مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – الإصلاح بين الناس مكانته وفضله


عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، يا رسول الله قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البَيْن الحالقة» (1)

تقديم:

نستفيد من الحديث النبوي الشريف أن إصلاح ذات البين من أفضل الأعمال الصالحة، كما أن الإصلاح بين الناس مقدم على صلاة النافلة، وصيام النافلة، وصدقة النافلة، فلو سعى مسلم في الإصلاح بين اثنين متخاصمين، لكان أعظم أجرا من رجل قام تلك الليلة، لأن الأول أصلح بين اثنين من أجل توحيد صف المسلمين وجَمْع الكلمة وتحقيق الألفة، فنفعه متعدد، بخلاف المشتغل بالنوافل فهو يصلح نفسه فقط،

إذن، فالإصلاح بين الناس من الأعمال التي رغب فيها الإسلام باعتباره يحقق مقاصد شتى، منها: المحبة، والعفو والمغفرة، واجتماع الكلمة، كما يغرس في النفوس الفضيلة، ويسعد القلوب، ويزيل من النفوس الشحناء، والغل والحقد، وتحل المودة محل القطيعة، والمحبة محل الكراهية.

قال ابن القيم -رحمه الله- “فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل فيكون المصلح عالما بالوقائع عارفا بالواجب قاصدا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم” (2).

وعليه، فإن الشرع الحنيف حث بقوة على الوحدة والترابط وإصلاح ذات البين، بل طلب من المؤمن أن ينخرط في الإصلاح الاجتماعي، بالسعي الصادق في خدمة مصالح الناس والاشتغال بقضاء حوائجهم، إعانة للمحتاج، وإغاثة للملهوف، ومساعدة للضعيف، وإرشادا للضال، وانخراطا في القضية الاجتماعية بكل دلالاتها.

فالإسلام يحث على نفع الناس وخدمتهم بإطلاق، دون تمييز لأفكارهم ولا لأحوالهم، إذ الخير في الإسلام عام، بل إن استمرار النعمة على العبد رهين باستمرار انخراطه في الإصلاح الاجتماعي والعمل الخيري تعاطفا وإحسانا.

من هذا المنطلق، نقول: إن الإصلاح بين الناس أمر مشروع، أمر الله تعالى به في كتابه العزيز، قال تعالى: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم (3).

وقال تعالى: وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي ء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (4).

إذن، فالإصلاح بين الناس عمل شريف وثوابه عند الله عظيم، فبه تزيد لحمة الأمة ويقرب بعضها من بعض، ومن فضائله، أنه خير ما تناجى فيه المتناجون قال تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من امر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس (5)ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نوتيه أجرا عظيما (6). فهذا خير ما يتناجى فيه المتناجون.

ومن فضائله أن المصلح بين الناس يقابل نعم الله بشكرها ويتصدق على نفسه، عن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: «كل سلامى(7)من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس قال: ” تعدل بين اثنين صدقة…”(8) فالإصلاح بين اثنين صدقة، لكن يتحرى المصلح بين الاثنين العدل إذا احتكما إليه، كما أن الإصلاح يشمل الصلح بين القبائل والأقارب والجيران والأزواج والآباء والأبناء… سواء كان ذلك في الأموال أو الدماء أو الأقوال أو الأفعال أو غير ذلك.

ومن فضائل  الإصلاح بين الناس أن النبي  أباح للمصلح الكذب، مع أن الكذب في شريعتنا من كبائر الذنوب، لكنه أبيح للمصلح الذي يسعى إلى الخير أن يكذب توسلا إلى جمع الكلمة وقطع دابر الفساد، وعودة المحبة والألفة بين المسلمين، عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله  يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا(9)، أو يقول خيرا»(10) زاد مسلم، قالت: ولم أسمع يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذِبٌ إلا في ثلاث، الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها(11).

قال الإمام الخطابي -رحمه الله- هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلبا للسلامة ودفعا للضرر عن نفسه، وقد رخص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح(12).

وهذا خير البرية محمد  سمع بأهل قباء اقتتلوا فسارع إلى الإصلاح بينهم، عن سهل بن سعد  أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله  بذلك، فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم»(13) فما أجمل الاقتداء بالحبيب المصطفى الذي جاء هداية للبشرية ورحمة للعالمين، فهو رمز الإصلاح وقائد المصلحين.

من هنا تبرز مكانة الإصلاح بين الناس عامة وبين المختصمين خاصة  لما له من مكانة شريفة وميزة عظيمة، يمتاز بها عن غيره من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله سبحانه، ثم إن المصلح بين الناس عمله شريف، لأن الإصلاح هو التوفيق بين الغير وإصلاح الحال وإزالة أسباب القطيعة والنزاع.

وتجدر الإشارة إلى أن المصلح لابد له من صفات يتحلى بها، من ذلك، الإخلاص في عمله بعيدا عن الرياء والسمعة، ولكن يحتسب ما يقوم به ابتغاء وجه الله وتقربا إليه، قال تعالى في كتابه العزيز: ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نوتيه أجرا عظيما(14).

ومن تلكم الصفات أيضا، أن يعتقد أن ما يفعله امتثالا لأمر الله، ومن ذلك أيضا، أن يعلم أن الإصلاح يوحد الأمة ويمنحها صلابتها ويجمع كلمتها، ومن ذلك أيضا، أن يشكر الله إذ وفقه لهذا العمل النبيل وجعله منارة يهتدى به، ومرجعا يرجع إليه في أمر يحبه الله ورسوله، ومن ذلك أيضا، أن لا يقدم على الإصلاح حتى يعلم حقيقة القضية ويسمع من الطرفين معا، ويدقق في الأمور ويدرسها دراسة بينة واضحة، حتى يكون إقدامه على علم وبصيرة، ومن ذلك أيضا، أن يكون عدلا في إصلاحه بحيث لا يقصد بإصلاحه إضرار فلان ونفع فلان، لقوله تعالى: فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين(15). فالمصلح لا يجامل غنيا لغناه ولا صاحب جاه لجاهه ولكن يحترم القوي والضعيف، بل يُصلح صُلحا لا ينفع غنيا ولا يضر فقيرا، وإنما تكون المنفعة للجميع لأن قصده وجه الله والدار الآخرة.

فهنيئا لمن وفقه الله لهذا العمل الجليل، لأنه كله خير، ودين الإسلام هو دين العدل، ودين الإنصاف، ودين المحبة، ودين التآلف ، والمصلح حينما يدعو للإصلاح فإنما يدعو لإحقاق الحق وإحقاق المصلحة العامة، وإزهاق الباطل، وهذا رسول الله  يحذر أتباعه من الوقوع في العداوة والبغضاء وأن لا يهجر المؤمن أخاه، عن أنس بن مالك  أن رسول الله  قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال»(16) فالمسلم  ينبغي له أن يسعى في الإصلاح قدر الاستطاعة وأن يحاول قدر الإمكان جمع الكلمة وتوحيد الصف، وإزالة أسباب الشقاء والعداوة بين أفراد المجتمع بدءا بأسرته.

وختاما نقول: إن الإصلاح بين الناس له مكانته وفضله، بل هو خير كله، وعمل صالح كله، فلو سعى المسلمون فيه وفق شرع الله واقتداء بهدي رسول الله  لقلَّ النزاع وذاب الخلاف بين الناس ولا ارتاحوا كثيرا من المشاكل، فما أحوجنا إلى أناس صالحين مصلحين، خاصة في وقتنا الحاضر الذي قلَّما تجد أسرة إلا وتعيش شنآن وذلك لغياب أهل الحلِّ والعَقْد من القبيلة والحي، فاللهم ردنا إلى دينك ردا جميلا، واهدنا سواء السبيل، فإنك نعم المولى ونعم النصير.

ذ. علي السباع

————————

1 – سنن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث (ت275هـ)  باب في إصلاح ذات البين، ج 4 ص 280، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية صيدا بيروت، بدون تاريخ الطبع.

2 – إعلام الموقعين عن رب العالمين، لا بن قيم الجوزية، فصل، الصلح إما مردود وإما جائز نافذ) ج 2 ص 205.

3 – سورة الأنفال: من الآية 1.

4 – سورة الحجرات، الآية 9.

5 – قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: أو إصلاح بين الناس، وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما ليتراجعا إلى ما فيه الألفة  واجتماع الكلمة على ماأ ذن الله وأمر به.

6 – سورة النساء: الآية 113.

7 – سلامى: مفصَل، قال الإمام النووي: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله.

8 – صحيح مسلم: ج 2 ص 699.

9 – فينمي خيرا: من نمى الحديث إذا رفعه وبلغه على وجه الإصلاح وطلب الخير.

10 – صحيح البخاري: باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس ج 3 ص 183.

11 – صحيح مسلم: باب تحريم الكذب وبيان ما يباح  منه، ج 4 ص 2011.

12 – معالم السنن: للخطابي، ج 4 ص 123.

13 –  صحيح البخاري: باب قول الإمام لأصحابه، اذهبوا بنا نصلح، ج 3 ص 183.

14 – سورة النساء: من الآية 113.

15 – سورة الحجرات: من الآية 9.

16 – صحيح البخاري: باب الهجرة، ج 8 ص 21.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *