فقه الأولويات في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية


إن الأمة التي لا تدرك قيمة ترتيب أولوياتها، ولا تعبأ لما هو أولى من غيره، تبقى عاجزة عن اللحاق بالركب الحضاري، من هذا المنطلق ألفينا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ، اعتنيا عناية فائقة بموضوع الأولويات، لكن قبل تقديم لمحة ونماذج لأولويات القرآن الكريم والسنة النبوية، ماذا نقصد أولا الأولويات؟

في اللغة: أولى اسم تفضيل له معنيان في الاستعمال اللغوي:

الأول: أحق وأجدر؛

الثاني: أقرب ؛

والمعنى الثاني يرجع في أصله للمعنى الأول، ورد في المعجم الوسيط، الأَوْلى: أفعل تفضيل بمعنى الأحق والأجدر والأقرب(1).

وفي الاصطلاح: لم يظهر استعمال مصطلح « الأولويات » إلا في عصرنا، إذ كثر تداوله على ألسنة دعاة الإصلاح الاجتماعي بالخصوص.

وقد عرفها الدكتور محمد الوكيلي في كتابه « فقه الأولويات: دراسة في الضوابط » بقوله: « الأولويات هي الأعمال الشرعية التي لها حق التقديم على غيرها عند الامتثال أو عند الإنجاز »(2).

ومما يفهم من هذا التعريف أن تقديم حكم شرعي على غيره، هو على المستوى التنفيذي للأحكام الشرعية، لا على المستوى الاعتقادي. لأن الدين قد اكتمل، وينبغي الإيمان بكل الأحكام، لكن عند إرادة تنفيذ أحكام الشرع، ووقوف عوائق تعرقل التنفيذ الكلي، نكون مرغمين على سلوك منهج التدرج على أمل أن يتحقق التطبيق الشامل، والقصد من ذلك عدم إهدار الوقت والجهد في أمور لا يضر تأخير تنفيذها.

من أولويات القرآن الكريم:

– الدعوة إلى الله تعالى أولى من الاهتمام بآلام الدنيا: يظهر ذلك من خلال قوله تعالى على لسان يوسف : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ آرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (3).

فالسجن لم يمنع يوسف   من الدعوة إلى الله وممارستها، إذ اغتنم فرصة سؤال صاحبيه له في السجن عن رؤياهما وتأويلها لهما ليؤكد على وحدانية الله تعالى. بل إن خوف الله تعالى جعله يختار السجن على أن يسقط في براثن الفاحشة، وهذا في غاية مقامات الكمال، أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك(4).

– أولوية الوحدة على الفرقة: دل على ذلك قوله تعالى: قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (5).

قال « طه جابر العلواني » وهو يذكر أراء العلماء في الاختلاف: « ويكفي لمعرفة أضرار الاختلاف وخطورته أن نبي الله هارون  عد الاختلاف أكبر خطرا وأشد ضررا من عبادة الأوثان، فحين صنع السامري لقومه عجلا من الذهب وقال لهم: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (6)، وعظه هارون بحكمة وبقي ينتظر أخاه موسى ، ولما وصل موسى ورأى القوم عاكفين على العجل وجه أشد اللوم إلى أخيه، فما كان عذر أخيه إلا أن قال: قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (7). فجعل من خوف الفرقة والاختلاف بين قومه عذرا له في عدم التشديد في الإنكار ومقاومة الانفصال عنهم حين لا ينفع الإنكار »(8).

– المصالح الأخروية أولى من المصالح الدنيوية: يتجلى ذلك في قوله تعالى على لسان سحرة فرعون: قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (9).

فسحرة فرعون كانوا في بداية الأمر أعداء لموسى عليه السلام، لكنهم ما إن رأوا معجزاته حتى عجلوا بالإيمان والالتحاق بركبه، وآمنوا إيمانا راسخا رسوخ الجبال، جعلهم يقدمون جوار الله تعالى على جوار فرعون، ويقدمون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، فأي بصيرة هذه التي استنارت بالإيمان وأعطت الأولوية للموت على الإيمان ودخول الجنان على قرب فرعون وخسارة الآخرة ودخول النيران (10).

والآيات الدالة على تفضيل الآخرة في القرآن كثيرة، كقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (11). إلا أن هذا التقديم للآخرة لا يعني إهمال الدنيا، ولكنه فقط يعني ألا تصبح أكبر هم للإنسان ومبلغ علمه. لأن التمتع بنعم الدنيا وملذاتها في الحدود المعتدلة والمعقولة مباح شرعا، وعليه فإن التفكير الذي يزدري الدنيا ويدعو إلى تطليقها، تفكير يخالف نظرة الإسلام لها(12).

وقد عقد فهمي هويدي في كتابه: « القرآن والسلطان » مبحثا حول الدنيا والآخرة، بين فيه أن حق المسلم في الدنيا ثابت بنصوص القرآن والسنة. منها قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (13). كما أشار إلى أن الله تعالى لم يستخلف الإنسان في الأرض ليترك الدنيا ويخاصمها ويدير ظهره لها. ولم يسخر له الكون ليحتفظ به رصيدا مجمدا، والله أيضا لم يتعبد الناس بالإعراض عن الدنيا، ولكنه تعبدهم بامتلاك هذه الدنيا وتطويعها واستثمارها »(14).

من أولويات السنة النبوية:

– الأعمال المتعدية أولى من الأعمال القاصرة:

في ذلك وردت نصوص حديثية كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال:

– عن عثمان  قال: قال: رسول الله : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (15).

– وقال أيضا: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله إلى مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا» (16).

– عن سلمان قال سمعت رسول الله  يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتَّان» (17).

فهذه الأحاديث وغيرها دلت على أن العمل المندوب المتعدي النفع أولى من العمل المندوب القاصر، ولا شك أن كل ما كثر نفعه كان محبوبا عند الله تعالى ومفضلا.

– الأعمال الدائمة أولى من الأعمال المنقطعة:

قد يكون العمل كبيرا لكن منقطعا، وقد يكون العمل قليلا لكن دائما ومستمرا، فيكون الأولى والأفضل المستمر الدائم، وفي ذلك وردت أحاديث نبوية شريفة منها:

– قال رسول الله : «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت» (18).

– وقالت عائشة رضي الله عنها في حق رسول الله : « كان أحب العمل إلى رسول الله  الذي يدوم عليه صاحبه» (19).

ففي هذين الحديثين وغيرهما تأكيد على مقصد من مقاصد الشريعة الذي هو دوام الأعمال الصالحة واستمراره، لأن فيه استمرارا للخير، قال الإمام الشاطبي: « من مقصود الشارع في الأعمال دوام المكلف عليها، والدليل على ذلك واضح، كقوله تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ(20)، وقوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ(21)، وإقام الصلاة بمعنى الدوام عليها »(22).

– العمل في زمن الفتن أولى وأفضل من العمل في الأوقات العادية:

للعمل في زمن الفتن أجرعظيم عند الله تعالى، إلى درجة أن بعض الأحاديث جعلت أجر المصلحين في زمن اتباع الهوى وملذات الدنيا يساوي أجر خمسين رجلا من الصحابة، وبعضها اعتبر أفضل الشهداء، الذي يقول الحق في وجه حاكم جائر.

ومن هذه الأحاديث ما يلي:

– عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، قال: قلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية؟: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا(23) قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله  فقال: «ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنك، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله»، (رواه أبو داود(24) والترمذي، وقال: حديث حسن غريب(25)، زاد أبو داود والترمذي: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: « بل أجر خمسين منكم ».

– قال رسول الله : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» « (26).

– وقال : «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله»(27).

فمن هذه النصوص الحديثية يتبين أن الأعمال الصالحة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مطلوبة في كل وقت، لكن تشتد الحاجة إليها في زمن الفتن والأزمات، ورب عمل كان مرجوحا في الأوضاع الاعتيادية، فيصبح راجحا في زمن الفتن(28).

ولا شك أن المصلح في زمن الأزمات يجد أمامه تحديات كبرى، ومشاق عظيمة، بحيث يصبح عمله لدينه، وصبره عليه، كالقبض على الجمر، فهو يضطهد في الداخل، ويحارب من الخارج، وتجتمع كل قوى الكفر على عداوته والكيد له، وإن اختلفت فيما بينها، والله من ورائهم محيط،(29). إلا أن ذلك كله يهون أمام ما أعده الله تعالى للمصلحين المناضلين من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.

إعداد: عبد العلي الوالي

—————————

1 – مادة ولي.

2 – ص: 15.

3 – يوسف: الآية: 39-40.

4 تفسير ابن كثير، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 4/331.

5 – طه: الآية: 92 – 94.

6 – طه:الآية : 88.

7 – طه: الآية: 94.

8 – أدب الاختلاف في الإسلام لطه جابر العلواني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ص: 31.

9 – طه: الآية: 72.

10 – فقه الأولويات في ظلال مقاصد الشريعة لعبد السلام عيادة، ص: 59.

11 – النحل: الآية: 30.

12 – فقه الأولويات للوكيلي، ص: 85.

13 – الأعراف: الآية: 32.

14 – أنظر القرآن والسلطان لفهمي هويدي، دار الشروق، من ص: 217 إلى ص: 224.

15 – صحيح البخاري، رقم: 5027.

16 – مجمع الزوائد للهيثمي، رقم: 13708.

17 – صحيح مسلم، رقم:1913.

18 – صحيح مسلم، رقم: 783.

19 – صحيح البخاري، رقم: 6462 .

20 – المعارج: الآية: 22- 23.

21 – البقرة: الآية:3.

22 – الموافقات للشاطبي: 2/404.

23 – المائدة: الآية: 105.

24 – سنن أبي داود، رقم: 4341 .

25 – سنن الترمذي، رقم: 3058. قال الألباني: « ضعيف لكن بعضه صحيح ».

26 – سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، رقم: 4011.

27 – المستدرك للحاكم النيسابوري، رقم: 4884. وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 374.

28 – فقه الأولويات في ظلال مقاصد الشريعة الإسلامية للدكتور عبد السلام عيادة، ص: 98.

29 – في فقه الأولويات للدكتور يوسف القرضاوي، ص: 112.

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *