الأمة القائمة بأمر الله


عن معاوية قال سمعت النبي  يقول: «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ ( البخاري ومسلم).

توطئة للحديث:

الحديث ورد بألفاظ مختلفة:

– منها هذه الرواية التي ذكرها البخاري ومسلم.

– ومنها رواية للإمام أحمد في مسنده: «لا يزال ناس من أمتي يقاتلون على الحق…».

– ورواية لمسلم كذلك: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة….».

– وفي رواية لابن ماجة: «لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها».

وقد تعدت روايات هذا الحديث، وأخصر هذه الروايات تلك التي رواها الإمام البخاري رحمه الله، والاختلاف بين الروايات يدل -والله أعلم- على أن النبي  ذكر الحديث في عدة مناسبات، ولكل مناسبة سياقها الخاص بها.

وأهمية هذا الحديث تأتي من تعدد الروايات وفي مناسبات مختلفة، وكأن الرسول  كان حريصا على إسماع صحابته هذا الحديث ومن خلالهم لأمته على مدار الزمن؛ لما فيه من شحذ للهمم للثبات على هذا الدين وإقامته ونصرته؛ لأن الله تعالى وعد الفئة القائمة على هذا الدين بالنصر والتمكين كما قال تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز (الحج: 38)
ومدار معنى الحديث على أن أمة الإسلام لن تعدم وجود جماعة -أمة- من المسلمين تحقق وعد الله بالنصر والتمكين لدينه عبر الزمن والعصور، ولا يخلو زمن أو عصر إلا ووجد فيه من ينصر هذا الدين ويدافع عنه بما أوتي من عزم وقوة.

لكن ما هي صفات الجماعة / الأمة المقصودة بالحديث؟

من خلال هذا الحديث سنحاول التعرف على بعض مضامينه، والوقوف عند صفات الجماعة المقصودة.

من معاني الحديث:

1 – قوله : «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ  قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ».

ففيه بشارة من رسول الله  عن الله تعالى أن هذه الأمة لن تعدم وجود جماعة من المسلمين تحفظ لها دينها، هذه الجماعة تولى الله تعالى تثبيتها، ومنحها من القوة الإيمانية ما يجعلها تقف في وجه أعداء الإسلام مهما عظمت الخطوب واشتدت المحن.

هذه المعية الخاصة من الله تعالى نالتها هذه الجماعة:

بما تحرت التقوى في أعمالها، قال تعالى:إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (النحل: 128).

وقد ذكر ابن رجب في شرح الحديث التاسع والعشرين من الأربعين النووية: أن معية الله تعالى لعباده نوعان معية عامة وهي لجميع خلقه بدون استثناء، ومعية خاصة لنوعية معينة من عباده: تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة.

فهذه من صفات هذه الجماعة القائمة بأمر الله تعالى، التي تستحق هذه المكانة بتمسكها بكتاب ربها الذي فيه كل ما تحتاجه من قوى معينة على الثبات وفي مقدمتها القوة الإيمانية، التي لا تعدلها قوة، ثم بمجاهدتها وبإخلاصها للتخلق بالصفات السابقة.
قال الإمام النووي: (وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف ما يزال بحمد الله تعالى من زمن النبي، ، إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث) صحيح مسلم بشرح النووي.

2 – قوله : «لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُم».

فهذه الأمة منتصرة نفسيا، وإيمانها يمنحها الصبر والثبات في مواجهة أشد ما يمكن أن تتعرض له من خذلان أو ضغط نفسي من المخالفين لها، وقد ذكر رسول الله  أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة، قال : «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية: «وهي الجماعة، أي المجتمعة على الحق» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم).

كما أن هذه الفئة: منتصرة على نزوات النفس، بثباتها على الحق في مواجهة إغراءات الشهوة وإغواء شياطين الجن والإنس، قال : «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (سنن الترمذي).
وثابتة أيضا على الحق في مواجهة المحن والفتن، فلا يؤثر في نفسها ما يفعله المنافقون من كيد للمؤمنين، وتخذيل ونكاية بهم، والرسول  عانى من هذه الأفعال فلم تنل منه ومن صحابته في بداية دعوته. وطيلة تاريخ الإسلام لم تعدم الأمة جماعة منها كان لها الأثر البارز في حفظ هذا الدين وتعليمه حتى في مرحلة الاستضعاف…

فميزة هذه الفئة عبر الزمن أن نفوسها لا تنحرف بالإغراء أو الإغواء، ولا تنهزم ولا تيأس ولا تنهار بما يصيبها من المحن، ولا تضعف أمام المجتمع المنحرف، بل تجدها مستغنية بالله تعالى عن الغير، ماضية في الإصلاح وتعميم قيم الخير الفضيلة.

ورغم الاختلاف في تحديد هذه الفئة إلا أن الظاه كما قال النووي: (ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فـقـهـاء، ومنهم محدّثون، ومنهم زهّاد، وآمرون بالمعروف وناهـون عن المنكر ومنهم أنواع أخرى من الخير)، وقال أيضا: (يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدّث ومفسّر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد).

وزاد ابن حجر رحمه الله تعالى مفصّلاً القول في المسألة (ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله) شرح النووي على مسلم.

ومدار كلام العلماء على أن هذه الطائفة ليست محصورة في مجموعة محددة من الناس كما أنـها ليست محصورة ببلد معين.

إلا أن الراجح من أمر هذه الفئة، أنهم المشتغلون بدين الله تعالى تعلما وتعليما، المتفانون بصدق وإخلاص في تعزيز حضور الدين والعمل بتوجيهاته في ميادين الحياة، المبلغون رسالة ربهم لعباده كما بلغها رسوله الكريم، وكما بلغها صحابته.

يصدق فيهم قول الرسول : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت الكلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». (رواه البخاري)
فبهذه العملية وهذه المهمة تخلقت الأمة بذرة صغيرة تنمو وتترعرع ويشتد كما يمكن أن تتخلق في كل زمان تقوم بوظيفتها في نشر الخير المصلحة ودفع الشر والمفسدة كما يدفع النورالظلام.

3 – وقوله، : «حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ».

فيه دليل على الثبات والاستمرار على نفس الحال وهم على ذلك “أي قائمون على هذاالأمر: أي التمكين لدين الله في الأرض، وصد كل الشبهات والدعوات المغرضة التي تعترض انتشاره. فقد اقتضت سنة الله تعالى أن يمكن لهذا الدين بفئة مؤمنة صادقة اجتباها الله تعالى لهذا الأمر، قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب: 23)
فهذه الفئة صدقت فيما عاهدت الله عليه: وهو التمكين لدين الله في النفوس وفي الأرض. وهي فئة من المؤمنين وليس كل المؤمنين، ووصفهم الحق سبحانه وتعالى بالرجال، وبالصدق على العهد.

فمن هذه الفئة من وافتهم المنية وهو على العهد، ومنهم التي ما تزال تقوم بمهمتها ثابتة على العهد.

وفي الآية تأكيد على استمرار وجود هذه الفئة في الأمة إلى يوم الدين، وفي كل حقبة وحين.

بعض المستفادات من الحديث:

1 – الله ناصر دينه بعباده القائمين بأمره الثابتين على العهد.

2 – أهمية العناية بتكوين أهل العلم والصلاح في كل مجال وظيفتهم الترشيد والنصح والتوجيه بعلم وحكمة وخبرة
أهمية القيام بالدين والاستقامة عليه في حفظ الدين والأمة وحفظ وجودهما وبقائهما.

ذ. محمد بوزين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *