نصـوص الإعجـاز القرآنـي (17)


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة

(الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).
(نصوص أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت324هـ)
(1)
«ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن، وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه».
[إعجاز القرآن للباقلاني، ص: 57]
(2)
«فإن قيل: هل تعرفون إعجاز السور القصار بما تعرفون إعجاز السور الطوال؟ وهل تعرفون إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذي قدرتموه بمثل ما تعرفون به إعجاز سورة البقرة ونحوها؟
فالجواب: أن شيخنا أبا الحسن الأشعري، رحمه الله، أجاب عن ذلك: بأن كل سورة قد عُلم كونها معجزة بعجز العرب عنها».
[م.س، ص: 253-254]
(3)
«الذي ذهب إليه عامة أصحابنا، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري في كتبه، أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها.
قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز.
قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر».
[م.س، ص: 254]
(4)
«فصل في أنه هل يُعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك عن النبي يُعلم ضرورة، وكونه معجزا يُعلم باستدلال».
[م.س، ص: 259]
(5)
«قال أبو الحسن الأشعري: والذي نقوله: إن الأعجمي لا يمكنه أن يَعلم إعجازه إلا استدلالاً، وكذلك من ليس ببليغ.
فأما البليغ الذي أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة؛ فإنه يَعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله».
[معترك الأقران للسيوطي، 1/6]
(نصوص أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي (ت333هـ))
(1)
«وقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: 22) من القرآن أنه مختلق مفترى، وأنه ليس منه، كقولهم: إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلَاقٌ (ص: 6)، وقولهم: مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى (سبإ: 43)، و مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى (القصص: 36).
وقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (البقرة: 22)، أي: ائتوا أنتم بمثل ما أتى هو؛ إذ أنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أولى بذلك منكم، أعني في الاختلاق.
وقوله تعالى: وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة: 22)، أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله حتى تُعين لكم على إتيان مثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في مقالتكم إنه مختلق مفترى.
ويقال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ يعني شعراءكم وخطباءكم؛ ليعينوكم على إثبات مثله.
ويقال: وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى.
وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا (البقرة: 23) يحتمل وجوها: يحتمل أنهم أقروا على إثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لمّا دفع  عن أطماعهم إتيان مثله نظما. ويحتمل: لاجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا كل طاقتهم على إطفاء النور؛ ليخرج قولهم على الصدق بأنه مختلق مفترى، ويظهر كذب الرسول أنه كلام رب العالمين. فأقروا عند ذلك بالعجز؛ فبدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله وترك اشتغالهم بذلك أنه كلام رب العالمين منزّل على نبيه رسوله ».
[تفسير القرآن العظيم للماتريدي، 1/26]
(2)
«وقوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ (آل عمران: 2) ظاهر، (بِالْحَقِّ) أي هو الحق نفسه: حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه، أو يأتوا بمثله، وتحققوا عند كل آية أنه من عند الله؛ إلا من أعرض عنه، وكابر، وعاند…
ثم قال: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (آل عمران: 2) أي موافقا لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة، ولا متفاوتة.
وفيه دلالة نبوة سيدنا محمد ؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلّفوا إظهار موضع الخلاف، فإن لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمدا رسوله، لكنهم كابَروا، وعاندوا».
[م.س، 1/245]
(3)
«وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (النساء: 81) لو كان الحكم الظاهرُ المخرج على ما يقوله قومٌ لكان القرآنُ خرَج مُختلِفا متناقضا:
قال الله تعالى  في الآية: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر (التوبة: 44)، وقال في آية أخرى: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر (التوبة: 45)، فإن كان على ظاهر المَخرَج، فهو مختلف.
وكذلك قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (البقرة: 228)، وقال الله عز وجل في الآية نفسها: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا (البقرة: 228)، في أول الآية حظر، وفي آخرها إباحة. فلو كان على ظاهر المَخرَج والعموم لكان مختلِفا ومتناقضا.
ويجد أهل الإلحاد أوضح طعن فيه، وأيسر سبيل إلى القول بأنه غير مُنزَل من عند الرحمن؛ إذ به وصفه أنه ولو كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (النساء:81)، وقال : لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ الآية (فصلت: 41)، وقال : ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9].
ثم وُجد أكثر ما فيه الحُكْم متفرقا إلى غير المَخرَج، فدل به أن الحُكم لا كذلك، ولكنْ لمعنى مودَع فيه، والمودَع لا يُوصَل إليه إلا بالتدبر والتفكر فيه. وإلى هذا ندَب الله عباده ليتدَبَّروا فيه، ليفهموا مضمونه وليعملوا به.
ثم يُحتمل، بَعدَ هذا، وجهان:
أحدهما: قوله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (النساء: 81)، أي: لو كان هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ لكان لا يُوافِق لِما أخبرهم النبي من سرائرهم موافقا له، دل أنه خبَّر عن الله تعالى.
والثاني: أنهم كانوا يقولون: إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلَاقٌ (ص: 6)، و﴿ مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى (سبإ: 43) ونحوه، فأخبر الله  أنه لو ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ لكان لا يوافق لما عندهم من الكتب؛ بل كان مختلفا. فلما خرج هذا القرآن مستويا موافقا لسائر الكتب كقوله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ (البقرة: 90) و﴿ومُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ (المائدة: 48) دل أنه من عند الله نَزَل.
ويَحتمِل وجها آخر، وهو أن هذا القرآن نَزَل على محمد في أوقات متفرقة متباعدة على نوازل مختلفة، فلو كان من عند غير الله نزَل لخرج مختلفا مناقضا بعضه بعضا؛ لأن حكيما من البشر لو تكلم بكليمات في أوقات متباعدة لخرج كلامه متناقضا مختلِفا إلا أن يستعين بكلام رب العالمين، ويعرض عليه، فعند ذلك لا يتناقض. فلما خرج هذا القرآن مع تباعد الأوقات غير مختلف ولا متناقض، دل أنه من عند الله تعالى نزل، وبالله التوفيق.
وفيه احتجاج على الملحدة حين قال : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَان إلى قوله: ﴿ اخْتِلافًا كَثِيرًا ، فلو وَجدوا لأظهروا ذلك، وقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (البقرة: 22)، ولو قدروا على ذلك لأَتَوا به. دل ترك إتيانهم ذلك أنهم لم يقدروا على إتيان مثله، ولو وجدوه مختلفا لأظهروه، ولو كان من كلام البشر، على ما قالوا، لأتوا به؛ لأنه من البشر، فظهر أنه مُنزَل من عند الله، والله الموفق.»
[م.س.462/1]

د. الحسين زروق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *