من معاني الصدق في القرآن الكريم  


أصل الصدق في اللغة القوة، قال ابن فارس: “الصَّاد وَالدَّال وَالْقَاف أَصْل يَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ فِي الشَّيْءِ قَوْلًا وَغَيْرَهُ. مِنْ ذَلِكَ الصِّدْقُ: خِلَافُ الْكَذِبِ، سُمِّيَ لِقُوَّتِه فِي نَفْسِه، وَلِأَن الْكَذِب لَا قُوَّةَ لَهُ، هُوَ بَاطِل. وَأَصْل هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ شَيْء صَدْق، أَيْ صُلْب. وَرُمْحٌ صَدْق”.

والصدق جاء في القرآن الكريم بعدة معاني، معظمها يدور على الصدق في الإيمان بالله تعالى، من ذلك قوله : لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِن الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾(البقرة: 177).

ولذلك جاء مقابلا للنفاق في مثل قوله سبحانه: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ  فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ  وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (الأحزاب: 23 – 24).

كما ورد الصدق صفة لله تعالى في آيات كثيرة منها قوله :﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 86)، وقوله: إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ (مريم: 54).

أما ارتباط الصدق بالمخلوقين فقد ورد على وجوه عدة، حيث جاء وصفا لكل من القول والعمل والحال، قال الشيخ أبو زهرة في بيان هذه الأنواع الثلاثة: “وإن الصدق ذو شعب ثلاث، أقربها الصدق في القول، فلا ينطق إلا بالحق، ولا ينطق إلا بما يجول بصدره، ولا يماري ولا يداهن، ولا يرفث في قول، والثانية صدق النفس فلا يغش نفسه، ولا يخدعها، بل يحاول أن يطلع على عيوبها ويعالج هذه العيوب، ولا يخدع نفسه ليكذب عليها، والثالثة، صدق الإنصاف، فلا يغمط غيره، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يضغن، وينصف أعداءه من نفسه”.

وإذا تحقق في العبد ذلك مجتمعا وصل إلى مرتبة الصديقية، قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: “فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل وقد أمر الله تعالى رسوله: أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيرا (الإسراء: 80)،  وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أنه يهب له لسان صدق في الآخرين فقال: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾(الشعراء: 84)، وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ (يونس: 2)  وقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر  (القمر: 54-55)، فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق، وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال” مدارج السالكين 2/271.

غير أن الصدق المتعلق بالمخلوقين لم يرد بصيغة الأمر من المادة في القرآن الكريم، بل ورد إما على وجه الثناء على المتصفين به، أو على وجه الوعد لهم بالجزاء به، أو على وجه الدعاء بحيازة مرتبة فيه، والأمر الوحيد المتعلق بالدعوة إلى الصدق جاء في قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة: 120)، وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى الآية الكريمة، فقال بعضهم إن معناها: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فِي الْآخِرَةِ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا) تفسير الطبري، وقال غيره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ: هُوَ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُمِرُوا بِكَوْنِهِمْ مَعَ أَهْلِ الصِّدْقِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ نَفَعَهُمْ صِدْقُهُمْ وَأَزَاحَهُمْ عَنْ رِبْقَةِ النِّفَاقِ” البحر المحيط.

وقال سعيد حوى في تفسير الاية: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ بإقامة شرعه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ في إيمانهم دون المنافقين، أي كونوا مع الذين صدقوا في دين الله قولا ونية وعملا” الأساس في التفسير4/2371.

وبشيء من النظر في هذه الآية الكريمة، نجدها قد تضمنت أمرا مباشرا من الله تعالى لعباده المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين ومنهم، وعدم ورود صيغة الأمر من فعل (صدق) مطلقا في القرآن الكريم، كأنه يحيل على أن الصدق من الصفات الأصيلة في الإنسان، التي فطره الله عليها، ولاتكون الدعوة إلا إلى الحرص على رعايتها وتحريها في جميع الأحوال، كما نأخذ من هذا الأمر الإلهي أن الصدق من الصفات  التي لا تتحقق مزاياها إلا إذا كانت صفة للجماعة شاملة لكل أقوالهم ومواقفهم وأحوالهم، كما لا تتحقق مزايا الصدق عند الفرد إلا إذا كانت صفة لصيقة به دائما لا يخالفها إلى الكذب ولا إلى النفاق، وهما مقابلان للصدق، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».

وهذه المعاني كلها تشتمل على دلالات ذات صلة بالقوة التي هي أصل مادة الصدق في اللغة كما تقدم، حيث إن الصادق لكي يتحقق بمعنى هذا الخلق العظيم، لا بد أن تكون لديه قوة داخلية تمكنه من تحري الصدق بكل معانيه، وبصفة دائمة لا استثناء فيها، مع أنه يستمد هذه القوة من الجماعة التي تتفق وتتحد في اعتبار الصدق قيمة عظمى تدور عليها جميع أقوالها وأفعالها وأحوالها.

وعموما فإن مرتبة الصادقين عظيمة عند الله تعالى، وكفى الصادقين جزاء أن مرتبتهم عند الله أتت بعد مرتبة الأنبياء في قوله سبحانه:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا  ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (النساء: 68-69)، كما ذكره غير واحد من المفسرين. والله أعلم وأحكم.

دة. كلثومة دخوش

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *