مسافات – أمّيّة القيم


في مخيالنا تعيش المدينة الفاضلة وتكبر، وفي واقعنا يسقط بنيانها ويصغر،  وفي كل مرة أكتشف أنّ  الذي يلفّني على مستوى الأفكار خاص بي وحدي، وهو  في عالم الناس لا يشبههم، بل يشبهني لأنّه يعبّر عن  طريقتي في التفكير وفلسفتي في التّعامل الّتي تأنس بالجميل والرّاقي الذي يصنعه التواضع والتغافل والتغابي، هذا  الذي كثيرا ما ورّطني وفتح عليّ أبواب وجع يصل بي حد المرض، وفي كل مرة أقسم بأغلظ الأيْمان أن أغيّر طريقتي في التعامل مع الغير، ولكن أجدني أعود إليّ برغم ما ألقى من عذابات في تواصلي مع النّاس واحتكاكي بهم.

هل هي السذاجة أم رقة القلب، هل هو الضعف أم بعد النظر، هل هي الإنسانية أم قلة تقدير الذات،  هل هو العقل أم جنون الثقة في الناس، وهل ، وهل ، هل ….، وتكثرالهلهلات أو المهلهلات دون جدوى في إيجاد جواب يريح عقلي المتعب منّي وقلبي الذي يكاد  داخله ينفطر.

أعود بذاكرتي إلى حيّنا القديم، حيث تربيت ونشأت وترعرعت حيث المساكن البسيطة والنفوس البسيطة، حيث البسمة الصافية والضحكة البريئة، حيث عالم الناس كانت تعني لهم كثيرا العلاقات التي تجمعهم على دفع الهموم  بالسمر والإفضاء بالتبنّي، لا يسقط وجه الأخ أو الأخت أو الجار أو عابر السبيل أرضا وإنّما تحفظه منظومة من القيم ساهمت في التّمكين للتّكافل الاجتماعي والإنساني  في أبعاده العريضة.

أعود بذاكرتي إلى يوميات كنّا نعيشها، فتحضر الجدة والجد والعمة والعم والخالة والخال والجارة والجار وتحضر معهم مشاكل عويصة ولكن تحلّها العقول الكبيرة دون أن تشركنا نحن الصغار في عالمهم فلا يكبر في داخلنا إلا الحب لكل هؤلاء، لأنّ الأمهات تأبى عليهن أخلاقهن أن يتجاوز الصغير قدر الكبير وإن كنّ على خصام معه.

أعود بذاكرتي إلى حبات الحلوى وحفنات التمر التي كان يوزعها عمّنا الكبير أو جارنا المهاب على جميع الأطفال بلا استثناء، فيحضر العيد في قلوبنا في كل توزيعة وتحضر حبة الحلوى وجها يحمل كل فرح الدنيا ونحن ننطّ لا حسابات بيننا إلا المذاق الحلو الذي تتركه بقايا التّمر في أفواهنا.

واليوم، اليوم وقد تغيرت الدنيا ها هو الشحوب يلف كل الأمكنة والقلق يلبس أكثر النفوس وخوف الناس بعضهم من بعضهم يكاد يكون السمة الغالبة في المعاملات ، غابت ملامح السماء الصافية، فلا إشراقات وغابت مناظر الأحاديث الراقية،  فلا علاقات، الكل ّ متوجس من الكل، والكلّ متذمر من الكل، وإن جاء الحديث بينهم جاءت معه نصف الحقيقة والنصف الآخر تلفيقات للبيع، هل هي التكنولوجيا وقوّتها في صنع العالم الافتراضي، ما جعلنا نفقد عوالمنا الجميلة، هل هي المادة  وطغيانها، ما دفعنا لقطع علاقاتنا المتينة، هل هي النفعية والمصالح الذاتيّة، ما جعل قلوبنا تكبر فيها الضغينة ويكبر الخوف من الحسد والعين والسحر وغيرها من الأمراض المكينة وهل وهل وهل ……….

الأسئلة هنا، كالعظم في حلقي، لا تكاد تغيب عن خاطري، حتى تحضر من جديد في عوالمي الدفينة ويحضر معها سيد الأنبياء  صلى الله عليه وسلم بكل تداعيات النبي الأعظم، الذي أنقد البشرية من كل ما تعانيه اليوم حين علّمها كيف تحب، وكيف تصفو وكيف ترتقي، وكيف تكون سخية وكيف تكون تقية، وكيف تكون  نقيّة،  وكيف تكون عليّة،  ولكن سقط من أيدي الناس سراج العلم اللّدني، وعمّت بوادر الجاهلية في ظل عالم يبلس العنجهية، ويلهث وراء دنيا تتفنّن في تصديرنا جثثا منسية.

أميّة القيم هي إشكالنا الكبير اليوم وجيلنا القديم عاش أميّة الكتابة ولم يعش أميّة القيم، ولذا كبرت في جناحهم موازين المحافظة على كلّ جميل إنساني وعشنا علمية الكتابة ولم نعش جمالية القيم، ولذا تهرّأ فينا الإحساس حتّى بات جيل المفتاح يقتله الفراغ المنتش بلعبة الحوت الأزرق الّتي جنت على أحلامنا الكبيرة في صناعة جيل يؤمن بأنّ الحضارة هي مجموعة القيم الإيجابية، التي من أعلى قيمها التوحيد، والتي ترفض الفراغ والشحوب والهزيمة وتؤمن بالحياة وبما يصنع  الفارق في تذوق الجمال الإلهي والروحي والنّفسي والإنساني والكوني.

فمتى نعود إلينا كي تعود الأمكنة لدفئها القيمي، ومن ثمّ تعود إلينا الحياة التي قتلت بهاءها أميّة القيم .

دة. ليلى لعوير

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *