تجليات الخوف من الله في حياة رسول الله  وأثر ذلك على أمته


لقد كان إمام الهدى، وسيد الأولين والآخرين، أشد الناس خوفا من الله، وأعظم خشية لله ، حتى قال عن نفسه : «أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له». (صحيح البخاري ومسلم)، ووصفه رب العزة والجلال بالخوف والخشية فقال: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم(الأنعام: 16)، والشواهد الكثيرة، والمواقف الجليلة من السنة المطهرة تدعم هذه الشهادة القرآنية، وهي مواقف كثيرة جدا منها:

حديث عبد الله بن مسعود  قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا(النساء:41) قال لي كف أو أمسك، فرأيت عينيه تذرفان”.(صحيح البخاري)،  وفي رواية لمسلم “رفعت رأسي أو غمزني -طعنني بأصبعه- رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل.(صحيح مسلم)

وعن مطرف عن أبيه قال: “رأيت رسول الله  يصلي وفي صدره أزيز، كأزيز المرجل من البكاء” (رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده). (أزيز المرجل: أي صوته، والمرجل بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم: قدر من نحاس يطبخ فيها)، والمراد أن جوفه وقلبه  يغلي كغليان القدر الذي يطبخ فيه  من شدة الخوف من الله والبكاء عليه.

وعن أبي ذر  قال قال رسول الله : إني أرى مالا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت -صاحت- و حق لها أن تئط، ما فيها أو ما منها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا، و ما تلذدتم بالنساء على الفرشات، و لخرجتم إلى الصعدات -الطرقات- تجأرون إلى الله، والله لوددت أني كنت شجرة تعضد “(رواه الحاكم في المستدرك).

هذا سيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين، وهو أحب خلق الله إلى الله… يقول هذا، فماذا نقول نحن؟ّ

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي  تلا قول الله  في إبراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ  فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي  وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ..  (إبراهيم: 38)، وقول الله في عيسى : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ  وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم(المائدة: 120).

فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله  يا جبريل اذهب إلى محمد -وربك أعلم-فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل  فسأله فأخبره رسول الله  بما قال -وهو أعلم-  فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: “إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك”. (صحيح مسلم)

الرسول  يبكي خوفا على أمته لا خوفا على نفسه، فهلا رجعنا إلى سنة رسول الله؟.

ويخرج  يوما ليشيع جنازة أحد أصحابه -رضوان الله عليهم- فيجلس على شفير القبر، -شفير القبر: طرفه- ويبكي، حتى ابتل الثرى من كثرة البكاء، ثم توجه إليهم قائلا: «يا إخواني لمثل هذا فأعدوا» (رواه ابن ماجه).

رسول الله يخاف من لقاء الله.. رسول الله يخشى مولاه، وهو من هو في العبادة والاجتهاد.. ونحن المقصرون، ونحن الغافلون، نرتكب المعاصي ليلا ونهارا، سرا وجهارا ولا نبالي؟

وقد كان لخوف رسول الله من الله الأثر البالغ، في حياة أصحابه الكرام، وأتباعه الذين جاءوا بعده، الذين كانوا يحرصون أشد الحرص على اتباعه ، فتخرج على يديه رجال كثيرون، يخشون الله ويخافون عذابه، ومن هؤلاء الرجال:

أولا: أبو بكر الصديق :

لقد أبصر  طائرا على شجرة، فقال: “طوبى لك يا طير، تاكل الثمر، وتقع على الشجر، لوددت أني ثمرة ينقرها الطير” (رواه البيهقي في شعب الإيمان).

وعن الضحاك قال: رأى أبو بكر الصديق طيرا واقعا على شجرة، فقال: طوبى لك يا طير، والله لوددت أني كنت مثلك، تقع على الشجرة وتأكل من الثمر، ثم تطير وليس عليك حساب، ولا عذاب، والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق مر علي جمل فأخذني فأدخلني فاه ـ فمه ـ  فلاكني، ثم ازدردني ، ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا. (رواه البيهقي في شعب الايمان)

ثانيا: خوف عمر بن الخطاب :

مما ورد في خوف عمر  قولته المشهورة: “يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت كأسمن ما يكون، زارهم بعض من يحبون، فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواء، و بعضي قديدا، ثم أكلوني و لم أكن بشرا”. (رواه البيهقي في شعب الإيمان).

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة، ليتني لم أكن شيئا، ليت أمي لم تلدني! ليتني كنت منسيا.

وكان يسير يوما ويقرأ القرآن، يقرأ سورة الطور، فلما بلغ قوله تعالى: إن عذاب ربك لواقع(الطور: 6)، بكى واشتد بكاؤه، حتى مرض شهرا كاملا من تأثير هذه الآية، وعاده الصحابة شهرا..

ومما أثر عنه  أنه كان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء .

ثالثا: خوف عثمان بن عفان :

كان  إذا وقف على القبر يبكي، حتى تبتل لحيته، ويقول: “لو أنني بين الجنة والنار، لا أدري إلى أيهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا، قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير”.

رابعا: خوف عمر بن عبد العزيز:

كان عمر بن عبد العزيز إذا صلى الصبح، أخذ المصحف في حجره ودموعه تسيل حتى تبتل لحيته، فكلما مر بآية فيها تخويف رددها، فلا يتجاوزها من كثرة البكاء حتى تطلع الشمس.

خامسا: خوف الإمام الشافعي:

لما دخل عليه الإمام المزني وهو في علته التي مات فيها، قال له: كيف أصبحت يا إمام؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولكأس المنية شاربا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى ربي واردا، ولا أدري نفسي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وقال:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبــــــــــي

جعلت رجائي نحو عفوك سلمــا

تعاظمني ذنبي فلما قرنتـــــــــــــــــــــــــه

بعفوك كان عفوك أعظمــــــــــــــــــا

فما زلت ذا عفو عن الذنب سيـدي

تجود وتعفو منة وتكرمـــــــــــــــــــــــا

فلولاك ما يغوي إبليس بعابــــــــــــــــــــد

كيف وقد غوى صفيك آدمــــــــــا

هكذا كان رسول الله  يخاف من ربه، وهكذا كان حال الصحابة ومن جاء بعدهم يخافون من ربهم، ويقتدون بنبيهم، وعلى درب ونهج هؤلاء يجب أن نسير.

ذ  رضوان طوبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *