قبسات فكرية – مؤشرات الانحطاط


مما درجت الأمم في عصورها الحديثة على تعهده بالمتابعة الحثيثة والتقويم المستمر، حالة النمو الاقتصادي، فهي ترصد مساره بشكل دوري على المدى القريب والمتوسط والبعيد، باعتباره شرط وجود، أو شرط قوة في ذلك الوجود،  وقد هداها حرصها على ضمان الاطمئنان على حسن سير حركة النمو في الاتجاه المطلوب الذي يحقق الرفاهية والازدهار، إلى تقعيد قواعد للضبط والملاحظة، ورسم مؤشرات علمية تقيس بشكل كمي حصيلة حركة النمو الراهنة، ويمكن أن يؤسس عليها فعل تنبؤي لما يحتمل أو يرجح أن يؤول إليه الأمر مستقبلا.

وإذا كان هذا الأمر محمودا باعتباره وسيلة من وسائل العمران البشري في بعده المادي المعيشي، فإن ما هو غير محمود، بل إنه لمستغرب ومذموم، هو أن يحصل في مقابل ذلك الاهتمام المحموم بمؤشرات النمو الاقتصادي، شبه إهمال كامل بمؤشرات النمو الأخلاقي، التي تحدد موقع المجتمع والأمة من مكارم الأخلاق، وتريها وجهها في مرآته الصافية، هل لا يزال يحتفظ ببقية من جمال وحياء وبهاء ترشحه لأن يبث في الناس معنى الحياة، ويرشحهم إلى التطلع إلى الأفضل والأعلى في مدارج الارتقاء الإنساني، أم أنه أصبح كسيفا تشوهه الدمامل والخدوش، وتغلفه الغبرة والسواد.

ووجه الغرابة في صنيع قوم يستسيغون هذا الفصل بين رصد مؤشرات النمو الاقتصادي، ورصد مؤشرات النمو الأخلاقي، هو غفلة هؤلاء عن العلاقة الوثيقة التي تربط القضيتين، حتى لكأنها تؤول عند العقلاء والحكماء الذين سبروا أسرار الحضارة وحقائق العمران البشري إلى كونها علاقة سببية محكمة، ولعل هذا هو ما جعل أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله يطلق بيته المأثور الذي لا زال يتردد على لسان كل مفجوع  بانهيار صرح الأخلاق، الذي بات ينذر بانهيار حضارة باتت كالشجرة المسوسة المنخورة.

 إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

إن مما يكتسي طابع الإلحاح في حياتنا الراهنة، أن نولي أهمية كبرى لمؤشرات الانحطاط الذي أصبح يزحف على حياتنا بشكل عنيف، ويكتسح في كل يوم مساحات جديدة من قيم الحق والخير والجمال، فيدفعها إلى مناطق الأسر والاعتقال، في غياب من يفديها ويستميت في حمايتها والذود عن حماها، لأن رصدنا لتلك المؤشرات – أي مؤشرات الانحطاط – من شأنه أن يجعل القيمين على هذا المجتمع أمام مسؤولياتهم، فيضعون أعمالهم في ميزان الشرع والعقل، وفي ميزان الأمانة العظمى التي قلدهم الشعب إياها، هل رعوها حق رعايتها، أم أنهم جعلوها رهن الضياع والإهدار.

قد يقول قائل: إن مراكز الأبحاث، ودوائر الدولة ومؤسساتها المتنوعة تضطلع بمهام الرصد والإحصاء والتصنيف والتحليل والتعليل لكل ما يقع من جرائم وانحرافات وجنايات تكبد الأفراد والمجتمع خسائر فادحة في أمنهم واستقرارهم واطمئنانهم. والجواب الصارخ على هذا القول: هو ما جدوى كل ذلك على فرض القيام به بما يستحق من مواصفات، إذا لم تتم ترجمته الصارمة إلى استراتيجية للإصلاح، يعاد على أساسها النظر في كل مؤسسات المجتمع وأنظمته، ثم هيكلتها بما يستجيب لمتطلبات التقويم والإصلاح؟

لقد باتت حياتنا اليوم ترتكس ارتكاسا في حمأة كابوس مرعب اسمه العنف، يقض مضاجعنا ويلازمنا ملازمة الظل لصاحبه، و لا ندري هل من سوء حظنا أم من حسنه أن نكون في وضع لا تبخل علينا فيه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بأي صورة من صور البؤس الأخلاقي والانحطاط القيمي التي تسجلها لوحة الواقع الاجتماعي عندنا، فضلا عما تنقله من جهات أخرى، لقد تولد لدينا إحساس دائم بالقرف والغثيان، وانعدام المعنى.

إننا لو مضينا نعدد مؤشرات الانحطاط التي باتت تحاصر حياتنا الأخلاقية والاجتماعية لاحتجنا إلى مجلدات، فتفسخ القيم وإطلاق العنان للأهواء لا يقابله إلا الانحطاط، ولكننا نكتفي بمؤشر واحد أصبح سيد الموقف في هذه المدة الأخيرة، وأصبح حديث الساعة ومادة الناس والإعلام، إنه مؤشر اعتداء التلاميذ على أساتذتهم وارتكاب العنف ضدهم. إن استشراء هذا السلوك المشين، واتجاهه لأن يصبح ظاهرة، لا يمكن أن يجادل عاقل في كونه من أكبر مؤشرات الانحطاط، في مجتمع يفترض فيه بحكم الإطار المرجعي الذي ينتسب إليه، أن يكون أكثر المجتمعات نأيا عنه وعن أسبابه، كما لا يجادل عاقل في أن هذا السلوك الشنيع هو عنصر فشل وإخفاق للمدرسة المغربية، وعنصر إدانة لمنظومة ينبغي أن تعلن إفلاسها وإصابتها بعلل قاتلة تحتاج إلى تشخيص جاد وعميق، ثم علاج شامل ودقيق.

وحتى لا أرتكب ظلما ضد المدرسة أو “المنظومة” التعليمية، فإنني لا أحملها وحدها جريرة ما يحصل من تفلت وعربدة، فأقول بأن للأسر ومؤسسات الإعلام كفلا من المسؤولية في ذلك، فالكل مسئول ” كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته” كما قال الرسول ، ولكن المدرسة بحكم احتضانها للناشئة لوقت أطول عبر مختلف مراحل الطفولة واليفاعة والمراهقة، لو لم تفرغ من روحها وجوهرها لفعلت العجب العجاب، في تعهد الأطفال والمراهقين والشباب.

إن هذا الانفلات الخلقي الذي تكرر في نسخ مقرفة ومخزية في عدد من المؤسسات التربوية لا يمكن أن يذهب أدراج النسيان، بل لابد أن يظل عامل قلق وهم ومساءلة دائمة لكل من يهمهم الأمر، حتى يعود للمدرسة بهاؤها المفقود، ودورها المنشود.

إنني وإن رسمت لوحة قاتمة، لا تعدو أن تكون نقلا لواقع مرير، فلا يفوتني في ختام هذه المقالة أن أعبر عن انطباع يمثل الأمل وعدم اليأس في عودة الوجه المشرق لمدرسة القيم في وطننا العزيز، تولد لدي هذا الانطباع عندما شاهدت مقطعا نقلته جريدة هسبرس الإلكترونية لمجموعة من تلامذة مؤسسة الشريف الإدريسي التأهيلية بابن امسيك بالبيضاء  وهم يقدمون باقات من الورود لأساتذتهم، تعبيرا عن امتنانهم لهم وعرفانهم بالجميل، وبرهنة على أن معين الخير والجمال لا يمكن أن ينضب، وأن جذوة الحب لا يمكن أن تنطفئ. وصدق الله القائل: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ(الأعراف: 57).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>