله الذي أخلت به بنو إسرائيل في قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ  أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ(البقرة: 44 – 45). وهذا تجل آخر لحكمة لقمان فتأمله. والله أعلم.

فهذه سبع أو ثمان تجليات لحكمة لقمان جديرة بالتأمل والتدبر، تظهر سر عناية القرآن الكريم بها وتخليد ذكرها حتى تكون هداية للناس وحكمة لهم ورحمة بهم، بما يتناسب ومطلع سورة لقمان وما جاء فيها من أوصاف للكتاب العزيز: الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِين(لقمان: 1-2-3).

والحمد لله رب العالمين.

ذ. عبد الناصر سلامة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *