أخلاق فاضلة لكنها مهجورة


الأصل في الخطأ أو العيب وكل ما هو قبيح أن يكون شاذا، لأن المطرد لا يكون ولا ينبغي أن يكون إلا صوابا وخيرا بمقتضى الفطرة السوية المتأصلة في النفس البشرية، لكن اليوم كثرت الأخطاء حتى صارت في اعتقاد كثير من الناس صوابا، فصار صعبا أن يتغلب الصواب المهجور على الخطأ الشائع، شاعت أخطاء اللغة حتى صارت معروفة، وعمت البلوى بالفواحش حتى صارت مألوفة. ثم رسَّخ شيوع الأخطاء والعيوب وكثرة تداولها التسليمَ بها، حتى لم يعد من حرج القول: « الخطأ الشائع خير من الصواب المهجور ».

لم تكن السرقة في المجتمعات السوية ترتكب إلا خفية، وإن حصل فيها النهب والغصب جهارا فمن باب الظاهرة الفردية المحدودة، لأن المجتمع كله متأهب بدافع العزة والغيرة للضرب على الناهب الغاصب بيد من حديد، واليوم ساد الغصب والنهب في الطرقات والأماكن والمراكب العمومية أمام الملأ، فلم تعد في النفوس عزة ولا غيرة، فلا لسان يصرخ ولا نفس تغضب إلا من رحم الله تعالى.

سادت الفوضى في التعليم، وهان المدرس في أعين عامة المتعلمين، وكادت منزلته العالية التي حفظت له في سالف الأزمان أن تؤول إلى الانحدار في سلم الرتب الاجتماعية، وصار يتعرض لسيل من الإهانات، بل ويكال له وابل من الاعتداءات اللفظية والبدنية حتى غدا مألوفا أن تطرد مشاهد مأساوية مؤلمة ما كانت تحصل قبل، ثم لا تجابه إلا بالشجب والتنديد في أحسن الأحوال، وعوض أن يعالج الأمر بحزم، ويؤدب المعتدي ويردع؛ يطالب المربي بغض الطرف والتجاوز حتى تمر الموجة بسلام، وليس ذلك في الواقع إلا ذريعة لصب زيت العداوة في نارالعنف.

اهتزت العلاقات التربوية اليوم بما سادها من انحلال وتفسخ فتوالت المآسي الخلقية، وانفصمت عرى الاحترام التي كانت قائمة بين المدرسين والمتعلمين، ونيل من هيبة التعليم وحرمة المعلمين.

كانت الجامعة في السابق مجالا للتكوين والرقي الفكري والمنافسة الشريفة وتخريج نخب المجتمع، واليوم صارت -أو كادت- تفرخ الضحالة والرداءة والفقر العلمي والضعف اللغوي وإن شئت فقل الانحراف الخلقي، وغدت مرتعا للصراعات « الإتنية » والحمية القبلية، حتى وصل الأمر إلى الاقتتال بين الفصائل الطلابية على نحو ما صارت تشهده الساحة الجامعية مؤخرا من أحداث مأساوية مؤلمة تتفطر لها القلوب، وما كانت لتحصل لولا تخلي التعليم عن أهدافه التربوية الأصيلة، ولولا فشل السياسة التعليمية بالبلد، وقصر النظر في التخطيط « الاستراتيجي »، وضحالة البرامج الدراسية وإفقارها من روح القيم الهادفة، ثم فعل الإعلام الفاجر الأفاعيل في تنميط هذا السلوك الآثم بما يبثه من مشاهد مخزية أزالت حاجز الحياء في النفوس، وفتحت أبوابا للشر حتى عمت به البلوى.

غزت موجة الغش الفاحش والخداع الزائف ساحة العلم نفسها وفعلت في الضمير المهني الأفاعيل، فلم تعد لدى صنف من طلاب العلم غضاضة أو حرج من أن يغش أو يسرق أو يناور، والأسوأ أن منهم من يستحسن السرقة فيجاهر بها ويفاخر؛ وما عادت فئة من المؤطرين تلقي بالا للتدقيق والتحقيق والتوثيق، حتى صار مألوفا معروفا أن يُجاز السراق والمحتالون والمزورون والمتملقون، وتُعطى لهم الشهادات من الرتب العليا، وقد يُنوه بهم. وقد تجرف الموجة أحيانا المقاييس والضوابط العلمية حين تكون تتدخل العلاقات الذاتية في الحسم في مباريات التوظيف والترقية والالتحاق بوحدات التكوين وما إليها.

ولم تكن الفواحش ترتكب إلا في الخفاء لأن الحياء هو السائد، واليوم عمت البلوى بالفواحش فلم يعد المجرم يجد غضاضة من الإعلان عن فاحشته والمجاهرة بفعلته؛ يثيرها الإعلام الفاجر بأساليبه المغرية الفتانة، ثم نمطتها المشاهد المطردة في دنيا الواقع، تتوارثها الأجيال بفعل جبروت الإعلام المزين المحرض، وتحت ضغط الهيئات المرئية والخفية الحاقدة مسهلة ومقدمة ما يلزم من الغطاء والدعم الحقوقي والإعلامي والمالي، ثم أزيل البساط من تحت أقدام أهل الحل والعقد فغُض الطرف أو كاد، فلم يعد يصدع بالحق صادع، أو يقبّح المنكر صارخ، وإن لمح للقبح مستنكر ناقد، أو همس بالسوء عالم زاهد، قيل له أنت معتد شارد، وشيطان فتان مارد، فلم يتبق للفتى بله الفتاة بقية من الحياء فتصدمك المشاهد الحقيرة، وتهجم عليك المناظر البغيضة.

وأسوأ تلك المشاهد فتاة توهمك بهيأتها وبسترة رأسها أنها من جنس الطهر والعفاف، لكن بقية لباسها متبرج يصف أو يكشف أو يشف.

وأسوأ ذلك كله فتاة متحجبة الحجاب الكامل من أخمص الرأس إلى القدم، لكن فعلتها فعلة الشياطين، تصدمك في الخلوات وأحيانا في الجلوات بالمخزيات، تتدرج في الفحش من المقدمات، لكنها مع الألفة تصل إلى صلب المنكرات. تصدمك في مشاهد مخزية وأنت سائر في الطريق، وقد يهجم عليك مشهدها الحقير في فناء بيتك وأمام قاعة درسك، ثم تزداد صدمتك حين ترى أن هذه الفتاة طالبة أرسلها أبواها من عمق البادية لتطلب العلم وهو يعيلها وقد يجد كلفة في الإنفاق عليها، ثم لا تجد حرجا في تحدي مشاعر أبويها ومن يعيلها، ثم لا تلقي بالا لمن يراها من الصغار الأبرياء، والكبار المعمرين، وإذا ما حدت بك غيرة المربي لتنصح الفتى أوالفتاة، قيل لك في أحسن الأحوال: إنكم تمثلون جيلا مضى، وهذا جيل الحرية وحقوق الإنسان، أما في أسوإ الأحوال فقد تسمع ما لايرضيك، وقد يصيبك من البذاءة والسخف ما يؤذيك، فيتضاعف الأذى: أذى المشهد وأذى المسمع.

وهذا الصنف من الفتيات شره في المجتمع مستطير، وأثره على الأمة جلي خطير، لأنه بفعلته المنكرة الفاجرة، مضمون سيئ لشعار جميل، وهذا الذي يصنعه ويستغله العدو المغرض الحاقد اليوم للطعن في دين الأمة وثوابتها، لأنه إنما يبني حكمه المغرض الحاقد على مثل هذه الظواهر التي حصل فيها الانفصام بين الأشكال والمضامين وبين الشعار المعلن والسلوك الممارس، فيصادر الأشكال والشعارات بالمضامين المحرفة، ويؤول النص البهي بالواقع الدني…

تعصي الاله و أنت تظهر حبه

هذا لعمري في القياس شنيع

فإلى الله المشتكى وهو المستعان.

د. صالح ازوكاي

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *